لم تنسحب المعارك العنيفة في سائر أنحاء سوريا على الصحراء الفارغة التي تقارب مساحتها نصف مساحة البلاد، فالقوات الحكومية السورية انسحبت من أجزاء واسعة منها إلى المدن والبلدات المأهولة، بعد اشتعال الأزمة وامتدادها إلى المحافظات السورية في عام 2012، على قاعدة أن الانتشار في المناطق الخالية «عبثيّ»، بينما ملأ تنظيم «داعش» القسم الأكبر من هذا الفراغ، بسيطرته على عقد الطرق الرئيسية التي تربط المحافظات في الصحراء السورية.
وتمتد الصحراء، والمناطق الزراعية الشاسعة المتصلة بها، في جنوب شرق، ووسط وشرق وشمال شرقي البلاد. وتخلو هذه المناطق، في الوقت الحالي، من قوات عسكرية وتمركزات سواء للنظام أو معارضيه من المعتدلين والمتشددين، إذ يكتفي هؤلاء، في مناطق سيطرتهم، على التمركز في عقد المواصلات التي تربط المدن، بينما يسكن الصحراء بدو ورعاة الماشية الذين يقيمون حول واحات المياه، أو في مناطق زراعية محدودة.
وإذا كان «داعش» يسيطر على ثلثي المناطق الصحراوية السورية، فإنها «تعد مناطق خالية، يسكنها القليل من البدو، وبالتالي، من يسيطر على عقد طرق المواصلات بين المحافظات هو الذي يسيطر على المنطقة بأكملها»، كما يقول مصدر في جنوب سوريا. لكن هذه المنطقة لا تحتضن وجودًا عسكريًا مكثفًا للتنظيم «خلافًا للمدن التي تسكنها تجمعات بشرية كبيرة»، كما يعد التمدد فيها «سهلاً بغياب المراقبة الجوية، وغياب التجمعات السكنية».
ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن بادية السويداء التي تمتد من الحدودي الأردنية في جنوب شرقي البلاد، وحتى ريف دمشق، على مساحة 120 كيلومترا، يوجد فيها تنظيم داعش ومجموعات من البدو يؤيدون التنظيم. وينقطع هذا الوجود لـ«داعش» في ريف دمشق الشرقي، حيث تسيطر قوات النظام على منطقة العتيبة، إثر خوضها معارك عنيفة ضد تنظيم «جيش الإسلام». تلك المعارك جاءت بعد معارك خاضها «جيش الإسلام» مع تنظيم داعش أفضت إلى طرد «داعش» منها، ومنعه من التقدم عبرها إلى تدمر، ما اضطره إلى سلك طريق آخر عبر دير الزور إلى تدمر في مايو (أيار) الماضي.
ويشير المصدر إلى أن الطريق المؤدي إلى دير الزور شرق تدمر «أحكم (داعش) سيطرته عليه بهدف الوصول منه إلى ريف حمص الشرقي وتأمين طريق الإمداد من الأنبار العراقية إلى شرق ريف دمشق - الغوطة الشرقية وحمص، وقد سيطر عليه قبل بدء غارات التحالف».
والواقع أن المناطق الصحراوية في ريف دمشق تمثل 76 في المائة من مساحة المنطقة، استعاد النظام بمشاركة حزب الله اللبناني السيطرة على قسم كبير منها في القلمون الشرقي، حيث مطاراته العسكرية ومخازن أسلحته الاستراتيجية، وفي القلمون الغربي، الذي بات معظمه تحت سيطرة النظام، باستثناء القسم المتصل بصحراء تدمر، وهي مواقع تمدد «داعش»، حيث بات التنظيم يبعد مسافة 40 كيلومترًا عن بلدة قارة في شمال ريف دمشق، انطلاقًا من مواقع سيطرته في القريتين وأطراف بلدة مهين.
أما الصحراء في منطقة وسط سوريا فباتت منذ مطلع الصيف تحت سيطرة «داعش»، باستثناء المنطقة الواقعة غرب تدمر وتمتد إلى المدينة، وهي منطقة شهدت اشتباكات بين النظام و«داعش» حول حقل الشاعر النفطي وحقول جزل. ومن هناك باتجاه الشرق يوصل «داعش» مناطق سيطرته بريف دير الزور الذي يتضمن أكبر منطقة صحراوية في سوريا.
هذه المنطقة، على أهميتها، بالنظر إلى أنها تتضمن مواقع استخراج النفط والغاز، انسحبت منها قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد تدريجيًا، قبل أن تبدأ بخوض المعارك فيها منذ خريف 2012، بهدف الاحتفاظ بسيطرتها على آبار النفط. لكن ذلك لم يستمر، بحسب ما تقول مصادر معارضة لـ«الشرق الأوسط»، بعد تمدد تنظيم داعش. وتضيف: «يسيطر (داعش) على نحو ثلثي المناطق الصحراوية السورية في شرق البلاد، الممتدة إلى باديتي الرقة ودير الزور والحسكة وريف حلب الشرقي بمحاذاة نهر الفرات»، فضلاً عن أن «داعش» يسيطر على المنطقة الصحراوية الواقعة شرق السلمية في ريف حماه الشرقي. أما الأكراد فيسيطرون على جزء من بادية الحسكة المتصلة بالعراق، حيث يوجد حقل رميلان النفطي.





