كمال الشيخ.. الآسر في معالجاته الفنية والسياسية

مخرج التشويق الأفضل في تاريخ السينما العربية

شكري سرحان مع عبد المنعم إسماعيل في «اللص والكلاب»
شكري سرحان مع عبد المنعم إسماعيل في «اللص والكلاب»
TT

كمال الشيخ.. الآسر في معالجاته الفنية والسياسية

شكري سرحان مع عبد المنعم إسماعيل في «اللص والكلاب»
شكري سرحان مع عبد المنعم إسماعيل في «اللص والكلاب»

بعد أقل من شهر، وعلى أعتاب الدورة الجديدة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي (الذي ينطلق في الحادي عشر وينتهي في العشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني) تأتي الذكرى الحادية عشرة لوفاة المخرج كمال الشيخ الذي كان وُلد في الخامس من فبراير (شباط) 1925 (وفي بعض المصادر سنة 1919) وتوفي في الرابع من نوفمبر، مخلفًا وراءه 37 فيلمًا حقق أولها (وهو «المنزل رقم 13») سنة 1952 وآخرها («قاهر الزمان») سنة 1987.
ستمر هذه الذكرى، كما مرّت الذكرى العاشرة وما قبلها من دون أي محاولة إحياء لأعمال هذا المخرج (إلا إذا التقط هذا الخيط بعض المنعيين من مقدّمي البرامج التلفزيونية أو الصحافيين). لكن هذا ليس غريبًا أو ناشزًا. مخرجون في قامة الشيخ (وأشهر منه عالميًا) مثل يوسف شاهين بات من المعتاد طي الزمن لمناسبات ولادته ومناسبات رحيله من دون توقف أحد عند ذكراه. صحيح أن الشيخ وشاهين وصلاح أبو سيف وعاطف سالم من بين المخرجين الذين تناولتهم مقالات ودراسات كثيرة من قبل (معظمها خلال حياتهم على الأرض) إلا أن من سحر السينما أنه ما أن تتعرّض لجانب من أفلام أحد مخرجيها حتى تُفتح أمامك نافذة تطل على جانب آخر.
كمال الشيخ أحب لمعة السينما منذ البداية. كان دخل كلية الحقوق سنة 1937 على أمل أن يصبح محاميًا كما أراده والده، لكن شغفه بالأفلام قاده إلى ترك الكلية والالتحاق بركب الفن السينمائي.
في البداية رغب أن يكون ممثلاً، لكنه رضي أن يصبح مونتيرًا يعمل تحت تعليمات المخرج نيازي مصطفى من مطلع الأربعينات حتى مطلع الخمسينات. في عام 1952 وتحت إلحاح رغبته الحثيثة في أن يصبح مخرجًا، حقق أول أفلامه وهو «المنزل رقم 13» من بطولة عماد حمدي وفاتن حمامة ومحمود المليجي. الأخيران كانا التقيا قبل عام واحد في فيلم صلاح أبو سيف الرائع «لك يوم يا ظالم» بنجاح ملحوظ تكرر وقوعه في «المنزل رقم 13» ليس فقط لأن المليجي جسد شخصية الشرير فقط بل لأن المخرج كمال الشيخ وفر لفيلمه الأول ذاك معالجة قائمة على التشويق وليس فقط سرد حكاية قد تكون بحد ذاتها مشوّقة.
مر عام واحد قبل أن يعود الشيخ في فيلم جديد هو «مؤامرة» الذي لم يسجل فيه أي تقدّم نوعي على عكس فيلمه الثالث «حياة أو موت» (1954). هذا الفيلم، وإلى اليوم، من بين أفضل ما قدّمته السينما المصرية من أفلام التشويق: صيدلي يعطي فتاة صغيرة الدواء الخطأ من دون قصد. والدها المريض سيموت لو أنه تناول الدواء. الصيدلي لا يعلم أين تعيش الفتاة والبوليس ينطلق بحثًا عنها قبل فوات الأوان. من حسن الحظ أن المسافة بين الصيدلية والبيت بعيدة ما يتيح للأحداث أن تحتل الوقت على نحو واقعي.

أعمال أدبية
مهارة الشيخ في التشويق جعلت الكثيرين يصفونه بهيتشكوك السينما العربية منذ ذلك الفيلم وما بعد. ومع أن العلاقة بين هيتشكوك والشيخ موحى بها عبر صياغات ومعالجات أفلام الشيخ التشويقية والبوليسية، إلا أن الواقع والحاضر المصري (كمكان حدث وكشخصيات وكثقافة المجتمع) تؤمّن انسيابًا مستقلاً لأفلام الشيخ عوض عن أن المخرج المصري لم يكن يستنسخ لكي ينمو، بل كان يعالج مواضيعه ببصمته الخاصة التي تختلف في التفاصيل عن تلك التي كان المخرج البريطاني (الأميركي لاحقًا) يمارسها.
«الشيطان الصغير» (1963) يأتي واحدًا من دلالات نبوغ المخرج المستقلة. هو عن صبي صغير يختفي في شاحنة نقل أثاث ويكتشف أن فيها جثّة. يحاول الهرب لكن سائق الشاحنة (ذلك الممثل الرائع صلاح منصور) ومساعده (حسن يوسف في دور مبكر) يخطفانه.
مثل «حياة أو موت» يعمل الفيلم على استنفار الحماسة في حكاية لديها نحو يوم لكي تبدأ وتنتهي. لا أحد في تاريخ السينما المصرية وحاضرها عالج هذا التوقيت جيّدًا كما عالجه كمال الشيخ في هذين الفيلمين كما في بضعة أعمال أخرى له. في حين أن «حياة أو موت» من توليف أميرة فايد (تزوّج المخرج منها لاحقًا) جاء «الشيطان الصغير» من توليف شقيقه سعيد الشيخ، وكلاهما، أميرة وسعيد، أمّنا للمخرج الأسلوب الذي اختطه لهذين الفيلمين كما لمعظم أفلامه اللاحقة. بينهما يكمن «الملاك الصغير» (1957) و«ملاك وشيطان» (1960) كما لو أن المخرج يمازح معجبيه ولو أن الحكايات الواردة فيهما وفي «الشيطان الصغير» مختلفة تمامًا. كذلك من بين أعماله الرائعة في تلك الفترة «اللص والكلاب» عن رواية نجيب محفوظ بالعنوان ذاته. هذا الفيلم (1962) هو أول احتكاك مباشر بين المخرج والموضوع السياسي المغلّف اجتماعيًا. لاحقًا في «ميرامار» (1969) و«الهارب» (1974) و«على من نطلق الرصاص» (1975) تبلور هذا الاحتكاك إلى طرح سياسي واضح، ولو أن المخرج أصر، في أحاديثه، على أنه لا يتعامل والسياسة مطلقًا في أفلامه.
مع «اللص والكلاب» تعرّض الشيخ، وكما نصّت الرواية، إلى نماذج من المجتمع المصري الرسمي تستغل مناصبها المؤيدة للحكومة لأجل ممارسة سلطاتها ومصالحها الخاصة. إنه حول اللص (شكري سرحان) الذي يتعرف على صحافي ناجح (كمال الشناوي) قبل دخوله السجن بعدما وشى به لص شريك. حين خروجه يحاول التقرب من الصحافي لكن هذا بات من أتباع السلطة وعليه فإنه سيحاول ردمه وماضيه معًا.
يغير الشيخ مرّة أخرى على الصحافة الفاسدة والمستسلمة للسلطة في «الرجل الذي فقد ظله» (1968) المأخوذ عن رواية فتحي غانم. بعد عام على النكسة العسكرية كانت اكتشفت الحاجة لطرح المفاهيم التي سادت، والتي على نحو أو آخر، أدّت إلى الهزيمة، لكن الرقابة كانت لا تزال لا تعترف بالمحاسبة الشخصية. رغم ذلك تصدّى الشيخ للموضوع بجرأة ثم زاد من جرعة تلك الجرأة عندما أخرج «ميرامار» عن رواية نجيب محفوظ أيضًا وفيها إدانة أوسع شأنًا للمحيط الذي تألف من جيل ما بعد ثورة 1952 وشمل مستفيدين ومسؤولين ورجال إعلام. ويلحظ المؤرخ محمود قاسم في كتابه «موسوعة المخرجين في العالم العربي» أن «ميرامار» اتهم الثورة المصرية مباشرة.
لكن الشيخ عاد وقدّم «شروق وغروب» ذا الموضوع السياسي المناهض لـ«ميرامار» لكي يثبت إنه ليس سينمائيًا يبنى أعماله تبعًا لمواقف سياسية. بعد هذين الفيلمين عاد إلى الموضوع السياسي في فيلمين من كتابة رأفت الميهي هما «الهارب» و«على من نطلق الرصاص» (1974 و1975 على التوالي). هذه الأفلام، بصرف النظر عن مواقفها، كانت إعلانًا بأن كمال الشيخ عالج الأعمال الأدبية بالمقدرة ذاتها التي عالج فيها الأفلام المكتوبة مباشرة للسينما. في معظم ما أخرجه، بما في ذلك فيلمه الأخير غير المقدّر حق تقديره «قاهر الزمن»، مارس السينما تبعًا لعناصرها الفنية أولاً.



أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.