{حياتو} يتربع على إمبراطورية الفساد

لاعب السلة الذي يرأس عالم كرة القدم لـ 90 يوما

{حياتو} يتربع  على إمبراطورية الفساد
TT

{حياتو} يتربع على إمبراطورية الفساد

{حياتو} يتربع  على إمبراطورية الفساد

بعد مرور أكثر من قرن على إنشاء «فيفا» (111 سنة)، وجد الكاميروني عيسى حياتو نفسه على رئاسة الاتحاد، خلفا للسويسري جوزيف بلاتر، الذي أوقف للتحقيق معه بشأن اتهامات بالفساد المالي. وبذا أصبح حياتو أول أفريقي يتزعم إمبراطورية كرة القدم العالمية، وليحقق ما فشل فيه قبل 13 سنة، عندما مُني بهزيمة ساحقة أمام بلاتر في انتخابات عام 2002.

يمرّ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حاليًا بالأزمة الأكثر خطورة في تاريخه منذ اعتقال 7 مسؤولين حاليين وسابقين وتوجيه الاتهام إلى 14 شخصًا آخرين بطلب من القضاء الأميركي بتهم فساد ورشى وابتزاز وتبييض أموال.
ولقد أعلن الاتحاد أخيرًا تكليف عيسى حياتو (69 سنة) بتولي رئاسة الاتحاد بصورة مؤقتة خلفا لجوزيف بلاتر، الذي تقرر إيقافه لمدة 90 يوما، قابلة للتمديد لمدة 45 يومًا، من قبل لجنة القيم التابعة للاتحاد، حتى يتسنى التحقيق معه في اتهامات الفساد المالي والإداري وتلقي الرشى خلال فترة رئاسته.
عبد المنعم مصطفى الشهير بـ«شطة»، رئيس اللجنة الفنية في الاتحاد الأفريقي (الكاف) قال لـ«الشرق الأوسط» عن إسناد المنصب لحياتو، ولو بالوكالة، معلقًا: «شرف للقارة الأفريقية أن يكون رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم من أبنائها ولو ليوم واحد فقط». وأردف: «حياتو، وهو الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، يتمتع بشخصية قوية ومتزنة.. ويعلم كل خبايا الـ(فيفا) وأسراره بما يمكنه من تحقيق فارق».
للعلم، بحسب المادة 32 من النظام الأساسي لـ«فيفا»، فإن حياتو كونه نائب الرئيس الأقدم سنًا في اللجنة التنفيذية لـ«فيفا» يتولى تلقائيًا الرئاسة بالوكالة. ولقد حددت اللجنة التنفيذية الجديدة لـ«فيفا» 26 فبراير (شباط) المقبل موعدًا للجمعية العمومية غير العادية لانتخاب رئيس جديد خلفا لبلاتر.
حياتو صرّح عقب تكليفه بالمسؤولية بأنه سيتولّى المهمّة حتى موعد الجمعية العمومية بشكل مؤقت فقط، مؤكدًا أن لا نية لديه للترشح في الانتخابات المقبلة. وأعرب الرئيس الجديد لـ«فيفا» عن سعادته لتولي المنصب الرفيع، معتبرًا أنه «شرف له وللكاميرون»، وأنه «يدرك ما ينتظره من تحديدات لأنه يعرف الـ(فيفا) جيدًا». ويذكر أن السويسري بلاتر الذي يترأس الـ«فيفا» منذ 1998 على وشك ترك منصبه بعد الانتخابات المقرّرة في فبراير المقبل، لكنه اضطر إلى تقديم استقالته بعد أربعة أيام فقط على إعادة انتخابه لولاية خامسة على التوالي في 29 مايو (أيار) الماضي بسبب فضائح الفساد التي طالته شخصيًا.
من ناحية أخرى، ضمن الموقوفين لدى لجنة القيم الفرنسي ميشال بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي (يويفا) والأمين العام السابق لـ«فيفا» الفرنسي جيروم فالك بتهم فساد، فضلاً عن إيقاف الكوري الجنوبي تشونغ مون - غوون 6 سنوات.
ووفق تقارير مكتب المدعي العام فإن بلاتر مشتبه به في عملية «دفع غير مشروع» لمبلغ مليوني فرنك سويسري إلى بلاتيني. كذلك تشتبه وزارة العدل السويسرية بأن بلاتر وقّع «عقدا (لمنح حقوق نقل مونديالي 2010 و2014) في غير مصلحة الـ(فيفا) مع الاتحاد الكاريبي للعبة عندما كان الترينيدادي جاك وارنر رئيسًا له».

لمحة تاريخية
من الناحية التاريخية نشير إلى أنه تعاقب على رئاسة الـ«فيفا»، الذي كان قد أسس عام 1904، ثمانية رؤساء، 7 منهم أوروبيون وواحد برازيلي، وهم على التوالي:
- الفرنسي روبرت غيران بين عامي 1904 و1906
- الإنجليزي دانييل برلي وولفل بين عامي 1906 و1918
- الفرنسي جول ريميه بين عامي 1921 و1954
- البلجيكي رودولف ويليام سيلدرييرز بين عامي 1954 و1955
- الإنجليزي آرثر دروري بين عامي 1955 و1961
- الإنجليزي ستانلي روس بين عامي 1961 و1974
- البرازيلي جواو هافيلانج بين عامي 1974 و1998
- السويسري جوزيف بلاتر (منذ عام 1998)
اللاعب السابق «شطة» الذي يرافق حياتو منذ نحو 15 سنة في الاتحاد الأفريقي، يعتقد أن يكون حياتو الأقدر من بين هؤلاء رغم قصر المدة التي سيتولى فيها المهمة، وسخونة الأحداث التي يمر بها الـ«فيفا» حاليًا، والتي تتطلب دقة وحنكة إدارية عالية لتجاوز تلك المرحلة.
ويوضح «شطة» أن من ميزات حياتو بأنه ترأس بنجاح كبير رئاسة اتحاد كرة قدم أصعب قارة في العالم وأكثرها مشكلات وفقرًا.. أي أفريقيا، ولمدة تعدت الـ27 سنة وهذا رقم قياسي بالتأكيد. وخلال هذه المدة حقق إنجازات كبيرة، بالإضافة إلى نهوضه بمنصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لأكثر من 20 سنة، تعامل خلالها مع كثير من الرؤساء السابقين مما منحه خبرة كبيرة لا يتمتع بمثلها أحد من نظرائه حاليًا.

سيرة شخصية
ولد عيسى حياتو يوم 9 أغسطس (آب) 1946 في مدينة غاروا بالكاميرون. وهو ينتمي إلى أسرة عريقة صاحبة نفوذ سياسي كبير خاصة في شمال الكاميرون، ذلك أن أباه زعيم محلي بارز، وكان شقيقه رئيس وزراء أسبق في البلاد. وبالنسبة لعائلته الصغيرة، فهو متزوج وله أربعة أولاد. وتقول زوجته ماري كلير عنه: «إنه يقدس العمل ويحب التفاني فيه وتقديمه على الوجه الأكمل، ويمتلك سيرة ذاتية كبيرة تتناسب مع أكثر مما هو فيه، كما أنه صبور ومكافح ودائما يدافع عن أحلامه ويسعى إلى تحقيقها».
ولقد روت ماري كلير كيف تعرفت عليه في حوار صحافي نشرته إحدى وسائل الإعلام المصرية، قائلة: «قابلت عيسى حياتو عندما كان لاعبا لكرة السلة، وبعد قصة حب ارتبطنا.. إنه طيب وصاحب شخصية قوية وحازمة.. يمتلك صفات إرادية نادرة في عالم الإدارة.. كما أنه اجتماعي إلى أبعد الحدود، فلديه أصدقاء كثيرون على الصعيدين الأفريقي والدولي، وأنصاره وأحباؤه من كل الدول».
وحقًا، بدأ حياتو مشوار «زعامته» لعالم كرة القدم، لاعبًا لكرة السلة ورياضيًا يمارس ألعاب القوى، إذ انضم للمنتخب الكاميروني لكرة السلة وهو دون التاسعة عشرة من عمره خلال الفترة (1964 – 1971)، وجرى اختياره آنذاك ضمن تشكيله المنتخب المشارك في الألعاب الأفريقية بالكونغو - برازافيل عام 1965، وأنهى مشواره مع اللعبة في عام 1971.
وعقب ثلاث سنوات من اعتزاله لعبة كرة السلة انطلق حياتو نحو العمل الإداري، فتقلد منصب الأمين العام للاتحاد الكاميروني لكرة القدم في 1974، ثم تولى منصب مدير الشؤون الرياضية بوزارة الشباب والرياضية الكاميرونية لمدة 3 سنوات، وبالتحديد، منذ 1983 وحتى 1986.
ومن خلال نجاحاته الإدارية أسند إليه منصب رئاسة الاتحاد الكاميروني لكرة القدم عام 1986، وهو المنصب الذي لم يستمر به كثيرًا، بل تركه لتولي رئاسة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» للمرة الأولى بعد فوزه بالمنصب خلال الجمعية العمومية التي عقدت في المغرب يوم 11 مارس (آذار) عام 1988، ليغدو الرئيس الخامس للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وهو المنصب الذي ما زال يتقلده حتى الآن.
عبر رئاسة حياتو رئاسة الاتحاد الأفريقي، اكتسب الرجل خبرة كبيرة في المناصب الإدارية، وهو ما أهله لأن ينطلق نحو العالمية ويفوز بعضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي (فيفا) عام 1990، ثم تدرج ليصبح نائبًا لرئيس الاتحاد الدولي عام 1992، وأخيرًا تعيينه رئيسا مؤقتا للاتحاد.
الذين يعرفون حياتو عن قرب - مثل «شطة» رئيس اللجنة الفنية في الاتحاد الأفريقي - يصفونه بأنه «قيادي من الطراز الأول، ويتمتع بشخصية قوية ومتزنة بعيدة عن الانفعال، كما أن نجاحه الإداري وتقلده لكثير من المناصب يرجع إلى طبيعة شخصيته الديمقراطية مع مرؤوسيه، فعادة ما يأخذ آراء المجموعة التي تعمل معه».
ورجح شطة أن «يعيد حياتو التوازن للاتحاد الدولي خلال تلك الفترة القصيرة، باعتباره يعلم كل خبايا الاتحاد أكثر من بلاتر نفسه».
ويعدّد مؤيدو حياتو عددًا من الإنجازات التي تحققت للكرة الأفريقية في عهده، ومنها زيادة عدد منتخبات «القارة السمراء» في المونديال من 3 منتخبات إلى 5، وذلك بدايةً من كأس العالم 1998 في فرنسا. وكذلك تمكنه خلال تلك الفترة من النهوض بالكرة الأفريقية حتى أصبحت كأس الأمم الأفريقية ثالث أهم بطولة كروية في العالم بعد كأس العالم وبطولة الأمم الأوروبية.
ومن ثم عمل على زيادة عدد الدول المشاركة في نهائيات بطولات الأمم الأفريقية من 8 دول عام 1988 إلى 16 دولة اعتبارًا من عام 1996، واستحدث أيضًا تنظيم بطولة أفريقيا للمحليين، وأيضا للشباب تحت 17 سنة وبطولة أفريقيا للأمم للسيدات، وفي طريقه لتطبيق دوري المحترفين إلى دول القارة، بعد أن ساهم في إنشاء مئات الملاعب بالدول الفقيرة بتمويل دولي.
وبمعزل عن المنتخبات الوطنية، كان واحدًا من الأهداف الرئيسية لحياتو في أواخر 1990 توفير الحوافز لأندية كرة القدم الأفريقية من شأنها وقف تدفق اللاعبين الأفارقة إلى أوروبا، إذ كان يرى أن «الدول الغنية تستورد المواهب الأفريقية وترسل إلينا فنيين (مدربين) من أقل قيمة». لكن هذه المبادرة لاقت نجاحًا محدودًا، ووجهت أيضًا ببعض الانتقادات. كذلك كانت له مبادرة عام 1997 تتعلق بالتفاوض مع الاتحاد الأوروبي لدفع الهيئات والأندية الأوروبية رسومًا للدول الأفريقية عن لاعبين هناك ينتمون إلى أصول أفريقية.

التقاعد .. والصحة
من ناحية أخرى، تنتهي فترة ولاية حياتو الحالية في رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2017، ويبدو أنه سيسعى لانتخابه لأربع سنوات أخرى، ويقال إنه يراهن على أن يستمر في المنصب إلى نهاية عمره، على غرار سلفه الإثيوبي يادنكاتشيو تيسيما الذي ترأس الـ«كاف» عام 1972 واحتفظ بالمنصب حتى وفاته عام 1987.
وهنا يشرح «شطة»: «لا تنص لوائح الكاف على سن معين للترشح على منصب الرئيس أو عدد الولايات، ومن ثم يحق لحياتو أن يترشح لولاية جديدة إذا ما أراد ذلك.. لكنه حتى الآن لم يحدد بعد».
وكان حياتو قد أشرف في وقت سابق من هذا العام على إجراء تغييرات مثيرة للجدل في لوائح الاتحاد الأفريقي، كانت تضع حد الـ70 سنة للترشح في المناصب القيادية. وهو ما فسر على عزمه الترشح مجددًا.
وثمة من يشير، في هذا المجال، إلى أنه يعاني من مشكلات صحية كبيرة منذ سنوات كثيرة تتطلب خضوعه لجلسات منتظمة لغسيل الكلى. لكن مقربين منه أكدوا أن ذلك لن يكون مؤثرا على قدرته في إدارة شؤون الفيفا، «لأنه ما زال متماسكًا وقادرًا على حضور جميع المباريات والاجتماعات في مختلف أنحاء العالم».

تهم الفساد
في المقابل، وأمام الخبرات المميزة هناك أيضًا من يقولون إن ملف حياتو، مثل معظم أقرانه في الاتحاد الدولي لكرة القدم، لا يخلو من لغط وشبهات واتهامات بشأن الفساد منذ توليه رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 1988، إذ تحدثت تقارير إعلامية عام 2010 عن وثائق وصفت بأنها «مهمة» زعمت تورط ثلاثة أعضاء من «الفيفا»، من بينهم عيسى حياتو، في قضية فساد وتسلم الرشى سابقًا، غير أن التحقيقات برأت ساحته لاحقًا وطويت الملفات. ثم قبل فترة غير بعيدة ذكر اسمه في الاتهامات الخاصة بملف تنظيم قطر لكأس العالم عام 2022. لكنه علّق على تلك الاتهامات في أعقاب توليه رئاسة الاتحاد الدولي قائلا: «سجلي نظيف وبعيد عن الشبهات وأبيض كالثلج».
غير أن سمير زاهر، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد العربي لكرة القدم، ورئيس اتحاد كرة القدم المصري السابق، قال لـ«الشرق الأوسط»: «الموضوع غريب جدًا.. أنا أرى أن ما يتورط فيه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم ينعكس على كل من يعمل معه، وكل أعضاء اللجنة التنفيذية بالاتحاد، الذين يجب أن يرحلوا جميعا، ولا بد من وقفة دولية تضع حدا لتلك الأمور». وتابع: «كلهم واحد، والوضع لن يختلف كثيرًا، إلا عبر تغيير شامل. هناك ريبة في التعامل مع الاتحاد الدولي، وطريقة اختياراته للبطولات واجتماعاته وحتى تحقيقاته، لا بد للاتحاد من أن يبتر من رئيسه وحتى عامل النظافة»، واستطرد أن «حياتو صديق مقرب من بلاتر، إضافة إلى حالته الصحية الصعبة».
وحول استمراره على رئاسة الاتحاد الأفريقي رغم ذلك، قال زاهر: «الانتخابات في كل الاتحادات تدار بلعبة الأموال وكلها ريبة. هؤلاء ينجحون عبر توجّهات الشركات الراعية.. وإذا أردنا التطوير الحقيقي وتعقّب الفساد يجب أن نتبع مقولة انسف حمامك القديم».
من جانبه، طالب الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، حياتو، بالدعوة إلى اجتماع طارئ لأعضاء اللجنة التنفيذية لـ«فيفا». وأكد الشيخ سلمان أن هذا الاجتماع ضروري من أجل جلب الاستقرار لعالم كرة القدم. وقال: «هذه ظروف استثنائية، لهذا يجب أن نجتمع، لنتشاور في شكل جماعي لتجاوز هذه الأوقات الصعبة».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.