العقيدة العسكرية الروسية الجديدة

«الأربعة الكبار» الذين يقفون وراء «معارك» سيّد الكرملين في الخارج

العقيدة العسكرية الروسية الجديدة
TT

العقيدة العسكرية الروسية الجديدة

العقيدة العسكرية الروسية الجديدة

يسلّط التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا الضوء على ما يصفه المراقبون السياسيون والاستراتيجيون في الغرب بـ«العقيدة العسكرية الروسية الجديدة» في عهد الرئيس فلاديمير بوتين. ومعلوم أن آخر تدخل عسكري خارجي مباشر أمرت به موسكو كان التدخل في أفغانستان إبان الحقبة السوفياتية. أما في أوروبا، فطبّقت موسكو «مبدأ بريجنيف» للحفاظ على وحدة منظومة دول «حلف وارسو» وتماسكها ومنعه خروج دول أوروبا الشرقية منها إبان «صراع الشرق والغرب» الذي شكل لبّ الحرب الباردة بين العملاقين الاشتراكي والرأسمالي، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.

متكئًا على ما سبق وأجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تغييرات في «العقيدة العسكرية الروسية» في نهاية العام الماضي، واتصالاً بما حقّقه مما وُصف بـ«مكتسبات» تاريخية أعادت – بالنسبة إليه – إلى الوطن ما استلبه الآخرون في غفلة ممن أوكِلت إليهم مقاليد أموره من أراض استعادها في شبه جزيرة القرم، اتخذ بوتين قراره حول الخروج بقواته الجوية إلى ما وراء الحدود بحجة «حماية بلاده والعالم من أخطار الإرهاب الدولي».
كان قد سبق لبوتين أن كشف عن بعض ما يجنح إليه في الملمّات، وحين يرى أنه مطالب باتخاذ أكثر القرارات خطورة ومصيرية، إذ قال الرئيس الروسي في معرض شريط وثائقي تلفزيوني أذاعه التلفزيون الروسي في مطلع العام الحالي حول ما جرى وراء كواليس اتخاذ قرار استعادة شبه جزيرة القرم، إنه اضطر إلى لقاء كثيرين من كبار رجال الدولة وممثلي أجهزة الأمن والدفاع ليجلس إلى كل منهم على حدة مستفسرًا ومتسائلاً.
كان يومذاك يريد أن يستوضح الرأي تجاه احتمالات اتخاذ قرار ضم القرم، وما إذا كانت بلاده تستطيع أن تواجه أكبر قدر من الضغوط وردود الفعل، بأقل قدر من الخسائر.
وبعد سلسلة من الاجتماعات التي استغرقت بضعة أيام، كان لقاؤه مع أربعة من أقرب مساعديه، الذي طال حتى السابعة من صباح اليوم التالي.

الشخصيات الأربع
لم يفصح بوتين بطبيعة الحال عن أسماء الشخصيات الأربع، وإن كانت كل المؤشرات عند المطلعين على المشهد السياسي في موسكو تقول إن الأربعة لا يخرجون عن التالية أسماؤهم:
الشخصية الأولى هي رئيس ديوان الكرملين سيرغي إيفانوف، الذي سبق له أن ترأس جهاز الأمن والاستخبارات وبعدها وزارة الدفاع في أول حكومة شكلها بوتين في عام 1999، وهو يرتبط مع الرئيس بعلاقة صداقة وثيقة منذ سنوات الدراسة في جامعة لينينغراد (جامعة بطرسبرغ حاليًا) التي تخرّجا فيها والتحقا معًا بجهاز أمن الدولة (كي جي بي) في عام 1975.
أما الشخصية الثانية فهي حتمًا الجنرال نيكولاي باتروشيف، وهو ابن مدينته أيضًا لينينغراد (بطرسبرغ حاليًا) الذي كان خلف بوتين في رئاسة جهاز الأمن والاستخبارات وتولّى هذا المنصب بين عامي 1999 و2008. وهو حاليًا يشغل منصب السكرتير الحالي لمجلس الأمن القومي. وكان باتروشيف قد التحق بجهاز أمن الدولة في عام 1975 بعد تخرّجه في معهد بناء السفن في نفس توقيت التحاق بوتين وإيفانوف بهذا الجهاز.
وتأتي الشخصية الثالثة المدعوّة بحكم منصبها إلى حضور كل ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية وهي الجنرال سيرغي شويغو، وزير الدفاع الحالي، الذي انضم حديثًا إلى الدائرة القريبة من بوتين. وكان شويغو وزيرًا للطوارئ زهاء عشرين سنة، بعدما خَبَرَه بوتين في أكثر من موقع، وفي أكثر من مناسبة أثبت طوال الفترة – وفق المقرّبين من سيد الكرملين – أنه «رجل الأمن الوفي الأمين القدير، الحريص على مصالح الوطن وسلامة أراضيه».
أما الشخصية الرابعة التي طالما عهد بوتين إليها بتأمين خطوطه الأمامية في المجتمع الدولي فهي سيرغي لافروف، «عميد الدبلوماسية الروسية»، الذي وقع عليه خياره ليشغل منصب وزير الخارجية منذ عام 2004، وكان قبلها مندوبًا دائمًا لبلاده في منظمة الأمم المتحدة لما يزيد على عشر سنوات.
أما عن رئيس الحكومة الروسية ديمتري ميدفيديف فهو يعتبر بحكم منصبه الشخصية الثانية في هرم الحكم. وثمة ما يشير إلى احتمالات مشاركته، غير أن المصادر المطلعة تقول إنه حتى عندما يشارك فإن ما يطرحه من آراء لا يلقى اهتمامًا كبيرًا لأنه «يتهم» بالإفراط في الميول الليبرالية التي طالما كشف عنها خلال توليه لمقاليد الرئاسة في الكرملين 2008 - 2012.
هذه هي الصورة التي يعطيها مراقبون جيدو الاطلاع على المشهد السياسي في موسكو عن «الدائرة الضيقة» المحيطة ببوتين والمتّصلة بالقرارات العسكرية والأمنية.

التدخل في سوريا ليس «وليد اللحظة»
المراقبون المشار إليهم أعلاه يؤكدون أن قرار فلاديمير بوتين، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة لروسيا الاتحادية بالدفع بالمقاتلات والقاذفات الروسية إلى ما وراء حدود الدولة الروسية بهدف «ضرب معاقل تنظيم داعش المتطرّف وغيره من التنظيمات الإرهابية»، حسب البيانات الرسمية، لم يكن وليد اللحظة. ولعل التفكير فيه كان يسبق بكثير زمنيًا الموعد الذي بوغت به العالم بعد عودة بوتين من الأمم المتحدة ولقائه هناك نظيره الأميركي باراك أوباما.
ويرجح أيضًا أنه كان في البال قبل أن يعلن الكرملين عن خطة بوتين المشاركة في أعمال الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة بما يزيد على الشهر من الموعد المقرّر، وعن أنه يعكف بنفسه على كتابة خطابه الذي قرّر ألقاه هناك. ولعل بوتين، من ناحية أخرى، كان يستعيد أيضًا بعضًا من الماضي القريب الذي كان شهد أعلى درجات التنسيق والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع الإدارة الأميركية، يوم كانت الولايات المتحدة في أمسّ الحاجة إلى مساعدته وتعاونه بعدما ضربها الإرهاب في مقتل يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
يومذاك استيقظ بوتين على وقع رنين الهاتف، وكان المتحدث في الجانب الآخر الرئيس جورج بوش الابن، وإذا ببوش يسأل عن مدى استعداد بوتين لمساعدته وفتح أجواء بلاده لعبور المقاتلات والطائرات الأميركية «لضرب الإرهاب في أفغانستان». وهذا ما سارع بوتين بالموافقة عليه، بل وزاد عليه موافقته على وجود قواعد أميركية مؤقتة في جمهوريتي قرغيزستان وأوزبكستان السوفياتيتين سابقًا، وهو أمر استفاد منه الرئيس الروسي لاحقًا في عمليات الإجهاز على ما تبقى من ذيول الحركة القومية الانفصالية الشيشانية وبعض الجماعات الإرهابية في الداخل الروسي، وبالأخص في مناطق شمال القوقاز.
ووفق المصادر المطلعة في موسكو، كان بوتين قد انطلق في قراره حول «الضربة الجوية» في سوريا من «عجز بيّن» على مدار ما يزيد على العام في نشاط الائتلاف الدولي الذي أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيله وضم زهاء ستين دولة لمحاربة إرهاب تنظيم داعش. ولقد استند بوتين في قراره حول سلسلة «الضربات الجوية» إلى ما سبق وأجراه من تغييرات في العقيدة العسكرية الروسية، نصّت على «حق روسيا في استخدام قواتها المسلحة خارج حدودها لمواجهة أية أخطار تهدد أمنها القومي»، انطلاقًا مما كانت تنص عليه «العقيدة العسكرية الروسية» في صياغتها السابقة التي كان قد أقرّها سلفه ديمتري ميدفيديف في 5 فبراير (شباط) 2010 بخصوص «إمكانية إعادة النظر في أحكام العقيدة العسكرية بالتغيير والتعديل والإضافة بما يتناسب مع الأخطار والتهديدات لأمن ودفاع البلاد، وظروف تطوّرها».
ولعل العالم يذكر ما قاله بوتين في مستهل حملته ضد القوميين الشيشان في أعقاب دخولهم إلى داغستان (ذات الحكم الذاتي ضمن روسيا الاتحادية مثل جمهورية الشيشان) المجاورة سعيًا وراء إقامة «الخلافة الإسلامية»، وكان بوتين داهم مواقعهم هناك وطاردهم حتى لاذوا بالفرار عائدين إلى الشيشان. ومن ثم واصل ملاحقتهم متوعدًا: «سأطاردهم أينما كانوا.. سألاحقهم حتى المراحيض».

هاجس توسّع «ناتو»
ويذكر المراقبون الروس أن موسكو كانت عادت إلى طرح رؤيتها الاستراتيجية انطلاقًا ممّا نصّت عليه العقيدة العسكرية «لمواجهة الأخطار التي صارت تهدد أمن الدولة في أعقاب اندلاع الأزمة الأوكرانية»، وكذلك ما أعلنه حلف شمال الأطلسي «ناتو» من خطط لتعزيز قواته وقواعده على مقربة من الحدود الروسية، فضلا عمّا عاشته روسيا من مخاوف إزاء احتمالات تأثير انتفاضات «الربيع العربي» على الداخل الروسي.
وكان هؤلاء توقفوا طويلاً أمام ما تنصّ عليه هذه الوثيقة العسكرية حول أن «العدو الأول الخارجي لروسيا هو توسّع حلف شمال الأطلسي شرقا باتجاه الحدود الروسية»، وعند اعتبارها أن «خطة الولايات المتحدة حول نشر الدرع الصاروخية في أوروبا على مقربة من الحدود الروسية مصدر قلق للأمن القومي الروسي، فضلاً عن الأخطار الداخلية، ومنها محاولات تغيير النظام الدستوري والتطاول على وحدة أراضي الدولة من خلال الحركات الانفصالية والإرهاب بكل أشكاله»، ما سبق أن عانت منه روسيا في تسعينات القرن الماضي في منطقة شمال القوقاز، وهو ما عكسته العقيدة العسكرية السابقة التي صدرت في 2010.
وفي السياق ذاته أشار الرئيس الروسي إلى أن الأزمة الأوكرانية تضع الولايات المتحدة نفسها في صدارة قائمة الأخطار المباشرة التي تهدّد أمن بلاده، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في العقيدة العسكرية الروسية التي كان أقرها ميدفيديف في فبراير 2010. وهو ما يفسر ما أدخله الكرملين من إضافات وتعديلات على النص السابق لهذه العقيدة العسكرية التي أقرّها بوتين نفسه قبل نهاية العام الماضي، وليس في عام 2020 كما كان مقررًا في السابق.

رد فعل من موسكو
وحسب المراقبين السياسيين في موسكو، وراصدي منظور الساحة السياسية المحلية إلى الشؤون الدولية، فإن ما يتخذه الرئيس الروسي من قرارات وخطوات «رد فعل طبيعي على ما أقرته واشنطن وحلفاؤها من بلدان الاتحاد الأوروبي من عقوبات اقتصادية في إجراء عقابي لما وصفته بأنه تدخل روسيا في الأزمة الأوكرانية». وكان بوتين قد اضطر إلى اتخاذ بعض الإجراءات الجوابية، ومنها حظر صادرات هذه البلدان من المنتجات الزراعية والغذائية إلى روسيا.
ولم يتوقف الرئيس الروسي عند هذا الحد، بل سرعان ما كشف أيضًا عن أن بلاده «صارت مدعوة إلى تغيير عقيدتها العسكرية، ولا سيما بعد إصرار الولايات المتحدة على نشر عناصر درعها الصاروخية في أوروبا وآلاسكا (المجاورة للشرق الروسي في شرق سيبيريا)، وتعزيز قوات «ناتو»، ونشر قواعد عسكرية جديدة في بلدان شرق أوروبا، على تخوم الأراضي الروسية، إلى جانب الاستمرار في خطط «عسكرة» الفضاء الكوني، ومحاولات استخدام الأسلحة الاستراتيجية بوصفها أسلحة غير نووية».
كذلك اتهم بوتين الولايات المتحدة، صراحة ومباشرة، بمواصلة محاولات استغلال الأزمة الأوكرانية لخدمة مآربها العسكرية الذاتية وتعزيز حلف «ناتو».

خطر «داعش» على روسيا
هذا، وكانت الأجهزة الروسية، بما فيها وزارة الدفاع، قد شددت على ضرورة إدراج أخطار انتشار التنظيمات الإرهابية، ومنها «داعش»، وبالأخصّ بما أعلن عنه من تهديدات بنقل نشاطه إلى جنوب روسيا والقوقاز، بل والتهديد بتصفية بوتين شخصيًا، ضمن سلسلة الأخطار التي تستوجب اتخاذ إجراءات خاصة ومنها البدء بتوجيه الضربات الوقائية والاستباقية.
ومن اللافت أن العقيدة العسكرية الروسية في صياغتها السابقة لم تكن تدرج ما يقوم به «ناتو» من مهام عسكرية في مناطق من العالم من دون تكليف مباشر من مجلس الأمن. ولذا أكدت العقيدة العسكرية الروسية في صياغتها الأخيرة على أن بين «الأخطار العسكرية التي تهدّد الوطن» نشر وزيادة القوات الأجنبية في الدول والمياه المجاورة، «بما في ذلك بهدف الضغط السياسي والعسكري على روسيا»، إلى جانب «استخدام القوة العسكرية في أراضي دول الجوار في انتهاك لقواعد القانون الدولي، وظهور بؤر للنزاعات العسكرية هناك وتصعيدها، وأيضًا إقامة أنظمة في الدول المجاورة تكون سياستها مهدّدة للمصالح الروسية».

تهديد النظام ووحدة الأرض
والأسس الروحية
أيضًا تضمّنت النسخة الجديدة للعقيدة العسكرية الروسية من بين الأخطار الخارجية أيضًا «المطالبة بأراضٍ من روسيا ومن حلفائها، والتدخل في شؤونهم الداخلية». وإضافة إلى كل ذلك تضمنت العقيدة عنصرًا آخر جديدًا، وهو «الخطر الداخلي الأساسي الذي يتمثل في النشاط الإرهابي، والأعمال التي من شأنها زعزعة استقرار البلاد». وهذا إلى جانب الأخطار التي تقضي بمواجهتها «النشاطات التي تهدف إلى الإطاحة بالنظام الدستوري في روسيا، ومحاولات زعزعة استقرار الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد، والإخلال بعمل السلطات العامة، والمراكز الحكومية المهمة والمنشآت العسكرية والبنية التحتية المعلوماتية لروسيا»، فضلاً عن أنها أدرجت أيضًا ولأول مرة بين مهام القوات المسلحة في زمن السلم «تأمين المصالح الوطنية في القطب الشمالي». وأخيرًا، يبقى أن العنصر الأهم والأخطر هو ما نصّت عليه ضمن 14 خطرًا عسكريًا خارجيًا أساسيًا على روسيا، وهو يتمثّل بـ«نشاطات أجهزة الاستخبارات والمنظمات التخريبية الأجنبية، والتهديدات المتصاعدة للتطرّف والإرهاب، بما فيها أعمال المنظمات الإرهابية والأفراد التي تهدف إلى تقويض سيادة الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها وانتشار أسلحة الدمار الشامل والصواريخ وتقنياتها».
وأخيرا، فإن المراقبين والراصدين يلفتون إلى أن «قائمة الأخطار» لا تقف عند هذا الحد، بل تجاوزت ما سبقت الإشارة إليه، لتشمل أيضًا الأنشطة التي «تستهدف تغيير النظام الدستوري في الاتحاد الروسي بشكل قسري وزعزعة استقرار الوضع السياسي الداخلي والاجتماعي وإثارة الخلل في آلية السلطة والمنشآت الدولية والعسكرية والبنية التحتية للمعلومات التابعة للاتحاد الروسي»، بالإضافة إلى «الأنشطة التي تشمل التأثير الإعلامي على المواطنين وبالدرجة الأولى على الشباب، والتي تهدف إلى تقويض الأسس التاريخية والروحية والوطنية في ما يخص حماية البلد الأم، وكذلك الأعمال التي تستهدف إثارة التوتر العرقي والاجتماعي والتمييز العنصري وإشعال نار الكراهية الدينية والإثنية».

وزراء الدفاع في روسيا والاتحاد السوفياتي

* (بعد إنشاء المنصب عام 1953)
الاتحاد السوفياتي
نيكولاي بولغانين: مارس (آذار) 1953 - فبراير (شباط) 1955
جورجي جوكوف: فبراير 1955 - أكتوبر (تشرين الأول) 1957
روديون مالينوفسكي: أكتوبر 1957 - مارس 1967 (توفي إبان توليه المنصب)
آندريه غريتشكو: أبريل (نيسان) 1967 - أبريل 1976 (توفي إبان توليه المنصب)
دميتري أوستينوف: يوليو (تموز) 1976 - ديسمبر (كانون الأول) 1984 (توفي إبان توليه المنصب)
سيرغي سوكولوف: ديسمبر 1984 - مايو (أيار) 1987 (عزله الرئيس ميخائيل غورباتشوف بعد حادثة الطيار الألماني الهاوي ماثياس روست، الذي هبط بطائرته الصغيرة في الساحة الحمراء بوسط موسكو من دون إذن رسمي متجاوزًا منظومة الدفاعات الجوية للبلاد)
دميتري يازوف: مايو 1987 - أغسطس (آب) 1991 (عزله غورباتشوف لمشاركته في محاولة الانقلاب الهادفة إلى تثبيت الحكم الشيوعي بعد سياسات «الانفتاح» التي اعتمدها الكرملين)
يفغيني شابوشنيكوف: أغسطس 1991 - ديسمبر 1991
روسيا (بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)
بوريس يلتسين (بالوكالة): ديسمبر 1991 - مايو 1992
بافيل غراتشيف: مايو 1992 - يوليو 1996
ميخائيل كوليسنيكوف (بالوكالة): 1996
إيغور روديونوف: يوليو 1996 - مايو 1997
إيغور سيرغييف: مايو 1997 - مارس 2001
سيرغي إيفانوف: مارس 2001 - فبراير 2007
أناتولي سيرديوكوف: فبراير 2007 - نوفمبر (تشرين الثاني) 2012
سيرغي شويغو: نوفمبر 2012 - حتى الآن



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.