«جون».. جوهرة الشوف اللبناني

الليدي إستير استنهوب سكنت البلدة التي اشتهرت بمواهب أبنائها

منظر عام لبلدة جون العابقة برائحة زهر الليمون
منظر عام لبلدة جون العابقة برائحة زهر الليمون
TT

«جون».. جوهرة الشوف اللبناني

منظر عام لبلدة جون العابقة برائحة زهر الليمون
منظر عام لبلدة جون العابقة برائحة زهر الليمون

ما إن تدخل بلدة جون الشوفية حتى يغمرك هذا الشعور الجميل بأنك في قلب بلدة لبنانية عريقة تذكّرك بأجواء القرية الحقيقية. فعلى الرغم من الحداثة التي ألقت بظلالها على معالم جون من هنا وهناك، فإنها استطاعت أن تحافظ على دفئها إن في مجال عمارتها الهندسية أو معالمها التاريخية.
كل ما يخطر على بالك أو تتمنى أن تلاقيه وأنت في مشوار سياحي تثقيفي وخدماتي، باستطاعتك أن تجده في جون. فبدءا من ممارسة رياضة المشي في ممرات خاصة استحدثت في البلدة، مرورا بمواقع أثرية تعود إلى ما قبل الميلاد، وصولا إلى اللقمة اللبنانية الأصيلة، هي نشاطات ستشدّك إلى زيارة جون التي تبعد نحو الـ55 كلم عن بيروت.
تلّة «النقبا» و«عين حيرون» و«قصر إستير استنهوب» و«دير المخلّص» ومسجد «محمد الفضيل» تمثّل التاريخ والجغرافيا فيها، بينما يعدّ مطعم «تلّ القمر» الذي يقع على أطرافها مركزا سياحيا في موقعه وخير مثل للقمة اللبنانية والجلسة العائلية السعيدة.
تزدحم بلدة جون الشوفية بالمواقع والمعالم التاريخية والطبيعية، فهي إضافة إلى المغاور الـ18 التي تزدحم بها منطقة «الخاشبية» كما يسميها أهل البلدة، فإن الجهة الشمالية منها تتميّز بوفرة ينابيعها، فهناك قصر الليدي إستير استنهوب الذي حيكت في أروقته أهم القرارات السياسية في البلاد في (القرن الثامن عشر). وكذلك هناك ينابيع عدة أهمها «عين حيرون» المحفورة في الصخر. أما مشروع «النقبا» المخصص لهواة ممارسة رياضة المشي على الأقدام، فهو يعدّ واحدا من أجمل هذه الدروب في الطبيعة اللبنانية نظرا لموقعه المحاط بالأنهر والينابيع وظلال الأشجار.

تلّة «النقبا» درب مخصصة لممارسة رياضة المشي

تعدّ تلّة «النقبا» وهي منطقة حرجية تظللها أشجار السنديان والصنوبر، ويبلغ طولها نحو الـ5 كلم، واحدة من الدروب ذات الطبيعة الخلّابة المخصصة لرياضة المشي في لبنان. فهي تتكامل مع درب آخر يعرف بـ«طريق القداسة» المتصّل بموقع دير المخلّص الذي يتوسّط البلدة، ويعدّ واحدا من أهم المواقع الدينية في منطقة الشوف.
تقع تلّة «النقبا» المشرفة على بلدة جون في الجهة المقابلة لقلعة «أبو الحصن» الذي يلفّها بشكل بيضاوي نهر الأولي. على هذا الطريق الذي استحدث مؤخرا بمؤازرة رئيس بلديتها العميد سليم خرياطي، في استطاعتك أن تمشي في تعرّجات ومنعطفات طبيعية بين آثار لأبنية مهدّمة ومنشآت عمرانية تعود إلى أوائل القرن الثاني عشر.
لوحات رسمتها الطبيعة بكلّ أشكالها ستشاهدها وأنت تمشي بينها وكأنك في كتاب تاريخ تتصفّحه عن قرب. ومنها ستطلّ على غابات الصنوبر وكروم العنب والزيتون التابعة لـ«دير المخلّص»، فهناك يستطيع الزائر أن يأخذ استراحة في أحضان الطبيعة حيث يحلو تأمّلها فتمارس رياضة روحية بامتياز.

نبع «عين حيرون» مياه عذبة تتدفّق من الصخور

تتميّز الجهة الشمالية من بلدة جون بينابيعها التي تنساب بين أوديتها ومنخفضاتها. وتعدّ «عين حيرون» الأشهر فيها وهي مقصد لأهل منطقة الشوف، الذين يرتشفون مياهها العذبة منذ مئات السنين. وشيّد عليها قنطرتان معقودتان ترجعان إلى القرن الماضي. تحلو الجلسات العائلية حول هذا الينبوع الذي تتدفّق مياهه من الصخور، فيشكّل معلما جغرافيا عريقا.

السياحة الدينية من ميزات بلدة جون

تحتلّ السياحة الدينية في بلدة جون حيّزا لا يستهان به من نشاطاتها المختلفة، فإضافة إلى «دير المخلص» العريق الذي يعدّ من أهمّ المعالم الدينية في منطقة إقليم الخرّوب، ويعود تاريخ بنائه إلى أواخر القرن الثامن عشر، هناك مسجد البلدة الذي شيّده محمد الفضيل، وهو مغربي أعجب ببلدة جون فشيّده بعد أن استقرّ فيها. ويعتبر هذا المسجد معلما تاريخيا يشكّل جزءا من تراث بلدة جون في هذا الإطار.

قصر الليدي إستير استنهوب معلم تاريخي يعبق بعطر امرأة حديدية

يقع هذا القصر على رابية في الجهة الشمالية الشرقية لبلدة جون تعرف بـ«ضهر الستّ»، فهذه المرأة الحديدية التي كانت تربطها قرابة برئيس وزراء بريطانيا ويليام بيت (ابنة أخته)، حطّت في هذه البلدة عام 1818، فاختارت هذا البناء يومها لتسكنه وليكون ملجأ للمسافرين والهاربين من وطأة الحروب. في زيارتك للقصر ستكتشف معالمه التاريخية، فقد رتّبته الليدي البريطانية بحيث أحاطته بالحدائق الغنّاء كما أضافت إليه جناحين، أحدهما يتضمن غرفا للضيوف ودهليزا يوصلك إلى إهراءات القمح، وآخر خصصّته للمطبخ والخدم في القصر. شكّل هذا القصر قلعة حقيقية وفّر لليدي استنهوب الحماية لها من بطش الأمير الشهابي بشير الثاني، ووالي مصر إبراهيم باشا. دفنت الليدي استنهوب في القصر عام 1938 بعد أن أصيبت بداء السلّ.

مطعم «تلّ القمر» حيث اللمّة العائلية حول مائدة غنيّة بألذّ الأطباق والمازات اللبنانية

ما إن تدخل الطريق المؤدّي إلى مطعم «تلّ القمر» في جون، حتى تعلم أنك تقوم بنزهة تشمل إضافة إلى المناظر الجميلة والخدمات السياحية المتوفّرة فيها، جلسة لا تشبه مثيلاتها في أي بلدة أخرى مجاورة. ففي هذا المطعم الواقع على ربوة تشرف على جون من جهة وعلى بلدات شوفية أخرى كمجدلونا وعلمان والجميلية والمغيرية وغيرها من جهة أخرى، لن تتردد في العودة إليه مرة أخرى للأجواء العائلية التي يحملها، ولأركانه المختلفة الموزّعة هنا وهناك من أجل تمضية جلسة سمر مع صديق أو شريك من ناحية ثانية.
ممرات مفروشة بفسحات خضراء وديكورات مختلفة تزيّنها، والمصنوعة من أدوات تراث لبنانية (سلال من القشّ وأغصان أشجار)، ومساحات شاسعة يتصّل بعضها ببعض، تؤلّف هذا المركز السياحي المميّز «تلّ القمر» الذي سيجذبك من النظرة الأولى. ويؤكّد صاحبه جهاد العلم أنه بات يشكّل مقصدا للزوّار، يأتونه من بيروت وصيدا وصور وغيرها من المناطق اللبنانية، لأطباقه اللبنانية الأصيلة من ناحية ولديكوراته المتصلّة اتصالا مباشرا بالأصالة اللبنانية.
فعلى أول مدخله يستقبلك إبريق قهوة نحاسي ضخم يتوسّط حديقة غنّاء بأنواع زهور وورود ملوّنة. وتكمل طريقك وأنت تصعد درجات سلالمه الحجرية لتقف إلى اليسار على مشهد آخر لسياج خشبي يحيط بمساحة المطعم المتفلّت في الهواء الطلق. ومن بعيد ستلاحظ الشكل الهندسي للمطعم ككلّ المستوحى من كوكب القمر المعلّق في السماء، فيناديك لتحطّ رحالك عليه ولتبدأ بمشوارك من فوق تلّة من تلاله.
لم يترك صاحب هذا المكان أي جهة من جهات المطعم لم يستفد منها، بحيث في استطاعتك أن تجلس فيه في أي وقت يخطر على بالك، فكما هناك الجلسة الشرقية المطلّة على منظر طبيعي خلاّب تلوّنه أشجار السرو والزيتون، فهناك أيضًا قعدة من ناحية الغرب يحلو فيها ارتشاف كوب قهوة ونفس نرجيلة بعد الظهر أو عند المساء.
أما الأطباق التي يقدّمها في صالتيه الشتوية والصيفية فتندرج ضمن لائحتي العروض الخاصة، فتختار منها ما يناسبك ويلائم ميزانيتك بأسعار مقبولة، وتتضمن مائدة «تلّ القمر» أكثر من 100 طبق تتراوح ما بين المازات اللبنانية المعروفة، كالحمص بالطحينة وجبن الشنكليش مع زيت الزيتون والتبولة والفتوش المحضّرين بخضار طازجة، إضافة إلى البيض بالقاورما والسجق والنقانق و«بابا غنّوج» (المتبّل باذنجان)، ورقائق الجبن والكبة المقلية والسلطات وعشرات الأطباق غيرها التي تفتح الشهية على مائدة غنيّة ومنوّعة لن تحظى بها إلا في بلدة جون.
يحرص المطعم الذي يقدّم المشاوي على الفحم من اللحم والدجاج على أن لا تغادره دون أن يمنحك فرصة التزوّد بمونة مصنوعة من قبل رهبان دير المخلّص وأهالي بلدة جون وسكّانه، ففي بيت خشبي يطالعك على يمين مدخل المطعم وأنت تخرج منه، بإمكانك شراء ماء الزهر والورد ودبس الرمان والكشك والصعتر البلديين والمربّيات على أنواعها وغيرها من العناصر الأساسية للمونة اللبنانية الأصيلة.
ولم ينسَ القيمون على المطعم توفير مساحات خاصة منه للأطفال، وفيها ما يحلمون به من ألعاب مسلّية وأراجيح تحملهم إلى أوقات حالمة وتدفعهم إلى القهقهة والضحك طيلة وجودهم في «تلّ القمر».
القيام بنزهة إلى بلدة جون الشوفية ستكون واحدة من المشاريع السياحية التي تستحق منك إدراجها على روزنامة نشاطاتك في لبنان الأخضر.
وللوصول إلى بلدة جون بإمكانك أن تسلك طريق بيروت - صيدا لتتوجّه إلى جون من مفرق نهر بسري، أو عن الطريق الداخلية للشوف الأعلى وهي تمر بـ«بيت الدين» وبلدات أخرى مجاورة.
مشوار يعبق برائحة زهر الليمون وبلوحات على مدّ النظر، سيخوّلك التعرّف إلى هذه الأرض التي تشبّث بترابها فنانان لا يتكرران، فهي تشكّل مسقط رأس عملاقين من لبنان، ألا وهما الراحلان نصري شمس الدين ومحمد علاء الدين المعروف بـ«شوشو»، واللذان تركا إرثا فنيّا ما زال يدرّس في المعاهد الفنيّة في لبنان، إن في مجال الغناء إذ كان الأول أحد أهم أبطال مسرحيات الرحابنة، وإن في مجال المسرح الكوميدي إذ كان «شوشو» يمثّل أحد أهم روّاده في العالم العربي والمنطقة.



جارك في الطائرة... «ورقة يانصيب» لايمكنك التنبؤ بها

يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)
يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)
TT

جارك في الطائرة... «ورقة يانصيب» لايمكنك التنبؤ بها

يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)
يجب تحاشي المواجهات الحادة أثناء رحلات السفر (غيتي)

غالباً ما يُقلق المسافر موضوع الراكب الجالس إلى جانبه على متن الطائرة؛ إذ يرافقه طوال الرحلة دون إمكانية الاختيار المسبق. فالأمر أشبه بنصيبٍ مفاجئ لا يمكن التنبؤ به؛ ما يترك مساحة كبيرة للصدفة. لذلك؛ من المهم أن يحرص المسافر أولاً على أن يكون هو الجار المثالي، من خلال التزامه ببعض السلوكيات الأساسية التي تمنع تحوّله مصدر إزعاج لمن يجلس إلى جانبه، ويضمن رحلة أكثر راحة وهدوءاً للجميع.

من أبرز هذه المبادئ، احترام المساحة الشخصية للآخر، سواء عبر تجنّب التمدد الزائد أو وضع الأغراض بطريقة تعيق الحركة. فالمقعد في الطائرة ضيق بطبيعته، وأي تجاوز بسيط قد يتحول مصدر إزعاج متكرر خلال الرحلة.

كما يُستحسن تخفيف الحركة قدر الإمكان، مثل كثرة التقلب أو فتح الحقيبة العلوية وإغلاقها؛ لما لذلك من تأثير مباشر على الراكب المجاور، خصوصاً في الرحلات الليلية أو الطويلة.

ولا يقلّ عامل النظافة أهمية؛ إذ يُفضَّل الحفاظ على ترتيب المقعد وعدم ترك بقايا طعام أو أغراض متناثرة، إضافة إلى الانتباه للروائح الشخصية التي قد تؤثر سلباً على راحة الآخرين.

ومن قواعد الذوق احترام حق الجار في الهدوء، عبر خفض الصوت أثناء الحديث واستخدام السماعات عند مشاهدة المحتوى أو الاستماع إلى الموسيقى؛ لتجنّب فرض الضوضاء على من حولك.

فرحلة السفر هي تجربة مشتركة بين غرباء تجمعهم مساحة محدودة لساعات معدودة؛ ما يجعل من اللطف والوعي بالآخرين مفتاحاً أساسياً لتحويلها تجربةً مريحة ومقبولة للجميع.

بكاء الأطفال وحركتهم الزائدة من المشاكل التي يواجهها المسافرون (غيتي)

الأطفال المشاغبون والتحكم بحركتهم

يشكّل الأطفال المشاغبون عنصر إزعاج حقيقي لباقي ركاب الطائرة. فالضجيج الذي يولّدونه من شأنه أن يحرمهم من رحلة سفر مريحة. لذلك؛ على الشخص الذي يرافقه أولاده في الرحلة أن يضع في الحسبان ضرورة تدريبهم على المكوث بهدوء.

عندما يسافر أحد الوالدين برفقة أطفاله، خصوصاً إذا كانوا صغاراً أو كثيري الحركة، فإن التحدي يصبح مضاعفاً؛ لأن الطفل بطبيعته قد لا يستطيع الالتزام بالهدوء لفترات طويلة داخل مساحة ضيقة ومغلقة مثل الطائرة.

في هذه الحالة، لا يُتوقع من الأهل «السيطرة الكاملة» بقدر ما يُتوقع منهم محاولة الإدارة الواعية للموقف وتقليل الإزعاج قدر الإمكان. فمثلاً، من المفيد تزويد الأطفال مسبقاً بأدوات الأنشطة التي تشغلهم، مثل الكتب المصوّرة، الألعاب الصغيرة الهادئة، وكذلك الأجهزة اللوحية مع سماعات، لتخفيف الملل الذي غالباً ما يكون السبب الأساسي للفوضى.

كما يُستحسن أن يحرص الأهل على التحرك الاستباقي، مثل اختيار مقاعد مناسبة (قرب الممر مثلاً لتسهيل الحركة)، وكذلك توزيع الأدوار بين الأهل إذا كانوا أكثر من شخص، بحيث يتناوبون على تهدئة الطفل ومنعه من إزعاج الآخرين.

وفي حال حدوث نوبات بكاء، فإن الاستجابة الهادئة والسريعة من الأهل تلعب دوراً مهماً في تقليل مدة الإزعاج، حتى لو لم يكن بالإمكان منعه بالكامل. فمحاولة تهدئة الطفل بدل تجاهله أو الانفعال، غالباً ما تكون أكثر فاعلية وأقل إزعاجاً للمحيطين.

يجب على الأهل تهدئة أولادهم في الطائرة (غيتي)

لو واجهت جاراً مزعجاً فكيف تتصرّف؟

السؤال الأهم يبقى في كيفية التعامل مع جار مزعج؟ تشير بيرلا، وهي مضيفة سابقة على متن شركة «طيران الشرق الأوسط» إلى أنه من الضروري اعتماد اللطافة في المرحلة الأولى. وتتابع في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «يجب تجنّب التصعيد المباشر؛ لأن مساحة الطائرة ضيقة وأي توتر قد يزيد الموقف سوءاً. لذلك؛ يجب اللجوء بداية إلى استخدام التواصل الهادئ دون مواجهة، مثل طلب بسيط بعبارات لطيفة. (لو سمحت ممكن تخفف الصوت؟) أو (هل يمكنك إرجاع المقعد قليلاً؟)»؟.

وتستطرد: «كثير من الحالات تُحلّ بهذه الطريقة دون أي تصعيد. إذا لم يستجب الشخص أو استمرّ في الإزعاج، هنا يأتي دور طاقم الطائرة، وهم الجهة الأساسية المسؤولة عن راحة الركاب. ويمكن استدعاء أحد أفراد الطاقم بالضغط على زر النداء أو الإشارة إليه بهدوء، وشرح المشكلة باختصار ودون انفعال».

ومن المعروف أن طاقم المضيفين عادةً مدرّب على التعامل مع هذه المواقف. وأحيانا يقومون بتغيير مكان الراكب، أو توجيه الملاحظة له بشكل رسمي. ومرات أخرى يلجأون إلى إيجاد حل يخفف الإزعاج. ويتمثّل ذلك في تعديل المقعد أو توزيع الركاب بشكل أفضل.

أما في الحالات الأكثر إزعاجاً (مثل الضجيج المستمر أو السلوك غير اللائق)، فالمسألة تُرفع مباشرة إلى قائد الطائرة عبر الطاقم؛ لأنه المسؤول النهائي عن سلامة الركاب وراحتهم أثناء الرحلة.


أين تسافر هذا الربيع في القارة العجوز؟

البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)
البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)
TT

أين تسافر هذا الربيع في القارة العجوز؟

البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)
البندقية من جميلات إيطاليا (الشرق الأوسط)

مع اعتدال الطقس وتفتّح الأزهار وتحوّل المدن إلى لوحات نابضة بالألوان، يُعد فصل الربيع الوقت المثالي لاكتشاف سحر أوروبا بعيداً عن ازدحام الصيف وبرودة الشتاء. ففي هذا الموسم، تكشف القارة الأوروبية عن جانبها الأكثر هدوءاً وجمالاً، من شوارع باريس المزيّنة بأشجار الكرز، إلى إيطاليا الغنية بالفن والثقافة. وبين الطبيعة الخضراء والمهرجانات الموسمية والمقاهي المفتوحة في الهواء الطلق، يقدّم الربيع تجربة سفر تجمع بين الراحة والجمال والثقافة في آنٍ واحد.

حديقة ريتيرو في مدريد (الشرق الأوسط)

مدريد

مع حلول فصل الربيع في مدريد، تكتسب المدينة طابعاً أكثر هدوءاً وحيوية، ابدأ صباحك الربيعي بنزهة في منتزه ريتيرو، حيث تلتقي الممرات المظلّلة بالأشجار بالحدائق المزهرة والبحيرة، لتوفّر ملاذاً هادئاً في قلب المدينة. بعد ذلك، يمكنك استكشاف وجهات ثقافية مثل مؤسسة ماريا كريستينا ماسافيو بيترسون، حيث تُعرض أعمال لفنانين كبار مثل بيكاسو وميرو ودالي وبارسيلو. أما بالنسبة للإقامة يمكنك اختيارفندق براك مدريد على شارع غران فيا في قلب العاصمة، لأنه قريب جداً من المعالم الثقافية وشوارع التسوّق والمطاعم والمقاهي.

يحمل الفندق توقيع المصمّم العالمي فيليب ستارك، ويضمّ 57 غرفة، ومسبحاً في الداخل.

وفي وقتٍ لاحق من اليوم، يمكنك زيارة حدائق الورود القريبة من القصر الملكي وحديقة ديل أويستي، بينما يوفّر حيّ سالامانكا المجاور تجربة تسوّق فاخرة تضمّ أرقى المتاجر العالمية. وفي منتصف شهر مايو (أيار)، تحتفل المدينة بعيد سان إيسيدرو، شفيع مدريد، حيث تُقام الاحتفالات في براديرا دي سان إيسيدرو ولاس فيستياس وساحة بلازا مايور.ومع حلول المساء، يمكنك حجز طاولة في مطعم براك بإدارة الشيف آدم بنتلحة، أو في لا باتيسري براك قبل أن تختتم يومك على التراس في الطابق السابع المطلّ على شارع غران فيا.

باريس مدينة كل الفصول لا سيما الربيع (الشرق الأوسط)

باريس

في باريس، يُعيد الربيع الحياة إلى منطقة لو ماريه التاريخية التي تعد وجهة مثالية للاستكشاف سيراً على الأقدام، حيث يمكنك زيارة متاحف مثل متحف بيكاسو ومتحف كارنافاليه، أو اكتشاف متاجر عالمية مميزة. كما يوفّر ركوب الدراجة الهوائية وسيلة مختلفة لاكتشاف المدينة، إذ يمتدّ المسار من حيّ لو ماريه نحو ضفاف نهر السين، مروراً بحدائق القصر الملكي وحدائق التويلري، وصولاً إلى متحف جو دو بوم، حيث يقدّم معرض «مارتين بار، الاحتباس الحراري» قراءة للمجتمع المعاصر وظاهرة السياحة.

بعد ذلك، يمكنك الاسترخاء في الحمّام الروماني في فندق كور دي فوغ على ساحة فوغ الشهيرة أو تناول الشاي مع الحلوى الفرنسية قبل متابعة الأمسية حول منطقة سان بول أو حيّ آرت إي ميتييه.

حديقة ريتيرو في مدريد (الشرق الأوسط)

البندقية

مع حلول الربيع، تصبح أجواء البندقية أكثر إشراقاً وهدوءاً، ويتزامن حلول فصل الربيع مع انعقاد النسخة الحادية والستين من بينالي البندقية، حيث تتحوّل المدينة إلى رحلة ثقافية مفتوحة تمتدّ من موقع الأرسينالي إلى حدائق الجيارديني. وتشمل الوجهات الثقافية الأخرى بونتا ديلا دوغانا، وبالازو غراسي، وكا بيسارو ومؤسسة كويريني ستامباليا. كما يقدّم فندق نولينسكي فينيسيا أعمالاً فنية معاصرة بالتعاون مع غاليري بيروتان خلال هذا الحدث.

وبعيداً عن صخب المدينة، يمكنك استكشاف بحيرة البندقية، حيث تشتهر جزيرة مورانو بصناعة الزجاج، بينما تتميّز جزيرة بورانو بمنازلها الملوّنة وحرفها التقليدية، في حين توفّر جزيرة تورتشيلو أجواء أكثر هدوءاً بطابع تاريخي.

كما يُعدّ فصل الربيع موسماً غنياً بالنكهات، حيث تتصدّر أطباق مثل ريزوتو بريمافيرا، ولحم الضأن المشوي مع الأرضي شوكي، وكعكة كولومبا التقليدية قوائم مطاعم المدينة.

ويمكنك الإقامة في فندق نولينسكي بالقرب من ساحة سان ماركو وعلى مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من سوق ريالتو، ليشكّل نقطة انطلاق راقية لاكتشاف المدينة. افتُتح الفندق ذو الخمس نجوم عام 2023، وهو من تصميم مكتب لوكواديك وسكوتو، ويضمّ 43 غرفة وجناحاً، إلى جانب جناح سبا ماي بليند، ومسبح داخلي يطلّ على أسطح البندقية.

ولمحبي المسرح يمكنهم حضورعرض أوبرا في مسرح لا فينيس الشهير أو غيره.


رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
TT

رحّالة سعودية تكشف عن جمال الأحساء وتجارب التخييم والسفر المنفرد

وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)
وصف الصورة: الرحالة سلوى إبراهيم خلال تسلقها صخور العلا (إرشيف الرحالة)

شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تغيراً في مفهوم الرحلات؛ إذ لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل باتت تجربة ثقافية متكاملة تعكس علاقة الإنسان بالمكان وتعيد تعريف الاكتشاف، ويتنامى الاهتمام بالرحلات البرية والتخييم بوصفه جزءاً من أسلوب حياة يقوم على الوعي بالطبيعة واحترامها، وجاء ذلك مدفوعاً بتنوع الطبيعة في السعودية من الصحاري الممتدة إلى الأودية الخضراء والسواحل المتباينة؛ ما أوجد بيئة خصبة لهذا النوع من الترحال.

وتتقدم الرحلات المنفردة بوصفها مساحة لاختبار الذات، حيث أصبح التخييم ممارسة تقوم على التخطيط الدقيق، والانفتاح على المجهول، والتوازن بين الأمان وروح المغامرة.

وضمن هذا المشهد تظهر الرحالة السعودية سلوى إبراهيم، التي اختارت من الجغرافيا المحلية بوصلتها، بصفتها صانعة محتوى متخصصة في التعريف بالأماكن السياحية في السعودية، وتحاول من خلال رحلاتها أن يرى الناس المكان كما عاشته، وأن يشعروا به كما شعرت.

وصف الصورة: لقطة تبرز تشكيلات الصخرية في صحراء «بجدة» بمدينة تبوك (إرشيف الرحالة)

وأوضحت سلوى إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أنه على الرغم من انفتاح الوجهات العالمية وسهولة الوصول إليها، لا ترى أن هويتها تمتد خارج هذه الجغرافيا التي تنتمي إليها، «نصبت تركيزي الأساسي على السعودية ودول الخليج؛ لما تحتويه من طبيعة عملت على توثيقها من خلال سلسلة أسميتها الجانب الآخر، والتي تستعرض فيها مواقع غير تقليدية وتجارب بعيدة عن المسارات المعتادة، ففي مدن السعودية أماكن مدهشة لا يعرفها كثيرون».

وأشارت إلى أن رحلاتها تمتد لفترات طويلة «لا أعتمد على جدول يومي صارم، بل أمنح نفسي الوقت الكافي للتشبع بالمكان، وقد أقضي ليلتين أو ثلاثاً في موقع واحد، أو حتى أياماً عدة إذا وجدت فيه ما يستحق البقاء»، مستشهدة بتجربتها في وادي الديسة، حيث عادت إليه أكثر من مرة خلال رحلاتها.

وصف الصورة: ملايين النخيل الممتدة في مشهد حي بمدينة الأحساء (إرشيف الرحالة)

وتحدثت عن أبرز الوجهات التي تركت أثراً في تجربتها، مشيرة إلى ثلاثة أودية رئيسية في السعودية، لكل منها طابعه الخاص؛ إذ وصفت وادي الديسة بأنه مساحة طبيعية تحيط بها الجبال الشاهقة وتتخللها ممرات خضراء ومياه موسمية، تمنح إحساساً مختلفاً عن البيئة الصحراوية، في حين يتميز وادي «طيب اسم» بتداخل فريد بين الجبال الحادة ومياه خليج العقبة، في مشهد يجمع بين عنصرين متناقضين داخل تناغم، إلى جانب وادي «لجب» فسلطت الضوء على أنه «تجربة حسية بحد ذاته، حيث يمر الزائر داخل ممر صخري ضيق بارتفاعات شاهقة، تتدفق فيه المياه بين الجدران».

ووصفت صحراء «بجدة» في منطقة تبوك بأنها «من أكثر المواقع غرابة بصرياً؛ نظراً لتداخل الجبال الحمراء مع الرمال والطعوس في تشكيلات جيولوجية معقدة، بالإضافة إلى انتشار الكهوف الطبيعية؛ ما يجعلها بيئة استكشافية متقدمة لا يمكن الوصول إليها بسهولة». وكشفت عن أن سيارتها كانت عنصراً أساسياً في بدء هذه الرحلات «حضرت سيارتي جيب رانجلر ذات الدفع الرباعي كجزء أساسي من التجربة، حيث منحتني القدرة على الوصول إلى أماكن لا تستطيع السيارة الصغيرة خوضها».

لقطة للرحالة سلوى إبراهيم خلال رحلتها في كهوف بجدة بمدينة تبوك(إرشيف الرحالة)

وتنطلق رحلات سلوى بعد مرحلة تحضير دقيقة وطويلة، تتجاوز الجانب اللوجستي إلى الجاهزية الذهنية الكاملة، فهي تعتمد على تخطيط شامل يشمل دراسة الخرائط ومسارات الوصول، وتحديد مواقع التخييم بدقة، إلى جانب حفظ أرقام الطوارئ والتنسيق مع مرشدين محليين موثوقين، بما يضمن تقليل أي مخاطر محتملة أثناء الرحلة، بالإضافة إلى تجهيز ما يكفي من المؤن الغذائية وأواني طبخ سهلة التنظيف.

على الرغم من هذا المستوى العالي من التنظيم، تترك مساحة محسوبة للعفوية، «بعض التجارب الأكثر تميزاً قد تنشأ من تغير غير متوقع في المسار، ويقودني ذلك إلى مواقع لم تكن ضمن الخطة الأصلية»، هذا التوازن بين الانضباط والمرونة يشكّل الإطار العام لأسلوبها في السفر والاستكشاف.

وتعتمد سلوى في اختيار وجهاتها على مزيج من البحث المسبق والاقتراحات الواردة من متابعيها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الحدس الشخصي الذي يلعب دوراً حاسماً في اتخاذ القرار النهائي، مستخدمةً تطبيقات الخرائط وتوصيات المرشدين، مع متابعة كثيفة لما يردها من جمهورها، حيث ترى أن تكرار الإشارات إلى موقع معين مؤشر يستحق التوقف عنده.

كشفت سلوى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مدينة الأحساء تمثل حالة خاصة تتجاوز كونها محطة ضمن رحلاتها، لتتحول مشروعاً شخصياً تسعى من خلاله إلى إعادة تعريف المنطقة بصرياً، إذ تُعدّ مسقط رأسها، «لا أكتفي بتقديم النخيل كصورة تقليدية، إنما أنقل تجربة كاملة تعكس تنوع الأحساء الفريد، حيث تضم ملايين النخيل وتلتقي بيئات متعددة في مساحة واحدة، إلى جانب صحراء ممتدة نحو الربع الخالي والدهناء وامتداد بحري، هذا التداخل يجعل الأحساء واحدة من أغنى البيئات الطبيعية في السعودية».

وصف الصورة: جانب من رحلات سلوى إبراهيم في وادي الديسة تظهر الجبال المحيطة بالوادي (إرشيف الرحالة)

وترتكز فلسفة سلوى في السفر من رؤية تتجاوز الإحساس بالمكان، إذ ترى أن الجمال لا يرتبط بمدى انتشار الوجهة، بل بقدرة الزائر على التفاعل معها شعورياً؛ فالمواقع البسيطة أو غير المعروفة تحمل في نظرها قيمة استثنائية لمن ينسجم معها، مستشهدة بتجربتها في العلا، حيث تفرض التكوينات الصخرية والجبال حضوراً بصرياً وروحياً خاصاً.

وأما تجربة السفر المنفرد، فلم تكن بداية سهلة بالنسبة لسلوى، حيث رافقتها مخاوف طبيعية دفعتها في أولى رحلات التخييم إلى البقاء بالقرب من الطرق طلباً للأمان، غير أن تلك المرحلة تحولت لاحقاً نقطة مفصلية في مسارها، ومع مرور الوقت أصبح السفر الفردي عنصراً أساسياً في تشكيل شخصيتها، انعكس أثره على حياتها المهنية في عملها ممرضةً، وأسهم من قدرتها على اتخاذ القرار والتعامل مع المواقف تحت الضغط.

تمثل تجربة سلوى نموذجاً يعكس ما تتسم به بيئة السعودية والخليج من درجات عالية من الأمان، غير أن ذلك لا يلغي أهمية الوعي والمسؤولية، خاصةً لدى الفتيات الراغبات في خوض تجربة السفر الفردي أو التخييم، على أن يتم التخطيط المسبق، واختيار مواقع معروفة، وتجنب المناطق المعزولة دون خبرة كافية، تُعدّ هذه عناصر أساسية لضمان تجربة آمنة.

ويشهد قطاع السياحة تطورات كبيرة بما في ذلك مواقع مهيأة للتخييم وبنية تنظيمية كبيرة، أسهمت في ترسيخ ثقافة الرحلات البرية، لتتحول السعودية وجهة استكشاف متنامية تستقطب رحَّالة من داخلها وخارجها، خاصة خلال موسم الشتاء.