بن لادن لقيادي {القاعدة} الوحيشي: لا بد أن يبقى اليمن هادئًا وندخره جيشًا احتياطيًا

{الشرق الأوسط} تنشر رسائله.. وشفرته: عليكم برأس الأفعى

مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط  لمؤسسة «سحاب»
مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط لمؤسسة «سحاب»
TT

بن لادن لقيادي {القاعدة} الوحيشي: لا بد أن يبقى اليمن هادئًا وندخره جيشًا احتياطيًا

مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط  لمؤسسة «سحاب»
مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط لمؤسسة «سحاب»

كان أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، مستغرقًا في إصدار تعليماته عبر وصايا مشفّرة على ذاكرة إلكترونية، محذّرًا من «الدرون» (الطائرات من دون طيار) الأميركية إبان عملية خروج نجليه محمد وحمزة وزوجته من إيران. وتخيّر الليالي والأيام الغائمة في بيشاور لتبادل رسائله، عبر وسطاء مأمونين من الأنصار من أهل باكستان وأفغانستان. وكان يتم إجراء اللقاءات في أسواق مغلقة مغطاة، بل إنه في إحدى الرسائل قال: «(الدرون) لن تنال منكم ما لم تقعوا في أخطاء بشرية»، إلا أنه في ذلك الوقت ما كان يعلم أن الأقمار الصناعية الأميركية تراقبه على مدار الساعة قبل شهور من مقتله يوم 2 مايو (أيار) 2011 في مدينة أبوت آباد الباكستانية، حيث التقطت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) الأميركية آلاف الصور له وهو يتحرك في باحة منزله.
وتكشف رسائل أسامة بن لادن، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخ منها، أنه كان على الدوام مسكونًا بهاجس الأمن، وكان يصدر تحذيراته ووصاياه لرجاله وكبار قادته، مثل سعيد المحاسب (مصطفى أبو زيد)، الذي قتل بغارة من طائرة «درون» في وزيرستان ليخلفه الشيخ محمود (عطية الله) القيادي الليبي، وكذلك أبو بصير (ناصر الوحيشي) زعيم التنظيم في جزيرة العرب - الذي قتل أيضًا في يونيو (حزيران) الماضي، وخلفه قاسم الريمي، وعزام الأميركي (المتخصّص بترجمة خطاباته في المناسبات الكبرى إلى الإنجليزية).
كل هؤلاء كانوا يصغون لتعليماته وينفذونها. لكن وفق «أصوليين» قريبين من شؤون «القاعدة» في العاصمة البريطانية لندن، فإن بن لادن كان يهيم في الوقت ذاته بضرب «رأس الأفعى» أو تخطيط ضربات وهجمات جديدة ضد أميركا بعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001.
ويقول متخصصون في «الجماعات الأصولية»، لـ«الشرق الأوسط»، إن عملية الكوماندوز التي نفذت على مخبأ بن لادن وقتلته لم تضم فقط القوة العسكرية، بل بجانب الجنود الخمسين الذين شاركوا هناك ضمت نحو عشرين من عملاء «سي آي إيه» كانت مهمتهم وضع اليد على الكنز السرّي لأرشيف بن لادن. خلال 40 دقيقة صادر هؤلاء 10 آلاف صفحة، و15 كومبيوترا، وعشر أسطوانات، ومئات من قطع الذاكرة الإلكترونية (يو إس بي)، ودفاتر صغيرة في حجم كف اليد كان يدوّن فيها بن لادن مذكراته وملاحظاته ومفاتيح وأفكارا لمستقبل التنظيم.
ووفق «الأصوليين» الذين اطلعوا على نسخ من الرسائل فإنها في مجملها نصائح أمنية وتوجيهات من وإلى، أي من بن لادن إلى القيادات العليا في التنظيم، وأن الرسائل كانت تسلّم عبر طرف ثالث باليد في ذاكرة إلكترونية مشفرة، ولم يحدث أن التقى بن لادن مع نائبه أيمن الظواهري أو عطية الله الليبي أو الوحيشي أو عزام الأميركي منذ سقوط دولة طالبان نهاية عام 2001، ومغادرتهم تورا بورا، إذ توجه كل منهم إلى مخبأ ومقر آمن.
ويشير هؤلاء أن وسطاء «القاعدة» في نقل الرسائل كانوا من الأنصار المأمونين، أي من أهل باكستان وأفغانستان، وهم الذين تولوا استئجار المنازل لقيادات «القاعدة» في باكستان وفي داخل الشريط الحدودي، مثل «أبو أحمد الكويتي» (رسول بن لادن) في أبوت آباد.
وتتضمن مجموعة الرسائل إلى بن لادن نصائح عن الأماكن الآمنة، منها تسليم الرسائل في أسواق مسقوفة، أي مغطاة، كي لا تتمكن «الدرون» من متابعة عناصر «القاعدة» أثناء «التسليم والتسلم». إذ يقول بن لادن في إحدى تلك الرسائل: «تخيروا الليالي الغائمة، ومعظم أيام بيشاور الحدودية غائمة. (الدرون) لا تستطيع أن تنال منكم إلا بخطأ بشري». وفي رسالة للقيادي الليبي عطية الله نصحه بألا يسمح بزيارة لأكثر من شخصين. ويضيف بن لادن: «أنا في مكان جالس هنا تسع سنوات، ومطبق التعليمات الأمنية على نفسي بلا ضجر أو ملل».
وعطية الله - أو عطية عبد الرحمن - هو جمال إبراهيم شتيوي المصراتي، رسول بن لادن إلى الإيرانيين، ولقد قتل في غارة أميركية في وزيرستان الشمالية عام 2010 بعدما رصدت واشنطن لرأسه مليون دولار. وكان بن لادن قد عينه ممثلا له في إيران لتجنيد المسلحين وتسهيل التواصل مع «جماعات إسلامية» أخرى لتنفيذ المخططات الإرهابية. وهو الفقيه الشرعي وخبير المتفجرات الذي تلقى العلوم الشرعية في موريتانيا من قدامى المقاتلين في أفغانستان. ومن مؤلفاته «رؤية كاشفة: حزب الله اللبناني والقضية الفلسطينية»، وعرض خلاله على المواقع المقربة من «القاعدة» للموقف من حزب الله وارتباطه بإيران، وحاول تقديم شرح لأهدافه.
وبرز اسم عطية الله كثيرا خلال الفترة التي كان فيها أبو مصعب الزرقاوي يتولى قيادة تنظيم القاعدة في العراق قبل مقتله عام 2006. ويقال إن الزرقاوي قدمه ووطد موقعه لحاجته إلى معرفته بالعلوم الدينية. ويعتقد البعض أن عطية الله، وهو اسم كنية، هو نفسه لويس عطية الله، واسمه الحقيقي جمال، وتخصص في الدفاع عن وجهة نظر تنظيم القاعدة بمشاركات في المواقع الإسلامية.
وفي رسالة أخرى يقول بن لادن: «ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار عند اختيار المناطق التي سيكون فيها الإخوة داخل باكستان ألا تكون من الأماكن التي تعرضت للفيضانات أو المحتمل تعرضها في المستقبل».
وفي رسالة إلى عطية الله يتحدث بن لادن عن ابنه حمزة، فيقول: «جزاكم الله على سعيكم لإخراجه من إيران، وأما بخصوص الخيارات فإنني أرى الخيار الثالث، وهو أن يخرج بأسرع ما يمكن إلى بلوشستان، على أن تكون طريقا للوصول إلى السند، ولا يقابل أيًا من الإخوة هناك، وبعد وصوله سيتصل بشخص في بيشاور، أرفقنا رقم هاتفه في رسالة إلى حمزة، ليتفق معه على مكان محدد في بيشاور، وهو شخص مضمون، وقد أبلغنا بأن حمزة سيتصل به وسيكون اسمه أحمد خان، وأن طريقة الخروج ستصل إلى حمزة بالتفاصيل».
ويضيف بن لادن في رسالته: «أما في ما يخص تلقيه للتدريبات، ريثما ترتبون له الخروج، فأرى أن يكمن في هذه المرحلة، ويؤجل التدريب إلى فرصة أخرى، فلا يخرج إلا لضرورة ملحة، وقد أشرت للشيخ سعيد رحمه الله من قبل بضرورة إبعاد غير المعنيين بالعمل ما دام في العمل احتمال خطر، فإبعاد الأطفال من باب أولى، بعد إصدار (سحاب) لشريط ظهر فيه طفل إلى جانب أحد الإخوة، وهو يعد متفجرات، وقد وجهت تعميما بهذا الشأن إلى الإخوة (ملاحظة في هذه الشريحة رقم هاتف أحد الإخوة ضمن رسالة حمزة، فأرجو أن يسجل حمزة الرقم على ورق قبل كسر الشريحة خشية وقوع الرقم)!».
ويتطرق بن لادن إلى الاتصالات بين نجليه محمد وحمزة، فيقول: «حبذا أن يتصل أحد الإخوة في الأماكن التي لا تخشون أمنيا الاتصالات فيها، ويبلغ محمد بأن والده يطلب منه أن يذهب هو ووالدته وإخوته جميعا بأسرع ما يمكن إلى قطر، ويقيموا فيها إلى أن يأتي الفرج، وهو قريب بإذن الله، وإن تعذر الذهاب بعد الأخذ بجميع الأسباب لتحقيقه يذهبون إلى الحجاز».
ويطلب بن لادن من رسوله محمود عطية الليبي في ما يتعلق بالأموال: «حبذا أن تفيدني عن المبالغ القادمة، من داخل باكستان ومن خارجها، مع ذكر المبالغ الواردة من كل قطر على حدة».
وضمن الاحتياطات الأمنية والنصائح التي لم يتوقف بن لادن عن إسدائها في رسائله يقول: «ثبت أن التكنولوجيا الأميركية، وأجهزتها، لا تستطيع القبض على أي من الإخوة، إن لم يرتكب خطأ أمنيا، يدلهم عليه، فالتزامه بالتعليمات الأمنية يجعل تقدمهم التكنولوجي خسارة وحسرة عليهم». ويؤكد بن لادن لمحمود: «أما الذين جربت أنهم قادرون على الانضباط، فترتب لهم منازل في أطراف الأحياء، لبعدها النسبي عن الناس، مما يقلل مخاطر أمنية كثيرة، ويكونون مع مرافقين أمناء، ويكون للمرافقين غطاء عمل، كأنهم يعيشون منه، خاصة الذين يكون بجوارهم جيران يراقبونهم».
ومن المسائل الأخرى التي لم تغب عن ذهن زعيم «القاعدة» الأطفال العرب في بيئة غريبة عنهم، فيقول في رسالة أخرى: «من أهم المسائل الأمنية في المدن ضبط الأولاد، بألا يخرجوا من البيت إلا للضرورات الملحة، كالعلاج، مع الحرص على تعليمهم اللغة المحلية، وألا يخرجوا في ساحة المنزل إلا ومعهم كبير قادر على ضبط أصواتهم، ونحن بفضل الله نلتزم هذه التعليمات، منذ تسع سنوات، ولم يصلني أن أحدا من الإخوة، الذين اعتقلوا بعد الأحداث، اعتقل وهو ملتزم بها».
وتمت كتابة رسائل بن لادن للقيادات العليا من التنظيم في الفترة ما بين سبتمبر 2006 وأبريل 2011 على حاسب آلي أو بخط اليد، وتبلغ 175 صفحة باللغة العربية (195 صفحة باللغة الإنجليزية)، وتم نشرها على موقع «مركز مكافحة الإرهاب» التابع للأكاديمية العسكرية في وست بوينت. وبحسب مسؤولين أميركيين ما زال هناك الآلاف من وثائق بن لادن قيد المراجعة الأمنية، في عهدة «سي آي إيه» لم تر النور بعد.
ونفى الباحث المصري د. هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، لـ«الشرق الأوسط»، أن بن لادن كان مترددًا تجاه مساعدة نائبه أيمن الظواهري، ويميل أكثر إلى عطية عبد الرحمن الليبي، وهو أحد المتشددين الذين برزوا في الجزائر في التسعينات، والذي بدعم من بن لادن بدأ في وضع قواعد سلوك لـ«القاعدة» والجماعات المرتبطة بها، محذرًا من أن قتل المسلمين الأبرياء سيؤذي المنظمة وينتهك الشريعة، إذ يرى أن قتل الأميركيين حتى من غير المقاتلين، أي من المدنيين، سيبقى مسموحًا به وحتى إنه ملزم.
ويكشف السباعي أن عطية الله كان رسول بن لادن إلى نائبه الظواهري، وبسبب المحاذير الأمنية ندرت الرسائل بين الطرفين، مشيرا إلى أن بن لادن كان مثل جنرال عسكري أو خبير أمني كبير، مهتم للغاية بالاحتياطات والتعاليم التي يجب أن يلتزم بها قياداته من جهة نقل الرسائل في أسواق مغلقة، وفي أيام تكثر فيها الغيوم. ونقل عن بن لادن قوله إنه موجود في مكان لم يتحرك منذ سنوات.
ويضيف السباعي، الذي اطلع على وثائق «القاعدة»، أن بن لادن كان يطالب بتعلم اللغات المحلية مثل الداري والبشتو، خصوصا بالنسبة للأطفال. وتطرق إلى انتقاد بن لادن لشريط فيديو لسعيد المحاسب، القيادي المصري، وفي الشريط يظهر طفل صغير، ويستشهد بوصايا بن لادن لقياداته: «عدم لعب الأطفال بصوت عال في ساحات المنازل، لأن لغتهم وصراخهم سيكشفان عن أصولهم العربية».
وفي أكثر من موضع يحذر بن لادن من الإجراءات الأمنية وضرورة الالتزام، وفي موضع نقل ابنه حمزة مع أمه من إيران كان يؤكد على ضرورة الفصل بين محمد وحمزة، وتبديل السيارات عدة مرات في أنفاق مغلقة، وأخذ الاحتياطات الأمنية وتجنب الحركة إلا في ضرورة ملحة، خصوصا القيادات الظاهرة على الإعلام، وأن تتجنب هذه القيادات لقاء الناس، وضرورة الابتعاد عن المطاعم ومحطات الوقود، وتزويد السيارات بالوقود قبل الرحلة، كونها من أساليب الاستخبارات، ووضع عناصر تعمل في محطات الوقود والمطاعم والاستراحات والمقاهي لجمع المعلومات.
وكان بن لادن، وكنيته بين رجاله أبو عبد الله وازموراي، بحسب توقيعه للرسائل، يحرص على التركيز على «رأس الأفعى» كما ورد في رسالة إلى أبو بصير الوحيشي «عدم استهداف الجيش والشرطة، ومرادنا هم الأميركيون الذين يقتلون أهلنا في غزة وفي غيرها من بلاد الإسلام، والتأكيد على العسكر بأن يحذروا ألا يكونوا دروعا تحمي الصليبيين».
وفي رسالة إلى أبو بصير الوحيشي، زعيم التنظيم في اليمن، يقول بن لادن: «أميركا هي العدو الأكبر رغم استهدافها واستنزافها عسكريا واقتصاديا قبل الحادي عشر وبعده، إلا أنها ما زالت تمتلك من المعطيات ما يمكنها من إسقاط أي دولة نقيمها، ولكم عبرة في إسقاط دولة طالبان. إن استنفار الخصوم في اليمن لا يقارن باستنفارهم في أفغانستان، فاليمن بالنسبة للأعداء كالذي هدده خطر داخل بيته، فهو قلب الخليج أكبر مخزون نفطي في العالم، فلا نرى أن نزج بأنفسنا وأهلنا في هذا الأمر في هذا الوقت قبل أن تتهيأ الأوضاع، فنكون كالذي يبني في مجرى سيل فإذا سال اجتاح البناء وأسقطه، فإنني أرى أن يبقى اليمن هادئا وندخره كجيش احتياطي للأمة، وبما أننا لا نرى التصعيد، لأننا ما زلنا في مرحلة الإعداد، فليس من المصلحة التسرع على إسقاط النظام، فهو رغم رداءته وسوء إدارته فإنه أخف ضررا، وعلي عبد الله صالح عاجز عن قمع النشاط الإسلامي، وهو رجل غير إسلامي وموالٍ للغرب».
ويضيف بن لادن في رسالة: «كان بمثابة مظلة لنشاطات الإخوان والسلفية والسلفية الجهادية». وفي الرسالة المطولة نفسها إلى أبو بصير يطالب بن لادن بأن «تكون قيادات الصف الأول من العناصر الممحصة تمحيصا جيدا، مع الحرص على أن يكون أحد قيادات التنظيم البارزين من الجنوب اليمني. وأما مسألة التخلي عن السلاح فغير واردة البتة، فبالكتاب والحديد يُنصر الدين». كما يشير: «هو جزء من كياننا ومن تاريخنا، والرجل من غير سلاح لا شك أنه منتقص، والذين تركوا السلاح أصبحوا لا وزن لهم».
وركز بن لادن على رأس الكفر «أميركا» في أكثر من مناسبة ومقطع في رسائله إلى كبار قواده، باعتبار أن «العدو الأكبر خير وأولى»، وهي «أوضح كفرا وأعظم ضررا في هذه المرحلة».
وفي موضع آخر من الرسائل يقول بن لادن: «لا بد من توضيح السياسات العامة لـ(القاعدة) في التركيز على أميركا، وهو أن أعداء الأمة اليوم كشجرة خبيثة، ساقها أميركية قطرها 50 سم، وفروعها كثيرة متفاوتة الأحجام، منها دول الناتو وكثير من الأنظمة في المنطقة، ونحن نريد إسقاط هذه الشجرة بنشرها، في حين أن قوتنا محدودة، فطريقنا السليم والفعال لإسقاطها هو بتركيزنا المنشار على أصلها الأميركي»، وعد اللجوء إلى نشر الفروع الأخرى مثل البريطاني «تشتيتًا لجهدنا وطاقاتنا، ولو بقي النشر في عمق الساق الأميركي إلى أن يسقط فسيسقط الباقون بإذن الله».
وهنا يشير الدكتور السباعي إلى أن بن لادن كان مهتما بجانب المحاذير الأمنية بتغيير خطاب «القاعدة»، إذ يقول في أحد المقاطع: «لا بد من تطوير خطاب (القاعدة)، على أن يكون هادئا رصينا مقنعا، واضحا ملامسا لقضايا الجماهير، لا ينفر جماهير الأمة والرأي العام، وقد يستشهد بعض الإخوة بالأقوال الحادة للسلف (رضي الله عنهم)، أما في مثل حالنا اليوم فهو وضع مختلف، إذ ينبغي مراعاة الفرق بين حالة القوة وحالة الضعف».
ويضيف السباعي أن «بن لادن كان مهتما في رسائله باستخدام كلمات وعبارات تؤدي المطلوب، كاستخدام كلمة (وكلاء) بدلا من (عملاء)». ومضى بن لادن قائلا بحسب السباعي: «المطلوب أن نوصل الحق إلى الناس بألطف عبارة، فبعض الذوق العام ينفر من كلمة (عميل) ويعتبرها شتيمة، مع التأكيد على تجنب الكلمات التي ستؤثر سلبا على تعاطف الأمة معنا، ويجب أن نعرف أننا في خضم حملة عالمية لتشويه صورة (القاعدة)، بوصفها بما ينفر المسلمين منها، فلا بد من مراعاة الدقة في الكلمات والإصدارات، حتى لا نثبت في أذهان المسلمين بعض ما اتهمنا به الأعداء، من أننا متوحشون مستبدون نستلذ بسفك الدماء، ولا يخفى أن الأمة هي مدد وغطاء لنا، لذا يجب أن نترفق بالناس، بالطرح الشائق مع تجنب الهجوم الصارخ والنقد الساخر أو تحقير الخصوم».
ويصف بن لادن في موضع آخر من رسائله القنوات الفضائية بأنها «أشد من الشعراء الهجائين في العصر الجاهلي، فإن ركزت القنوات على شخص ما فإنها تريد التأثير عليه، وإننا اليوم تعادينا مع معظم القنوات، وأما (الجزيرة) فقد تقاطعت مصالحها مع مصالحنا، فقد يكون من المفيد ألا نمدحها أو نستعديها، مع أنها قد تحصل منها بعض الأخطاء ضدنا، إلا أنها محدودة. من الحكمة ألا نستعدي شعراء العصر الحديث ما لم تكن هناك ضرورة».
وفي رسالة أخرى يعزي بن لادن نفسه بوفاة سعيد المحاسب مسؤول «القاعدة» عن العمليات، وهو مصطفى أبو اليزيد الذي تمتد مسؤولياته من العمليات إلى جمع الأموال، والذي قتل في ضربة جوية صاروخية على المناطق القبلية في باكستان عام 2010.
ويقول بن لادن في رسالة إلى عطية الله: «أمضى سعيد المحاسب رحمه الله قرابة ثلاثة عقود وهو في ساحات القتال نصرة لدين الله، نحسبه والله حسيبه، وصمد صمود الجبال الراسيات ضد الحملات على وزيرستان صمودًا وصبرًا بقناعة ورضا واستعذاب، فلا شكوى ولا تسخط، حتى وإن هددت حياته وحياة فلذات كبده، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا. كما أعزي نفسي وإياكم في أخوينا الكريمين أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر اللذين قضيا نحبهما. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأجرنا في مصيبتنا ويخلفنا خيرًا منها». ويضيف: «وابتداءً أحيطكم علما بأنه قد تم تعيينك خلفًا للشيخ سعيد، رحمه الله، لمدة عامين من تاريخ وصول رسالتي هذه إليكم. أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعينكم على القيام بهذه المسؤولية خير قيام، وأن يزيدكم توفيقًا وتمسُّكًا بالصبر والتقوى وبمحاسن الأخلاق التي إن تمسَّك بها أمير صلح حال رعيته». ويضيف أن: «من خير الناس أجمعهم للناس، ومن أهم ما يجمع الناس ويحافظ على بقائهم مع أميرهم حلمه وعفوه وعدله وصبره وحسن تعامله معهم ومداراته لهم وعدم تحميلهم من الأمر ما لا يستطيعون. ومما ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار ونتذكره دائمًا أن إدارة الناس في مثل هذه الظروف أمر يستدعي زيادة في الحكمة والحلم والعفو والصبر والأناة، فهو ظرف معقد بمعظم المقاييس».

مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط لمؤسسة «سحاب»



«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».


الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

وصف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين، وذلك في ختام زيارة استمرت 4 أيام.

وقال ولد الغزواني في تدوينة على منصة «إكس»: «في ختام زيارة الدولة التي قمت بها إلى فرنسا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لصديقي فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون على حفاوة الاستقبال، وثراء المباحثات التي جمعتنا».

وأضاف: «‏لقد شكلت هذه الزيارة محطة مهمة في تعزيز شراكة دولتينا، القائمة على الثقة والطموح ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات الكبرى في عصرنا».

الرئيس الفرنسي وقرينته لدى استقبال رئيس موريتانيا وقرينته (الرئاسة الموريتانية)

وكانت الرئاسة الموريتانية قد احتفت بالزيارة، وقالت إنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس موريتاني بزيارة دولة إلى فرنسا منذ 64 عاماً. وبدا واضحاً أن الهدف منها هو تأسيس «شراكة استراتيجية» بين البلدين، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل.

وعقب استقباله في قصر الإليزيه، أشاد ماكرون خلال مؤتمر صحافي بمستوى العلاقات بين البلدين، ووصف موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا.

«آخر الحلفاء»

حظيت زيارة الرئيس الموريتاني إلى باريس باهتمام الإعلام الفرنسي، حيث كتبت صحيفة «ليبراسيون» أن ماكرون يسعى لتعزيز العلاقات «مع آخر حلفائه في منطقة الساحل»؛ في إشارة إلى القطيعة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها السابقة في الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وظهور تيارات سياسية معادية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لصالح الصعود الروسي والصيني.

وقالت الصحيفة إن باريس ونواكشوط تربطهما «علاقات تعاون عسكري طويلة الأمد»، مشيرة إلى أن هذا التعاون استمر على الرغم من أن موريتانيا لم يسبق لها أن احتضنت أي قاعدة عسكرية فرنسية.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

أما صحيفة «لو موند» فقد نشرت موضوعاً تحت عنوان: «آخر حليف موثوق به لفرنسا في منطقة الساحل... الرئيس الموريتاني يرغب في تعزيز تعاونه العسكري مع باريس»، وأشارت إلى أنه بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل «باتت موريتانيا تقدم نفسها كآخر حليف متبقٍّ لفرنسا في المنطقة».

في السياق نفسه، نشر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية موضوعاً تحدث فيه عن العلاقات بين فرنسا وموريتانيا، ورأى أنها «نموذج للعلاقات الهادئة بين باريس ومستعمرة سابقة»، مضيفاً أن ولد الغزواني «حليف موثوق به في منطقة عانت فيها فرنسا انتكاسات كبيرة في السنوات الأخيرة».

الحضور الاقتصادي

رغم التركيز الكبير والواضح على الملف الأمني والتعاون العسكري بين باريس ونواكشوط، كان الجانب الاقتصادي حاضراً هو الآخر بقوة، حيث شهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات الاقتصادية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الإليزيه بباريس (الرئاسة الموريتانية)

وافتتح الرئيس الموريتاني من باريس المنتدى الاقتصادي الموريتاني - الفرنسي، حيث دعا إلى توسيع الاستثمارات الفرنسية في بلاده، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالتعدين والطاقة والبنى التحتية، مؤكداً أن موريتانيا توفر فرصاً واعدة ومناخاً استثمارياً جاذباً.

وزار ولد الغزواني مدينة بريست الفرنسية، حيث اطَّلع على تجارب فرنسية في مجال الصناعات والبحوث البحرية، بما في ذلك زيارة شركة «PIRIOU» والمعهد الفرنسي لعلوم البحار.

مكانة دولية

الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، وصف الزيارة بأنها «محطة ناجحة وموفقة»، وقال إنها «عكست مستوى متقدماً من علاقات التعاون بين البلدين».

ونشر ولد أجاي تدوينة على «فيسبوك» قال فيها إن الزيارة «دليل جديد على المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن ماكرون قدم موريتانيا على أنها «نموذج في تبنِّي نهج قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية».

وخلص الوزير الأول إلى أن نتائج الزيارة من شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات؛ بينما لم يصدر أي بيان مشترك حول نتائج الزيارة.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية كقوة استعمارية، ولكنها منحتها الاستقلال عام 1960.

غير أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعد ذلك الاستقلال «شكلياً»؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد، في عام 1974.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي بباريس (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ الاستقلال، مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين. وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خصوصاً مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس كثيراً من مراكز قوتها التقليدية.


مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت أو أي دولة عربية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال استقباله وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، أن «أمن الكويت وسائر الدول العربية هو امتداد طبيعي لأمن مصر القومي»، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار الكويت ولما تتخذه من إجراءات لحماية مقدرات شعبها».

ونقل بيان الرئاسة المصرية تثمين وزير الخارجية الكويتي «المواقف التاريخية لمصر في دعم أمن وسيادة واستقرار الكويت، ووقوفها الدائم إلى جانب أمن دول الخليج العربي»، معرباً عن «تطلع بلاده إلى تكثيف التشاور والتنسيق مع مصر، بما يسهم في الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي وصون أمن الدول العربية».

وعقد السيسي جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الكويتي تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والتجارية، حسب الإفادة. كما عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الكويتي جراح الصباح جلسة مشاورات سياسية تناولت الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الحرب، ومستجدات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

محادثات مصرية - كويتية موسعة الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وجدد عبد العاطي التأكيد على «موقف مصر الثابت والداعم لدولة الكويت»، معرباً عن «إدانة القاهرة الكاملة للاعتداءات التي استهدفت أمن واستقرار دولة الكويت، والرفض التام لأي محاولات للمساس بسيادتها».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيره الكويتي على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والاجتماع الرباعي الذي عُقد السبت في أنطاليا لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مشيراً إلى «تأكيد مصر على أهمية مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية». وشدد عبد العاطي على أن «أمن الكويت يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر»، مؤكداً أهمية تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الدول العربية لمواجهة التحديات الراهنة.

وعلى صعيد العلاقات الثنائية أعرب الوزيران عن التطلع لعقد الدورة الرابعة عشرة للجنة المشتركة بين البلدين قبل نهاية العام الحالي، بما يسهم في دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، حسب السفير تميم خلاف.

وأكد عبد العاطي «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية»، منوهاً إلى «الفرص الواعدة التي يجب اغتنامها في قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والطاقة»، ومشيراً إلى «ضرورة تعزيز التعاون الثلاثي في القارة الأفريقية بالتنسيق مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والصندوق الكويتي للتنمية».

وزيرا خارجية مصر والكويت يترأسان مشاورات سياسية في القاهرة ويؤكدان عمق العلاقات الأخوية بين البلدين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن أهمية زيارة وزير الخارجية الكويتي للقاهرة، كونها تأتي بعد الاجتماعات التي عقدت في أنطاليا بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عبد العاطي أطلع نظيره الكويتي على تفاصيل ما دار في اللقاءات بشأن إنهاء الحرب، لا سيما مع تعرض الكويت لاعتداءات خلال الحرب».

وأشار إلى أن «المشاورات بين الجانبين تأتي في إطار التنسيق المشترك، وتأكيد التضامن المصري مع الكويت ومع دول الخليج بشكل عام في مواجهة أي اعتداءات».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، أن زيارة وزير خارجية الكويت للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتقدم فيها الأزمة مع إيران إلى صدارة مشهد التهديدات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الزيارة لا تندرج ضمن الروتين الدبلوماسي، بل تعكس إدراكاً مشتركاً لضرورة بناء مقاربة عربية متماسكة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة».

وأشار حجازي إلى أن «العلاقة المصرية - الكويتية مرشحة للانتقال من مستوى التشاور إلى مستوى التنسيق التنفيذي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولاً، توحيد التقديرات الاستراتيجية بشأن التهديدات الإيرانية، وثانياً دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة في الخليج دون عسكرة مفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ثالثاً تعزيز التنسيق الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار، لتخفيف آثار أي اضطرابات محتملة في الإمدادات».

وقال إن «زيارة الوزير الكويتي إلى القاهرة تمثل خطوة متقدمة نحو بلورة مقاربة عربية عقلانية، تسعى إلى احتواء التصعيد مع إيران دون التفريط في محددات الأمن القومي العربي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended