المالح: المفاوضات كانت عبثية.. ووفد الأسد اتهمنا بالخيانة والعمالة ودعانا للتوبة

عضو الائتلاف السوري المعارض يكشف في حوار مع {الشرق الأوسط} تفاصيل اجتماعات «جنيف 2»

هيثم المالح
هيثم المالح
TT

المالح: المفاوضات كانت عبثية.. ووفد الأسد اتهمنا بالخيانة والعمالة ودعانا للتوبة

هيثم المالح
هيثم المالح

كشف هيثم المالح، عضو الائتلاف السوري، أحد أعضاء وفد المعارضة في مفاوضات جنيف2. تفاصيل ويوميات التفاوض مع وفد بشار الأسد برئاسة بشار الجعفري. وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن وليد المعلم وزير الخارجية وبثينة شعبان والمقداد كانوا يتابعون المفاوضات من مكاتب مجاورة لقاعة الاجتماع ربما تكون مزودة بصوت للاستماع غير المباشر لما نقول. ووصف المفاوضات بالعبثية لتركيزها على الشتائم واتهام المعارضة بالخيانة والعمالة ودعوتهم للتوبة والعمل معهم لمكافحة الإرهاب.
وقال المالح: «لم نتصافح ولم نتبادل النظرات.. كأننا نتفاوض مع وفد من دولة أخرى وليس وفدا سوريا مثلنا يشعر بحالة القتل والتدمير والتخريب التي أصابت كل الوطن في مقتل»، مشيرا إلى أن روسيا ساعدت نظام الأسد بشكل استراتجيي حفاظا على مصالحها.. ولولا هذا الدعم لسقط الأسد في ظرف شهرين. وإلى نص الحوار..

* ما هو تقييمك لمفاوضات «جنيف2».. وهل يمكن أن نعرف تفاصيلها؟
- أولا كان من المفترض أن تكون المفاوضات برئاسة وليد المعلم وزير الخارجية السوري، وبالنسبة لنا اتفقنا في اجتماع إسطنبول على رئاسة أحمد الجربا رئيس وفد الائتلاف للجلسة الافتتاحية لمؤتمر «جنيف2» على أن يلقي كلمة وينسحب ويترك الأمر للوفد المفاوض، وبدأنا الاجتماع وانسحب وليد المعلم وبثينة شعبان وكل الطاقم وبقي بشار الجعفري لرئاسة الوفد ومعه اثنان من المحامين وهما أقرب للمهنية وليس الدبلوماسية والسياسة، وكان المتحدث الوحيد هو بشار الجعفري والآخرون لا يتحدثون في شيء، إضافة إلى أن هذا الوفد لا يملك أي صلاحيات بمعنى أنه يحتاج للعودة إلى دمشق في كل لحظة، على سبيل المثال عندما وضع الأخضر الإبراهيمي جدول الأعمال قال الجعفري: «لن أوافق عليه إلا بعد العودة إلى دمشق»، وبالتالي إذا كان جدول الأعمال لا يمكن الموافقة عليه إلا بعد العودة إلى دمشق.. إذن ما هي صلاحياته التي يتفاوض بها؟ ومفترض أنه معروف وفق نص الدعوة وعلى خلفية «جنيف1» الانتقال إلى هيئة حاكمة تدير المرحلة الانتقالية.. وبالتالي المفاوضات انتهت قبل أن تبدأ.
* كيف كان شكل مائدة التفاوض.. وهل كان الحوار بشكل مباشر؟
- المائدة التي كنا نجلس عليها للتفاوض رباعية وتتكون من مقعدين واحد أمامي مباشرة والثاني في الخلف لأعضاء الوفد.. وجلسنا أمام بعضنا وترك الجانب المقابل للأخضر الإبراهيمي خاليا، وكنا نتحدث إلى الإبراهيمي وهم كذلك تجنبا لتبادل النظرات أو الحديث المباشر، وبدأ الجعفري يتحدث وهو رجل مثقف ومتمكن من اللغة العربية؛ لكن ليس لديه رؤية سياسية وقد بدا ذلك واضحا طيلة فترة المفاوضات لم نسمع منه سوى كلمة واحدة وهي أننا عملاء وكذلك الدول التي تقف معنا، وقمت بالرد عليه بمداخلتين الأولى، تحدثت عن تاريخ نظام حزب البعث منذ عام 1963 وصورة كاملة عن الثورة بالأرقام والضحايا، والحقيقة أننا لم نتفاوض وإنما كنا في جولة يصح تسميتها بـ«سرد كلام متبادل» لأن التفاوض مختلف عن الأجواء التي عشناها في جنيف.. وأثناء مداخلتي الأولى – الجعفري تغير عندما تحدثت عن الفساد والاستبداد في سوريا وكان جوابه غريبا حيث اعترف بذلك وقال نعم يوجد فساد ولذلك نحن نريد أن نتخلص منه – والجعفري يعرفني جيدا لأن ما يفصل بيني وبين أهله جدار، ونحن جوار في المسكن وأعرف والده زكي الجعفري الذي كان مساعدا في الجيش وهو ضد السلطة معي بشكل دائم، واعتقل شقيق بشار الجعفري في قضية كاتب استقدام الخادمات وأسيء إليه، وقد سألت والده زكي الجعفري وقلت له: «إن نجلك له نفوذ وناطق باسم الحكومة السورية في مجلس الأمن والأمم المتحدة ويمكن أن يصحح الأمر خاصة أن نجلك (شقيق بشار) مظلوم».. رد بالقول: «لن يفعل له شيئا».
* ماذا كان رد فعل الجعفري بعد اتهامك للسلطة بالفساد؟
- قال ان ما تحدث به الأستاذ هيثم المالح صحيح – نعم لدينا فساد واستبداد ولهذا نريد أن نغير ونبني وهو وافقني على كل ما قلته – لكنه دائما خلال مفاوضات المرحلة الأولى والثانية ليس لديه غير موضوع واحد، هو المطالبة بوقف العنف والإرهاب.. وليس عندهم رؤية للتفاوض حول المرحلة السياسية والانتقال السياسي.. وطالبنا بأن ننبذ العنف والإرهاب ونتنصل من الدول الداعمة للثورة السورية (الإرهاب) من وجهة نظرهم ويرون أن كل من حمل السلاح في سوريا إرهابي.
* وما تقوم به الدولة السورية ضد المدنيين.. ماذا قال عنه الجعفري؟
- عندما تحدثت عن إرهاب الدولة السورية حدث زلزال داخل قاعة التفاوض، فلتت أعصابهم نهائيا والمهم خلال فترة التفاوض كنا نجتمع معهم من خلال الأخضر الإبراهيمي وأحيانا كان يجتمع بكل طرف بمفرده وداخل القاعة كان يتحدث رئيس الوفد ويوجه حديثه إلى الأخضر الإبراهيمي.
* وهل تصافحتم خلال المفاوضات؟
- لم نتصافح ولم نتبادل حتى النظرات والمعارضة في نظرهم عملاء لدول تديرهم من الخارج.
* وماذا كان دور الأخضر الإبراهيمي.. هل كان مستمعا فقط؟
- كان يدير الجلسة ويذكر دائما بقرارات «جنيف1» وإعلان «جنيف2» وقرارات مجلس الأمن وكتاب بان كي مون، وطبعا الإبراهيمي وضع جدول أعمال للمفاوضات في المرحلة الثانية من التفاوض، وكانت المرحلة الأولى من دون جدول أعمال وكانت عبارة عن تبادل رأي ووجهات نظر.. ونحن تحدثنا حول المسألة الأساسية من «جنيف1» هي تشكيل هيئة حاكمة انتقالية بموجب الدعوة لحضور «جنيف2» نصت على ذلك وهم يريدون كسب المزيد من الوقت ويماطلون في المفاوضات.
* وما هو جدول الأعمال الذي اقترحه الإبراهيمي؟
- إنهاء العنف ومحاربة الإرهاب، إقامة هيئة الحكم الانتقالية، الحوار الوطني والمصالحة الوطنية، كما قدم الإبراهيمي كل طرف مذكرة تتضمن التالي: مبادئ بيان «جنيف1» والتي تؤكد وحدة سوريا أرضا وشعبا واحترام سيادتها وسلامة أراضيها ونبذ التدخلات الأجنبية المباشرة والتوصل إلى وقف جميع أشكال العنف بما يشمل نبذ الإرهاب ومكافحته وتقديم الإغاثة والإفراج عن المعتقلين، وأن تكون الدولة السورية ديمقراطية وتعددية وإنشاء هيئة الحكم الانتقالية وتزويدها بجميع الصلاحيات التنفيذية، وأن يتم كل ذلك وفق جدول زمني محدد، كما نصت المذكرة على مراحل العمل والتفاوض وإجراء الحوارات خلال الاجتماعات المقبلة، في أجواء هادئة يسودها الاحترام المتبادل وتجنب المهاترات.
* وما هو الوقت الذي كان محددا لجلسات التفاوض؟
- نحو ساعتين وأحيانا نعقد جلستين في اليوم صباحية ومسائية، وكان وفد النظام يصر على انعقاد جلسة واحدة.. وكان ردنا أن المفاوضات انعقدت من أجل إنجاز عمل حقيقي على الأرض وليس لدينا مانع من الاجتماع لمدة عشر ساعات متواصلة، وكان ردهم لا بد من العودة في كل التفاصيل إلى دمشق.. علما بأن وليد المعلم وبثينة شعبان وفيصل المقداد كانوا متواجدين في مكتب بمبنى الأمم المتحدة في مكاتب خارج قاعة التفاوض، وكان أحد أعضاء الوفد السوري يخرج إليهم للتشاور وحمل أوراق أو تقديم أوراق قاعة التفاوض، ولا أستبعد أن يكون المكتب الخاص بوليد المعلم مزود بتقنية الاستماع لكل ما يدور في قاعة التفاوض الخاصة بنا – أقصد تفاوض عن بعد.
* هل رفض الوفد الرسمي جدول الأعمال الذي قدمه لهم الإبراهيمي؟
- الجعفري قال هذا مشروع جدول أعمال ويحتاج لعرضه على حكومته أولا للموافقة عليه، وبالتالي أصبح لدينا مشكلتان في التفاوض، الأولى رفض جدول الأعمال، والثانية أن الإبراهيمي أدخل كلمة الإرهاب مع أنها غير موجودة في الأساس في بيان «جنيف1» - والذي نص صراحة على كلمة وقف العنف ولم يتحدث عن إرهاب - ونحن ليس لدينا حساسية من كلمة نبذ الإرهاب؛ لكن الوفد السوري عد أن الهدف من التفاوض هو موضوع الإرهاب فقط، والأمر الثاني أن الأخضر الإبراهيمي وضع البند الثالث مؤسسات الدولة – تغييرها أو تعديلها أو تطويرها وكان رد وفد النظام – بلا – لأنه يعني تفكيك الدولة السورية وأن هذا عمل مخابراتي، واتهم مباشرة الأخضر الإبراهيمي بذلك وقد انزعج الرجل كثيرا من هذا الأمر، وقال لهم بأن هذا هو مشروعي وليس مشروع المعارضة والتطوير والتغيير لا يعني هدم الدولة ومن الطبيعي أن تكون هناك حكومة جديدة مع التطوير ولا أحد يبقى عند الجمود، كما انزعج الوفد من كلمتي بأن «الإرهاب هو إرهاب الدولة والسلطة.. ونحن كمعارضة ليس لديهم إرهاب»، وتحدثت عن دور المخابرات في القتل والتخريب.
* وهل يمكن أن نقول: إن المفاوضات انتهت قبل أن تبدأ في «جنيف2»؟
- لم يحدث شيء وقد انتهت إلى فشل وهذا الموضوع توقعته منذ البداية عندما زرت الإبراهيمي في منزله وقلت له إنك حذرت في لقاء مع الدكتور نبيل العربي عام 2011 وقبل تشكيل مجلس وطني من خطورة الوضع في سوريا، وقلت له نريد حل الأزمة السورية داخل الأسرة العربية ولا نريد تدويلها؛ لكن إذا فلشتم ليس لدينا خيار لأن سوريا كدولة وليس كحكومة جزء من المجمع الدولي وعليه أن ينصرنا، ومعروف أن الجامعة بذلت كل جهدها مع النظام الذي وقع على برتوكول ثم خالفه وكل ما نريد هو وقف شلال الدم ولا شعب يريد تدمير بلاده.
* وكيف ترى ما يتردد حاليا بأن كل ثورات الربيع العربي بما في ذلك سوريا مخطط يستهدف المنطقة العربية؟
- مع الأسف.. وهذا اتهام للشعوب.
* نعود للمفاوضات مع وفد الحكومة السورية.. هل سيؤدي إلى حل للأزمة وفي إطار تسوية سياسية؟
- الحكومة السورية لن تقدم شيئا وكل المطروح هو أن يصدر إعلان ونوقع عليه بأننا نتنصل من الإرهاب.. وأن نعمل لمحاربة الإرهاب.
* لماذا لم تتنصلوا من الإرهاب حتى؟
- نحن متضررون من الإرهاب والجيش الحر يقاتل داعش على الأرض والجيش الحر يعاني من إرهاب نحو 25 فصيلا يقاتل مباشرة مع النظام وهم من حزب الله وإيران والعراق وحوثيي اليمن ومن باكستان – شيعة – ولم نشهد من قبل هذا الوضع الذي نعيشه.
* وداعش تقاتل مع من؟
- داعش تقاتل مع النظام، و«القاعدة» لم يعد تكوينها مجموعة الظواهري فقط أو بن لادن وإنما اخترقت من قبل إيران والنظام السوري، والآن هناك مجموعة لما يسمى المتشددون أو المتطرفون أو إرهابيون منهم يتبع النظام السوري، وهناك من يتبع أيمن الظواهري ومجموعة تابعة لإيران، وقد أوضحت في كلمتي بمؤتمر جنيف أنه في سجن صيدناوة يوجد مهجع (غرفة كبيرة تجمع عددا من الناس) وهذه كانت تغلق بباب أسود وكان خلفها ناس متطرفون، وكان رئيس المخابرات العسكرية آصف شوكت في عام 2007 ذهب عنده البعض لفتح هذا السجن والحوار مع هذه المجموعة المتطرفة، وبالفعل تم إخلاء سبيلهم وهذه المجموعة برز من بينها ما يسمى بتنظيم داعش – دولة العراق الإسلامية والشام من بينهم مجموعة عراقية خاصة التي هربت من سجن أبو غريب، وبالتالي تشكلت داعش من سجون سورية وعراقية وهؤلاء يحاربون مع النظام.
* إذن لماذا لا توقع المعارضة على وثيقة نبذ الإرهاب ويوقع عليها وفد النظام.. وهل لديكم ما يمنع؟
- أصدرنا تصريحا رسميا وقلنا بالاجتماعات بأننا ضد الإرهاب؛ ولكنهم لم يقبلوا وطالبوا بأن نكافح الإرهاب معا نحن والحكومة معها ونتنصل من الحكومات الداعمة للإرهاب، وبذلك تنتهي المشكلة.. وهذا الكلام سخيف، أن تصبح الأزمة في سوريا مجرد إرهاب، ونسي النظام أن الشعب السوري وسطي ومنذ وقت كان رئيس الوزراء مسيحي وكان من الكتلة المسيحية الصغيرة وكانت تتبعه المساجد والأوقاف الإسلامية، وبالتالي نحن نريد حكومة تدير البلاد بشكل صحيح.
* وماذا كانت نتيجة مفاوضات «جنيف2» في النهاية؟
- النتيجة الوحيدة للمفاوضات عبارة عن مجموعة اتهامات من وفد النظام للمعارضة والمطالبة بمكافحة الإرهاب – ووصل الأمر كأن المتفاوضين وفدان فلسطين وإسرائيل، ولا يدرك الوفد السوري ما حدث من دماء وتشريد وقتل وصل إلى أكثر من 135 ألف شهيد ومليوني منزل مدمرين وعشرة ملاين مواطن خارج منازلهم، وهذه كارثة إنسانية وليست مسألة الصراع على السلطة؛ بل انتقل النظام إلى محاولة تدمير الشعب بالكامل وقد أعلن الإبراهيمي نهاية المفاوضات أنه مصاب بإحباط شديد؛ إلا أنني ذكرت له أن النظام قام بتصعيد غير مسبوق خلال مفاوضات «جنيف1»، و«2» وقلت له الأمم المتحدة تدخلت بشأن المدنيين في حمص – وخرجوا منها – لكن النظام قام باعتقالهم.
* معنى ذلك أنك تستبعد انعقاد «جنيف3»؟
- المفاوضات كلها عبثية حتى الآن ولن تؤدي إلى نتيجة وإذا كان ولا بد، فعلى النظام أن ينفذ ما ورد في «جنيف1» إذا كان يرغب في الحل السياسي، وهي وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المعتقلين وسحب الآليات والأسلحة الثقيلة من المدن والقرى.. ولذلك قلت للأخضر الإبراهيمي نحن نسير إلى طريق مسدود وكان جوابه «إنني ذاهب إلى نيويورك ألقي كلمة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ثم أعود بعد ذلك.. ولا أعرف إذا كنت سوف أقوم بدعوتكم إلى جولة ثالثة في جنيف أم لا».
* من كلام الإبراهيمي.. هل تتوقع انعقاد جولة ثالثة للمفاوضات؟
- أتوقع جولة ثالثة في جنيف، لأن هناك ضغوطا على الأخضر الإبراهيمي باستكمال المفاوضات؛ لكن لا أدري إذا ما كانت لديه قدرة على تحمل أكثر مما احتمل، وحقيقة أنه تحمل الكثير لأنه أمام نظام لا يريد الحل.
* في تقديرك.. ما هي خيارات كل من واشنطن وموسكو لاستئناف الحل في سوريا خاصة بعد بيان التوافق الذي سبق مؤتمر «جنيف2»؟
- أعتقد أن الطرفين سوف يستمران في الضغط على الأخضر الإبراهيمي حتى تستمر المفاوضات التي لا جدوى منها، والطرفان غير مهتمين بما يحدث في سوريا من دمار وخراب وقتل، وأتهم روسيا بأنها تقف خلف مقتل السوريين من خلال ضخ السلاح والمال، وكنت أتوقع سقوط النظام السوري بعد شهرين من الثورة السورية لولا مساندة روسيا غير المسبوقة لنظام الأسد وكذلك إيران التي ضخت حتى الآن نحو 12 مليار دولار دفعة واحدة إلى النظام وكل شهر تحول له ما قيمته 500 مليون دولار، فضلا عن السلاح والرجال.
* من وجهة نظرك.. ما هي المصالح التي تحققها روسيا من دعمها لنظام الأسد؟
- روسيا لها مصلحتان، الأولى تجارية من خلال موضوع الأسلحة والقواعد العسكرية المتواجدة على الأرض السورية في طرطوس وبانياس وهما قاعدتان مهمتان لروسيا في البحر المتوسط وإذا خسرتهما انتهى وجودها في المتوسط، وكذلك إذا خسرت روسيا سوريا خسرت المنطقة كلها، وسبق لهم أن خسروا ليبيا. والأمر الثاني هناك مشروع مد أنابيب غاز من قطر إلى أوروبا عبر سوريا، ومعروف أن موسكو تتحكم في تصدير الغاز إلى أوروبا. والأمر الثالث هناك علاقات قوية بين موسكو وطهران. والأمر الرابع أن يكون في سوريا نفوذ غربي.
* وماذا عن واشنطن خاصة بعد تصريحات الرئيس الأميركي الذي أعلن أن لديه خيارات أخرى في سوريا تبدأ بتقديم دعم حقيقي للمعارضة؟
- واشنطن في الحقيقة تسير من خلال إملاءات إسرائيلية وهي لا تأخذ أي قرار يخص المنطقة كلها إلا بعد موافقة إسرائيل والمستفيد الأول الرئيسي مما يحدث في سوريا هو إسرائيل.. وبالتالي لا يملك باراك أوباما تقديم سلاح للمعارضة السورية، وذكرت للأمين العام للجامعة العربية ما حدث خلال زيارتي لواشنطن قبل ستة شهور عندما التقيت مع المكتب المصغر للرئيس أوباما، حيث قالوا لي بأن الرئيس يريد أن ينأى بنفسه عن الثورة السورية ويترك الحل للرئيس المقبل.. وهذا واضح في المسار السوري.
* هل تخشون من وصول نظام إسلامي متشدد إلى الحكم في سوريا؟
- هذا ظلم كبير للشعب السوري، ولست مع القائلين بأن ثورات الربيع العربي مؤامرة للتخريب، وأذكر أنني عندما خرجت من السجن خلفت ورائي خمسة آلاف سجين رأي وليس سجينا سياسيا، على سبيل المثال إذا تحدث مواطن عبر الهاتف بكلام يعتقل.. وبالتالي بلد يحكم بهذا الأسلوب هل يعقل أن يكون بها مسلحون؟ وهناك الكثير والكثير من الأمثلة التي تؤكد أن الشعب السوري يعيش في حالة رعب وليس خوفا، وليس ذلك فقط وإنما سيطرة الأسرة الحاكمة على 85 في المائة من الدخل القومي وتركت للشعب 15 في المائة وتحويل سوريا إلى ما تحت الفقر.
* وهل تتوقع أن تجرى انتخابات رئاسية في سوريا هذا العام كما يتردد أن الأسد سوف يترشح؟
- أي انتخابات تجرى.. والدستور الجديد ضمن أنه لا يمكنه أن يترشح.
* هل تتوقع ترشح بشار؟
- يمكن أن يترشح إذا تدخل الروس.
* وماذا تتوقع خلال الفترة القادمة؟
- سوف يتحقق النصر للسوريين رغم الصعوبات.
* وهل تقبل المعارضة السورية أن يشارك في الحكم شخصيات من مؤسسات الدولة حاليا؟
- نقبل بهذا.. والتغيير لا يعني تفكيك مؤسسات الدولة، فلن يفلت أحد من العقاب، وعندما نشكل لجان تحقيق ومصالحة مهمتها أن تفرز بين الجرائم، على سبيل المثال هناك عسكري الضابط أمره بإطلاق الرصاص، هذا مسكين.. ولن أعاقب العسكري مثل الضابط، وبالتالي «لن يظلم مواطن في العهد الجديد بعد نظام الأسد».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.