القمة الرباعية في باريس.. بلا قرارات و{خيبة} من غياب الرد الغربي

مصادر دبلوماسية أوروبية لـ {الشرق الأوسط}: لا تنازلات روسية في المستقبل القريب بانتظار تحقيق نجاحات ميدانية

زعماء فرنسا وروسيا وأوكرانيا والمستشارة الألمانية خلال قمتهم في باريس أمس (رويترز)
زعماء فرنسا وروسيا وأوكرانيا والمستشارة الألمانية خلال قمتهم في باريس أمس (رويترز)
TT

القمة الرباعية في باريس.. بلا قرارات و{خيبة} من غياب الرد الغربي

زعماء فرنسا وروسيا وأوكرانيا والمستشارة الألمانية خلال قمتهم في باريس أمس (رويترز)
زعماء فرنسا وروسيا وأوكرانيا والمستشارة الألمانية خلال قمتهم في باريس أمس (رويترز)

وسط إجراءات أمنية مشددة وانتشار مكثف للشرطة في محيط قصر الإليزيه الرئاسي بالعاصمة الفرنسية باريس، والطرق المفضية إليه انعقدت ابتداء من ظهر أمس، ثلاث قمم، اثنتان منها ثنائية طغت عليها تطورات الحرب في سوريا وجمعت الأولى الرئيسين الفرنسي فرنسوا هولاند والروسي فلاديمير بوتين والثانية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الروسي، فيما خصصت الثالثة (الرباعية بمشاركة الرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو) لتطورات الأزمة الأوكرانية وسبل تنفيذ كافة بنود اتفاق مينسك 2 الموقع في فبراير (شباط) من العام الماضي.
وجاءت القمتان الثنائيتان، وهما الأوليان من نوعهما مع بوتين منذ بدء الضربات العسكرية الجوية الروسية في سوريا، عقب أسبوع كامل من القمم واللقاءات والاجتماعات على كل المستويات في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وحقيقة الأمر أنها لم تسفر عن أي تطور إيجابي بشأن المسألة السورية، لا بل إن الحرب في سوريا ولجت مرحلة جديدة مع انخراط روسيا بقوة في العمليات العسكرية واندلاع الجدل الذي تثيره بشأن أهدافها الحقيقية.
مصادر قصر الإليزيه كانت قد استبقت القمتين الثنائيتين بالتأكيد أن الرئيس هولاند والمستشارة ميركل «سيسعيان لاستيضاح بوتين عن نياته وخططه في سوريا، وعن إمكانيات ردم الهوة القائمة بين المقاربتين الغربية والروسية لموضوع المرحلة الانتقالية، فضلا عن النظر في القلق الغربي من استهدافات الطيران الحربي الروسي لقوى معارضة لا تمت بصلة لتنظيم داعش، لا بل إنها تحاربه ميدانيا».
ومن جانبه، عمد هولاند قبل اجتماعه مع بوتين، إلى إعادة التأكيد على مواقف بلاده ورؤيتها لواقع الحرب في سوريا وسبل الخروج منها. ولقد عبر الرئيس الفرنسي عن القلق بشأن الأهداف التي تضربها طائرات السوخوي الروسية، داعيًا إلى حصرها بـ«مواقع داعش وليس أي شيء آخر»، وطرح مجددا تصوره للحل في سوريا وللمرحلة الانتقالية التي «لا يمكن أن تمر بالرئيس الأسد»، مطالبًا النظام السوري بوضع حد لعمليات القصف «الكريهة» التي يقوم بها ضد المدنيين.
وأفادت مصادر قصر الإليزيه، عقب قمة هولاند بوتين مباشرة أن الطرفين ركزا اهتمامهما على «محاولة تقريب وجهات النظر بشأن موضوع الانتقال السياسي»، حيث الهوة عميقة بين باريس وموسكو. وترى فرنسا، وإن قبلت بالأسد في بداية المرحلة الانتقالية على طاولة التفاوض، أنه لا بد من خروجه من المشهد السياسي في نهايتها. أما موسكو، فإن دعمها للأسد من غير حدود، وهي سائرة معه حتى النهاية وترى فيه سدا بوجه الإرهاب وتنظيم داعش، وترفض الحديث عن خروجه من السلطة.
وأضافت المصادر الفرنسية التي تحدثت لمجموعة من الصحافيين، بينها «الشرق الأوسط»، أنه كانت للرئيسين بوتين وهولاند «مشاورات معمقة حول الموضوع السوري وخصوصًا العملية الانتقالية» انطلاقًا من الرؤية الفرنسية وانطلاقًا من المحاور الثلاثة التالية: حقيقة الضربات العسكرية الروسية في سوريا، وحماية المدنيين، وشروط تحقيق عملية الانتقال السياسي. ونقل عن مصادر ألمانية قولها إن الملف السوري حاز القسم الأكبر من المحادثات بين بوتين وميركل أيضًا وأن مواقف المستشارة الألمانية «تتوافق» مع مواقف هولاند. بيد أن المصادر الفرنسية لم تشر إلى أن هولاند وبوتين حققا تقدمًا ما بشأن الموضوع الأكثر صعوبة - أي الانتقال السياسي - أو بشأن الموضوعين الآخرين، وما إذا تم الاتفاق على استمرار المشاورات أو على خطوات أو مبادرات مشتركة في الأيام والأسابيع القادمة.
وأن بوتين قد وصل ظهرا إلى القصر الرئاسي الفرنسي، حيث كان هولاند في استقباله في الباحة القصر وأسفل الدرجات المفضية إلى الداخل. وأدت التحية العسكرية للرئيس الروسي ثلة من الحرس الجمهوري وتصافح الرجلان أمام عدسات الكاميرات التي تجمعت بالعشرات في الباحة القصر وبينها كثير من العدسات الروسية وسط طقس صيفي استثنائي. وبينت صور أفرج عنها الإليزيه لبداية القمة، التي استغرقت ساعة وربع الساعة وشارك فيها وزيرا الخارجية لوران فابيوس وسيرغي لافروف ومستشارون، «برودة» بوتين وتوتر هولاند. وكانت باريس أبدت اعتراضا شديدا على الرؤية الروسية ودعوة موسكو تشكيل تحالف جديد لمحاربة داعش يضم الأسد وقوات النظام. وأمس، قال فابيوس، وزير الخارجية، في حديث لصحيفة «لوموند» إن الدعوة الروسية «ستفضي إلى طريق مسدود إذ علينا ألا ننسى أنه إلى الجانب الأخلاقي، فإن بشار الأسد مسؤول عن 80 في المائة من القتلى واللاجئين ولذا، فإن رحيله أصبح ضرورة إذا أخذنا بالاعتبار فعالية (التحرك)». واستطرد فابيوس قائلا: «الفوضى واليأس اللذان يسببهما الأسد هما أكثر الأمور قوة التي تتغذى منها داعش».
كذلك أدلى رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بدلوه فاعتبر أن الترويج للاعتماد على الأسد من أجل محاربة الإرهاب «خطأ أخلاقي وسياسي مزدوج »، مشككًا بنيات موسكو في سوريا. هذا، وسعت باريس لقطع الطريق على الخطة الروسية عن طريق فتح تحقيق قضائي بحق الرئيس الأسد، استنادًا إلى 55 ألف صورة أخرجها «سيزار» - أو «قيصر» - وهو الاسم المستعار لمصور سوري كان يعمل للمخابرات العسكرية وهرب من سوريا صيف عام 2013. لكن هذه الرغبة لا تغير شيئا بالنسبة لفالس، الذي أكد مجددا أمس أن الرئيس الروسي «شريك للوصول إلى الحل السياسي الدائم وإلى حصول العملية الانتقالية»، التي يفترض أن تضم المعارضة المعتدلة وعناصر من النظام. ويتوافق قول فالس مع ما أكدته المستشارة الألمانية التي قالت أول من أمس: «نعرف جميعًا منذ سنوات أنه يمكن أن يتم التوصل إلى حل في سوريا فقط في حال وجود روسيا وليس من دون وجودها».
من ناحية أخرى، تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إنها «لا تتوقع تنازلات» من موسكو في الملف السوري في الوقت الحاضر أو حصول اختراق ما، مضيفة أنه إذا كانت ستفعل فإن أمرا كهذا «لن يتم قبل أن تحقق عددا من الإنجازات الميدانية». وفي أي حال، عبرت هذه المصادر عن «خيبتها» من غياب الرد الغربي، وخصوصًا الأميركي، إزاء التصعيد الروسي، حيث يبدو الغرب «عاجزا عن تصور استراتيجية سياسية عسكرية فاعلة» يطرحها بوجه موسكو فيما يحصر اهتمامه في الوقت الحاضر بتلافي حصول أي حادث بين قوى جوية لثلاث دول نووية ودائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي - روسيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية - في الأجواء السورية، وهو ما لا يريده أي طرف. و«خيبة» الغرب بحسب هذه المصادر أن «الليونة» التي أظهرها الغرب حينما تخلى عن شرط إبعاد الأسد للدخول في الحل السياسي «لم تقابلها ليونة روسية لا بل ما حصل هو العكس تماما» في إشارة إلى الانخراط العسكري الروسي واسع النطاق وفي استهداف حركات معارضة تحظى بدعم ورعاية الغرب.
وتتساءل هذه المصادر عما إذا كان الرئيس الروسي سيطلب في مرحلة ما «مقايضة» مواقف لينة له في سوريا بمبادرات غربية في الملف الأوكراني، وتحديدا، رفع العقوبات المالية والاقتصادية المفروضة على بلاده منذ أحداث أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم أو أن يسعى إلى العكس. ورغم أن مصادر رئاسية فرنسية رفضت، أول من أمس، وجود رابط بين الموضوعين، فإنها اعترفت بتأثير الموضوع الأول على الثاني والعكس بالعكس.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.