الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين

مطابخ جماعية لطهي وجبات العشاء للمقاتلين الأجانب.. وحياة الناس مليئة بالخوف والحرمان

الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين
TT

الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين

الحياة تحت حكم «داعش».. الغنائم للحكام والرعب للمحكومين

تخرج الشاحنات البيضاء في وقت العشاء حاملة الوجبات الساخنة إلى مقاتلي «داعش» العزاب في مدينة هيت غرب العراق. وتعمل مجموعة من النساء الأجنبيات، اللائي قدمن من أوروبا ومختلف أنحاء العالم العربي للانضمام إلى «داعش»، في مطابخ جماعية لطهي وجبات العشاء للمقاتلين، والتي يجري توصيلها إلى منازل صودرت من أناس فروا من منازلهم أو لقوا حتفهم، حسبما يكشف عمدة المدينة السابق.
لقد اجتذب «داعش» عشرات الآلاف من الأشخاص من مختلف أنحاء العالم بعد أن وعدهم بالجنة في وطن أقامه على أراض احتلها في سوريا والعراق.
لكن في حقيقة الأمر، لقد خلق المسلحون المتشددون مجتمعًا وحشيًا من طبقتين، تختلف فيه الحياة اليومية التي يعيشها المحتلون عن حياة رعاياهم اختلافًا صارخًا، كما تكشف المقابلات التي أجريت مع أكثر من 12 شخصًا يعيشون حاليًا، أو فروا مؤخرًا، من «داعش».

يحصل المقاتلون الأجانب وعائلاتهم على مساكن مجانية، ورعاية صحية، وتعليم ديني، بل ويتمتعون بخدمة توصيل الوجبات للمنازل، حسبما يقول الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات. كما يتحصل هؤلاء المقاتلون على رواتب يتم جمع معظمها من الضرائب والرسوم المفروضة على ملايين البشر الخاضعين لسيطرتهم في مساحة من الأرض لا تقل عن مساحة المملكة المتحدة.
ويقول أبناء المدن والبلدات التي سيطر عليها «داعش» إنهم لا يواجهون فحسب الوحشية المعتادة من هؤلاء المتشددين الذين يقطعون رؤوس أعدائهم ويتخذون من نساء بعض الأقليات إماء، ولكنهم يعانون أيضًا من نقص حاد في أساسيات الحياة اليومية.
ولا تصل الكهرباء إلى الكثير من هؤلاء السكان سوى ساعة واحدة أو ساعتين في اليوم، بينما تمر أيام كاملة على بعض المنازل من دون مياه جارية. الوظائف نادرة، لذا لا يتمكن الكثيرون من توفير ثمن الغذاء الذي تضاعف 3 مرات أو أكثر. كما أن الرعاية الطبية سيئة، ومعظم المدارس أغلقت أبوابها، والسفر خارج مناطق «داعش» محظور بقوة السلاح.
وعلى مدار العامين الماضيين، أنتج المسلحون المتشددون سيلاً من المواد الدعائية على الإنترنت اتسمت بتطور لافت ساعد على إقناع ما لا يقل عن 20 ألف مقاتل أجنبي، كثيرون منهم جاءوا مع عائلاتهم، بالقدوم من أماكن بعيدة مثل أستراليا. وتصور تلك الحملة الدعائية، التي يبث أغلبها عبر «يوتيوب» ومواقع التواصل الاجتماعي، مكانًا مليئا بعجلات الملاهي الدوارة وحلوى غزل البنات، حيث تختلط العائلات المحلية في بهجة مع أجانب مدججين بالسلاح.
لكن السكان المحليين قالوا في المقابلات إن حياتهم اليومية زاخرة بالخوف والحرمان في ظل «خلافة داعش» التي تدير الشؤون بالعنف.
ويقول محمد أحمد، 43 عامًا، وهو موظف سابق في جامعة الدول العربية من دير الزور، وهي بلدة بالقرب من الرقة، عاصمة «داعش» المزعومة في شمال سوريا «لقد عدنا إلى العصر الحجري».
ويضيف أحمد، الذي فرّ من منزله في شهر يونيو (حزيران) الماضي ويعيش الآن مع 20 ألف سوري آخر في مخيم الأزرق في الأردن: «كان لدينا منزل جميل مكسو بأرضيات من الرخام والسيراميك... كان لدينا كل ما نحتاجه طيلة حياتنا، وعندما جاءوا، أصبحنا نطهو الطعام على النار في الخارج ونغسل ملابسنا في دلو».
ويقول الكثير من الذين أجريت معهم المقابلات إن «داعش» في واقع الأمر، أقل فسادًا من الحكومات السورية والعراقية السابقة، ويقدم خدمات حكومية أكثر كفاءة منها، مثل شق الطرق وجمع القمامة. وفي العراق قال البعض إن مسلحي «داعش» السنة عاملوهم على نحو أفضل من الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد. لكن لم يعرب أي من الذين شاركوا في تلك المقابلات عن دعمهم لهؤلاء المتشددين، وقالوا جميعًا إن الإدارة الكفؤة لا تبرر مسلك «داعش» الوحشي والمتعصب.
«إننا نكرههم»، هكذا أكد عمدة الهيت السابق حكمت الغود، 41 عامًا، الذي فر في أبريل (نيسان) الماضي، ويقسم وقته الآن بين بغداد والعاصمة الأردنية عمان.
لقد وصل «داعش» إلى السلطة في أعقاب سنوات من القتال في سوريا والعراق أدت إلى تدمير الكثير من المؤسسات العامة في البلدين. لكن المشاركين في المقابلات قالوا: إن «داعش» فاقم هذا الدمار، وعلى نحو ستمتد آثاره لعقود مقبلة - حيث قضى على المكاسب التي تحققت في التعليم العام، ودمر البنية التحتية الطبية، وأسس لنظام قضائي يقوم على الرعب، وعرض جيلاً من الأطفال إلى أعمال عنف بشعة ومدمرة نفسيًا.
الحياة في أرض «داعش» بالنسبة إلى النساء تعني عادة الخضوع إلى نظام أشبه بخطوط التجميع، لكن هذه المرة لتزويد المقاتلين بالعرائس، أو التعرض أحيانًا للخطف والإجبار على زيجات قسرية.
واكتفى الكثير ممن أجريت معهم المقابلات بالكشف عن اسمهم الأول أو رفضوا الإفصاح عن هوياتهم بالكامل، حرصًا على سلامتهم وسلامة أفراد عائلاتهم الذين ما زالوا يعيشون تحت حكم «داعش». وجرت المقابلات معهم عبر «سكايب» أو مكالمات هاتفية من سوريا والعراق، أو بصفة شخصية في العراق وتركيا والأردن.
وتعرض الأشخاص الذين تحدثوا من داخل مناطق خاضعة لـ«داعش» إلى خطر كبير، حيث قالوا: إن المتشددين المسلحين يراقبون عن كثب الاتصالات عبر الإنترنت. ووافق هؤلاء على الحديث لكي يتمكنوا من رواية قصة حياتهم في ظل «خلافة داعش».
وأكد جميع الذين أجريت معهم المقابلات تقريبًا أنهم شهدوا عملية قطع رأس واحدة على الأقل أو عقوبة وحشية أخرى. يذكر أنه من المستحيل فعليًا التحقق من صحة هذه الروايات من مصادر مستقلة، كما يستحيل التحقق من المزاعم التي وردت في الكثير من المواد الدعائية التي نشرها «داعش». ولم تعتمد «واشنطن بوست» على منظمات ناشطة في استقدام الشخصيات التي جرت معها المقابلات. وراجع مراسلو الصحيفة سجلات الوصول، وسعوا إلى لقاء الأشخاص الذين قدموا حديثًا من مناطق خاضعة لسيطرة «داعش». واستمرت الكثير من المقابلات لمدة ساعتين أو أكثر.
ويسيطر المتشددون على مجتمعات زراعية صغيرة علاوة على مناطق حضرية واسعة، ومن بينها الموصل، وهي مدينة عراقية يسكنها أكثر من مليون نسمة. وتختلف سياسات «داعش» من منطقة إلى أخرى على نحو ما، لذلك لا يوجد أسلوب حياة موحد ومتفرد داخل مناطق حكمه، لكن ظهرت في المقابلات أنماط متكررة فيما يتعلق بالنساء والصحة والتعليم والقضاء والاقتصاد في المناطق الخاضعة لـ«داعش».
ويتعين على النساء ارتداء النقاب، كما يمكن أن يتعرضن للجلد في حال خرجن من منازلهن دون مرافقة أحد أقاربهن الذكور. وتلازم نساء كثيرات بيوتهن خشية أن يختطفن ويجبرن على الزواج من مقاتل أجنبي.
العلاج في المستشفيات، التي يعمل بها أطباء قدموا من بريطانيا وماليزيا، قاصر في العادة على المقاتلين الأجانب. بينما يضطر السكان المحليون إلى طلب الرعاية الصحية في عيادات سيئة التجهيز وعلاجاتها منتهية الصلاحية ويعمل بها أفراد غير مؤهلين.
وأغلق «داعش» في بعض المناطق خدمات المحمول والاتصال بالإنترنت. وفي الأماكن التي لا تزال بها هذه الخدمات قائمة، يحاول المتشددون السيطرة عليها عن كثب. وقد أنشأوا مقاهي للإنترنت تحولت إلى مراكز للدعاية، حيث يعكف المجندون على استقطاب الشباب من مختلف أنحاء العالم لكي يتركوا أوطانهم وينضموا إلى «داعش». ولقد تمكنوا بالفعل من إقناع نحو 200 أميركي - بعضهم ما زال في سن المراهقة - من شيكاغو ودنفر ومينيبوليس ومدن أميركية أخرى - بالمجيء إلى سوريا. وتعرض غالبيتهم للاعتقال قبل أن يصلوا لمقصدهم، حسبما يفيد مسؤولون في الشرطة الأميركية.
المدارس مغلقة بصفة عامة، فيما عدا المدارس الدينية لأبناء المقاتلين الأجانب. وكان المتشددون قد جمعوا الشهادات الدراسية وأحرقوها علانية.
وتقول معلمة رياضيات تعيش في الموصل «الحياة تحت حكم داعش هي بمثابة كابوس كل يوم».
وقالت بعدما طلبت عدم الكشف عن اسمها «لدينا مستقبل مجهول... ربما يقتلنا داعش أو ربما نموت في الحرب، أو ربما بعدها. ما نعيشه الآن هو موت بطيء».
المقاتلون المتشددون أنشأوا أيضًا نقاط تفتيش لمنع الناس من الهروب. لكن الذين أجريت معهم المقابلات قالوا: إن شبكة متنامية من المهربين تساعد الناس الآن على الفرار، وإن أعدادًا متزايدة منهم تدخل الأردن وتركيا ولبنان ومناطق عراقية لا تخضع لسيطرة «داعش». وقال مسؤولون في الأمم المتحدة إن 60 في المائة من اللاجئين الذين عبروا الحدود السورية - الأردنية مؤخرًا كانوا من الفارين من مناطق خاضعة لحكم «داعش».
وتصور الدعاية الداعشية عناصرها على أنهم محررون، وأظهر مقطع مصور بث مؤخرًا مقاتلين مسلحين يوصلون الحلوى إلى دار للمسنين. لكن بحسب الذين أجريت معهم المقابلات، ترى غالبية السكان المحليين أن هؤلاء المتشددين ليسوا إلا قوة محتلة عديمة الرحمة، وينأون بأنفسهم عنهم بأقصى ما في استطاعتهم.
وقال ناشط يطلق على نفسه اسم أبو إبراهيم الرقاوي، وهو أحد سكان مدينة الرقة ويدير موقعا على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل اسم «الرقة تذبح بصمت»: «إننا حتى لو رأيناهم في الشوارع أو المتاجر، فإننا لا نخالطهم».
ويضيف أن الناس في الرقة «يشعرون كالغرباء في مدينتهم».
داعش أدرك بعض النجاح في تجنيد عدد من السكان المحليين. وقال مشاركون في المقابلات إن الكثير من أصدقائهم وجيرانهم في سوريا والعراق اختاروا الانضمام إلى «داعش»، ليصبحوا مقاتلين، أو مدرسين أو موظفين في هيئاته الحكومية.
ويقدم البعض على هذه الخطوة إيمانًا منهم بهدف المتشددين الأسمى في توحيد العالم تحت مظلة حكمهم القائم على تفسير انتهاج خط متشدد.
لكن معظم الذين يعملون لصالح «داعش» يفعلون ذلك بدافع الاحتياج المادي، بحسب المشاركين في المقابلات. وفي بعض الأماكن التي شهدت ارتفاعًا هائلاً في أسعار المواد الغذائية، وحيث يقتات الناس على الخبز والأرز فحسب تقريبًا، خلص بعض الرجال إلى أن التحول إلى مقاتلين في «داعش» هو السبيل الوحيد لإعالة أسرهم.
ويقول ياسين الجاسم، 52 عامًا، الذي فر من منزله في الرقة شهر يونيو الماضي: «لا يوجد عمل، لذا يتعين عليك الانضمام إليهم لكي تعيش... كثير من السكان المحليين انضموا إليهم. دفعهم الجوع إلى الالتحاق بداعش».
وقال بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التشدد والعنف السياسي في كينغز كوليدج في لندن، إنه برغم الدفعة التي قدمها المقاتلون الأجانب لـ«داعش»، فإنهم «على المدى الطويل، سيشكلون عبئًا» عليه. وقال: إن أحد الأسباب التي حدت بالعشائر المحلية إلى الانتفاض ضد «القاعدة» في العراق في منتصف العقد الماضي هو النظرة إلى الجماعة على أنها منظمة أجنبية. ويضيف أن الرعايا الخاضعين الآن لحكم «داعش» يمكن أن يقدموا على ذات الخطوة - لا سيما في العراق.
لكن الأشخاص الذين عاشوا تحت حكم «داعش» ممن شملتهم المقابلات يقولون: إنه اتخذ إجراءات فائقة التشدد لكبح أي انتفاضات محتملة، حيث يقتل كل من يشك في ولائهم.
وتقول فاتن حميدة، 70 عامًا، وهي جدة فرت من بلدتها بالقرب من الرقة في مايو (أيار) الماضي وتعيش الآن في مخيم الأزرق، إن العنف يزيد غضب السكان المحليين من المسلحين، لكنه أيضًا يخلق ريبة فيما بينهم. ويصعب تشكيل أي حركة مقاومة عندما يفكر الناس في أن أصدقاءهم وجيرانهم ربما يكونون جواسيس يعملون لمصلحة المسلحين. وقالت: «لقد قلبونا على بعضنا البعض».
وقال أحمد الذي فر من بلدته بالقرب من الرقة في يونيو إن بعض المقاتلين العرب يحاولون الاختلاط بالسكان المحليين، لكن الأوروبيين وغير العرب لا يحاولون ذلك على الإطلاق. وأضاف أنه رغم مزاعم مقاتلي «داعش» بأنهم قدموا إلى هنا لكي يوفروا حياة أفضل للمسلمين، فإنهم منشغلون بالأحرى بقتال الجماعات المتمردة الأخرى والقوات الحكومية.
وقال: «إنهم عدائيون جدًا على الدوام، ويبدون غاضبين.. إنهم هنا من أجل القتال، وليس من أجل الحكم».
ويحكي الجاسم خلال المقابلة، التي جرت في كوخه المعدني الحار في مخيم الأزرق، عن الفترة التي عاشها تحت حكم «داعش» ويتذكر عندما أصيب حفيده البالغ من العمر عامين بورم في المخ وطالبه الأطباء بـ800 دولار لاستئصاله.
الجاسم وهو عامل زراعي لم يستأجره أحد منذ استولى «داعش» على بلدته، توجه في يأسه إلى المسلحين في مايو لكي يتوسل إليهم من أجل حياة حفيده، وقد قدموا إليه خيارًا.
ويسترسل «قالوا لي لو منحتنا ولدك لكي يحارب معنا، سندفع كلفة علاج حفيدك». لكن فكرة أن يصبح أحد أولاده مقاتلاً في «داعش» أثارت اشمئزازه، بينما فطر قلبه التفكير في فقدان حفيده. وهكذا أخذ الجاسم عائلته وهرب على متن شاحنة أحد المهربين. وقال: إن ولده يطلب الآن من السلطات الأردنية تقديم المساعدة الطبية للصبي الصغير.
ويقول الجاسم بينما يتطلع من كوخه الضيق إلى فضاء الصحراء الأردنية «لن أعود مطلقًا إلى سوريا... لم تعد سوريا التي أعرفها».

* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



هجوم بمسيَّرات يسبب حريقاً في منشآت تخزين لشركات نفط أجنبية بالعراق

قوات الحشد الشعبي ببغداد (أ.ف.ب)
قوات الحشد الشعبي ببغداد (أ.ف.ب)
TT

هجوم بمسيَّرات يسبب حريقاً في منشآت تخزين لشركات نفط أجنبية بالعراق

قوات الحشد الشعبي ببغداد (أ.ف.ب)
قوات الحشد الشعبي ببغداد (أ.ف.ب)

أفادت ​مصادر أمنية لـ«رويترز» ‌بأن ‌حريقاً ​اندلع ‌في ⁠وقت ​مبكر من صباح اليوم ⁠(السبت)، ⁠في ‌منشآت ‌تخزين ​تابعة ‌لشركات نفطية ‌أجنبية ‌غربي مدينة البصرة في ⁠العراق عقب ⁠هجوم بطائرات مسيَّرة.


لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.