ما هي الدول التي تحتاجها البشرية في الألفية الثالثة؟

هانز آدم الثاني يرسم صورتها ويعتبر الديمقراطية خاصيتها الأساسية

ما هي الدول التي تحتاجها البشرية في الألفية الثالثة؟
TT

ما هي الدول التي تحتاجها البشرية في الألفية الثالثة؟

ما هي الدول التي تحتاجها البشرية في الألفية الثالثة؟

أضحى سؤال الدولة سؤالا مهمّا جدا في زمننا المعاصر، ففي ظل الأوجه والأشكال المتباينة للدولة، علمانية، دينية، قومية، اشتراكية، ليبرالية، وفي ظل تعدد الأهداف وتنوع الآيديولوجيات، أصبح من الصعب أن نجيب عن السؤال: أي دولة نريد؟ خصوصا أننا في الألفية الثالثة وما يفرضه ذلك علينا من تحديات لا يمكن الاستهانة بها، وإن كان هذا السؤال مهمّا في العالم الغربي، فأهميته عندنا مضاعفة، في ظل واقع الحكم في بلداننا العربية والإسلامية وما تعانيه، في دول لا تمت بصلة إلى ما تطمح إليه الألفية الثالثة، دول أصبحت فضاء للموت عوض أن تكون مجالا للحياة.
للإجابة عن هذا السؤال، ارتأيت قراءة كتاب أمير إمارة ليشتنشتاين هانز آدم الثاني «الدولة في الألفية الثالثة»، ترجمة حسان البستاني، إصدار «الدار العربية للعلوم - ناشرون». في هذا الكتاب يحاول هانز آدم الثاني تقديم وصفة سياسية لإنشاء دولة تصلح للألفية الثالثة، يكون بإمكانها تلبية أماني البشر وحاجاتهم وخدمة المواطن، عوض أن تكون تهديدا حقيقيا لحياته ووجوده، خصوصا أن الكتاب يجمع بين الماضي والحاضر، ويقدم رؤية تاريخية تستخلص منها ملامح الدولة المستقبلية من رئيس دولة منتخب عن طريق ديمقراطية مباشرة، رجل عارف بأحوال السياسة فكرا وممارسة. فكيف تكون دولة الألفية الثالثة؟ ما أهم ملامحها؟ وما الآليات الأساسية لأجل إحقاقها؟

أولا: الدولة شركة والمواطن مساهم

يرى هانز آدم الثاني بأن البشر قد يحققون نجاحا كبيرا في الألفية الثالثة إذا تمكنوا من تحويل كل الدول إلى شركات خدمات تعمل لصالح الشعوب، الهدف الأول والأخير لها هو خدمة المواطن من دون الإغراق في أهداف قومية أو هوياتية معينة، قد تجلب على الناس مشكلات لا يمكن حصرها، مثلما يحدث في كثير من دول العالم المعاصر حاليا، التي بدلا من الانكباب على خدمة المواطن، تخلق لنفسها قضايا كبيرة جدا تضيع فيها كل الطاقات والإمكانات التي يمكن أن تستثمر لمصلحة الناس وتحقيق ما يصبون إليه. إن دولة المستقبل في نظر هانز آدم الثاني تنظر إلى المواطن باعتباره زبونا للشركة الدولة، ومساهما فيها في الوقت نفسه، له كل الحق في الوجود والاختيار وليس عنصرا مضافا ينتظر ما يمكن للدولة أن تجود به عليه من حسنات. هكذا يصبح من الواجب على الموظفين الرسميين في الدولة التصرف مع زبائنهم كموظفين في شركة خدمات يستحقون كل العناية والتقدير والاحترام، ما داموا هم مساهمين في تلك الدولة، أو بالأحرى الشركة، ويدفع لهم نصيبهم من الأرباح، كما يكون بإمكانههم أن يبيعوا أسهمهم إذا لم يكونوا مسرورين لسياسة الإدارة، الشيء الذي يفرض على دولة المستقبل أن تناضل لأجل زبائنها، من خلال منافسة سلمية على أساس الخدمة الجيدة والفعالة والسعر المقبول، فإذا لم يتوفر هذا الشرط يمكن للمواطن شراء أسهم في شركة أخرى بالمبلغ نفسه وفي اليوم نفسه، أو استخدام المال في أمر آخر، فتصبح للزبون القدرة على الاختيار كما يختار بين برغر كينغ أو إعدادها بنفسه، أو كما يختار بين سيارة ثنائية الدفع أو رباعيته.
في دولة تكون مهمتها الرئيسة في السياسة المحلية حكم القانون، يكون الشرطي في العادة الممثل الأكثر أهمية لها أمام المواطنين، حيث يقوم الشرطي مقام النادل، والمجلس التشريعي مقام المطبخ، ولا يشعر الزبائن بالسعادة ويزورون المطعم مرة أخرى إلا إذا كانت الخدمة ودودة وفعالة والطعام جيدا والأسعار منخفظة. وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلا إذا اعتبرت الدولة مؤسسة تخدم الشعب، وليس العكس، فهي شركة خدمات تخوض منافسة سلمية، وليست احتكارا يضع الزبون أمام خيارين، قبول خدمة سيئة بأعلى الأسعار أو الهجرة.

ثانيا: تقرير المصير حق أساسي

في كلمة ألقاها هانز آدم الثاني عام 1992 في جامعة برينستون نيوجرسي، قال بأن حق تقرير المصير يفسر بحيث يكون وسيلة لتجنب إراقة الدماء والدخول في نزاعات. فعوض أن تقمع الأقليات أو تطرد أو تباد، يمكن أن تحتضن أو يمنح لها حق تقرير المصير. فالقومية دمرت إمبراطوريات عدة، وتسببت في كوارث سياسية في أوروبا في القرن العشرين، ومارست تأثيراتها الهدامة داخل أوروبا وخارجها. كما أن التاريخ يظهر أن الدول الكبرى بإمكانها الاستمرار، على الرغم من التنوع العرقي والثقافي الذي يمكن أن تتوفر عليه. فأوروبا لم يكن بإمكانها أن تصير قوة مستمرة إلا عندما استطاعت أن تتحد وتضم، داخلها، مرجعيات مختلفة ومتنوعة. ولنرَ، على سبيل المثال، ما يمكن أن يجنبنا الاعتراف بحق الآخرين في تقرير المصير من مساوئ، ما حدث في يوغوسلافيا عندما رفضت في الاعتراف بحق إقليم كوسوفو في تقرير المصير، لتدخل في حرب إبادة لولا تدخل حلف الناتو في حرب لا تزال بصمتها واضحة في ذاكرة أوروبا المعاصرة.

ثالثا: النظام
السياسي لدولة المستقبل
يمكن أن يعتمد النظام السياسي لدولة المستقبل على ديمقراطية مباشرة، مثل تلك التي تسود في الولايات المتحدة الأميركية، حيث يجري انتخاب مرشحي أحزاب سياسية يمثلون الشعب في مناصب محلية ومناطقية ووطنية، على أساس برنامج سياسي محدد، وفصل سلطات محدد بشكل دقيق، مع وجود محكمة دستورية عليا تملك سلطة إلغاء القوانين والمراسيم، بالإضافة إلى ضرورة وجود نظام قضائي مستقل، وفصل واضح بين الدين والدولة. كما يمكن أن تعتمد دولة المستقبل على ديمقراطية مباشرة، يكون بموجبها من حق الشعب اتخاذ قرارات هامة بنفسه عن طريق الاقتراع المباشر، كما هو معمول به في سويسرا، حيث ينطلق القرار من الجماعات السكانية صعودا إلى مركز القرار، فينتخب أعضاء الحكومة من الشعب مباشرة، حيث لا يختصر الحق السياسي للشعب على انتخاب ممثلين له، يقومون، بعد ذلك، باتخاذ كل القرارات نيابة عنه، بل يحق للشعب اتخاذ قرارات هامة بنفسه عن طريق الاستفتاء العام، الذي يمنح الشعب حق الاقتراع وحق التقدم بمبادرات من خلال عدد محدد قانونيا من التواقيع التي تقترح إحداث تغيير ما في الدستور والقانون.
إن الديمقراطية خاصية أساسية في دولة المستقبل، تضاف إلى تقرير المصير. فإما نعتقد أن الدولة هي كيان إلهي يجب على الشعب أن يخدمه، ولا تكون حدود هذا الكيان موضع تساؤل، وإما نعتقد بمبدأ الديمقراطية وأن الدولة أوجدها الشعب لخدمة هذا الشعب. وحدها الديمقراطية القوية، ووضع حد لاحتكار الدولة على أراضيها، يحولان الدولة في الألفية الثالثة، إلى شركات خدمات تخدم الشعب. ويبدو أن هذه هي الطريقة الوحيدة لضمان عدم سوء استخدام الأفراد الحاكمين والنخب الحاكمة للدولة في قمع الشعب ونهبه.

رابعا: النظام الاجتماعي

تلتزم دولة المستقبل بتحمل واجباتها الاجتماعية، كتوفير تعليم جيد، والقضاء على البطالة، ودعم العدالة الاجتماعية، وفرض سياسة ضريبية أكثر عدلا.
لا يمكن القضاء على البطالة في دولة المستقبل في نظر هانز آدم الثاني، إلا من خلال تشجيع الشركات على المنافسة في الاقتصاد المعولم لاستحداث أعمال جديدة، وقيام النظام التربوي بلعب دور مركزي في القضاء على الظاهرة، بالإضافة إلى منح الجماعات السكانية مهمة دعم العاطلين عن العمل. أما في ما يخص النظام التربوي، فلا يجب أن يتعدى دور الدولة وضع الإطار القانوني فقط، وفسح المجال لقيام نظام تعليمي مخصخص، يمول بواسطة القسائم التي تمول السلطات العامة اليوم، سواء أكانت حكومة مركزية أم محلية، من خلال دعم مالي مباشر. وبدلا من استخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل النظام التربوي، من الأفضل تقديم المعونات المالية إلى الأهالي أو الطلاب ليتمكنوا بأنفسهم من اختيار المدرسة التي يعتبرونها الأفضل برأيهم. ويكون على المدارس الأخرى، تطوير ذاتها أو الانسحاب من السوق. كما أن دولة المستقبل يجب أن تتوفر على نظام ضريبي عادل. فعوض أن يستفيد الأثرياء من الضرائب، على الرغم أنهم يستهلكون بشكل أكبر، يجب على الضرائب أن تكون أكثر مساواة وإنصافا.
هكذا تكون دولة المستقبل قد جعلت من المواطن حجر الزاوية في كل فعل وفي كل قرار، فقد أعطته كل الحقوق وألزمته بكل المسؤوليات، ما دامت هذه الدولة تنطلق منه وتعود إليه، وإن كان يبدو للوهلة الأولى، بأن هذه الدولة تبقى بمثابة حلم من الصعب الوصول إليه، فلنعلم بأن هذه هي دولة المستقبل، إنها دولة الألفية الثالثة، وعلى الرغم من أن الوصول إلى هذا النموذج يبقى صعبا جدا، لكن هذا لا يعني أن على المجتمعات أن لا تسعى إليه أو تحاول الاقتراب منه.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».