أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2016.. ثقة في المستقبل وتبجيل للماضي

لفتة للأربعينات مع رسائل حب من إيطاليا

من عرض «جيورجيو أرماني»
من عرض «جيورجيو أرماني»
TT

أسبوع ميلانو لربيع وصيف 2016.. ثقة في المستقبل وتبجيل للماضي

من عرض «جيورجيو أرماني»
من عرض «جيورجيو أرماني»

إذا كان هناك شيء يجب أن نفهمه من رسالة ميلانو لربيع وصيف 2016، فهو أن موجة «المينماليزم»، أي القليل كثير، التي سادت ساحة الموضة منذ التسعينات، قد بدأت تأفل وتتراجع لصالح «الماكسيماليزم»: الكثير قليل. وهو ما يمكن ترجمته في أزياء بألوان متوهجة ونقشات متضاربة وتطريزات غنية متعمدة لكي تثير العين وتجذبها، خصوصا في عصر الإنترنت والـ«إنستغرام»، الذي يتطلب ألوانا متوهجة، وفي الوقت نفسه تبرر أسعارها.
وميلانو ليست وحدها التي حققت السبق وسجلت أهدافا مهمة لهذا الموسم في مجالات الابتكار والحرفية، الأمر الذي سيضع باريس أمام تحد كبير هذا الأسبوع. فبعد اختتام ميلانو أسبوعها يوم الاثنين الماضي توجه متابعو الموضة إلى عاصمة الأناقة والنور، باعتبارها آخر محطة لهم، قبل العودة إلى ديارهم وإلى حياتهم الطبيعية محملين بذكريات وصور رائعة لن تمحى بسهولة. فعروض أزياء ربيع وصيف 2016 في كل العواصم لحد الآن أكدت أنها اكتسبت إيقاعات جديدة، بعد أن شهدت ركودا في المواسم الأخيرة. هذا الركود كلف أسبوع نيويورك أكبر ممول له، وهو «مرسيدس بنز»، بعد نحو عشر سنوات من الدعم، بينما ظهر في أسبوع لندن من خلال تغير في الأولويات، حيث شهد تراجعا ملموسا في نسبة الابتكار لصالح التسويق التجاري. أما ميلانو فكانت تهمتها هي إصابتها بالهرم، بسبب أن أغلب مصمميها من كبار السن ممن لا ينوون التقاعد وتسليم المشعل لصغار السن، فجيورجيو أرماني يبلغ من العمر 81 عاما، ودوناتيلا فيرساتشي 60 عاما، وميوتشا برادا 66 عاما، وروبرتو كافالي 74 عاما، علما بأن هذا الأخير سلم هذا العام مقاليد داره لبيتر دانداس.
بيد أن الملاحظ طوال الأسابيع الأخيرة أن ديناميكية هذه العواصم تغيرت، وكأن دما جديدا بدأ يسري في شرايينها. فنيويورك شهدت مشاركة عالية من المصممين الشباب المتحمسين لكل ما هو فني، ولندن استعادت روحها القديمة وساعدتها فورة الشباب على التركيز على الابتكار أكثر، كذلك ميلانو، التي يبدو أن كبارها تعلموا من باريس أسرار اللعبة. فباريس ظلت العاصمة التي لم تتأثر بأي تغيرات سلبية، ونجحت في اجتياز كل المطبات على بساط من حرير، ساعدتها عليه سمعتها الطويلة من جهة وتوفرها على إمكانيات هائلة، فنية ومادية، من جهة ثانية.
ما تعلمته ميلانو هو أن الدراما لا يجب أن تقتصر على الأزياء وحدها مهما كانت حرفيتها وجمالياتها، بل يجب أن تشمل العرض ككل، من طريقة إخراجه إلى موسيقاه وديكوراته وهلم جرا، أو هكذا بدا في عرض «دولتشي آند غابانا» مثلا. فالثنائي دومينيكو وستيفانو لم يعتمدا على الأزياء فحسب لخلق ردود فعل إيجابية وتأثير قوي يترك صدى لمدى طويل، بل أيضا على الديكور والإخراج في صورة تذكرنا بـ«سوبر ماركت» كارل لاغرفيلد لدار «شانيل» أو ثورته النسائية في شارع «غامبون». فقد صمما مسرح عرضهما على شكل قرية سياحية إيطالية، تتوفر على كل ما يخطر على البال وتهفو له نفس السائح، من قوارب إلى بائعي بوظة وأكشاك ورود، وأشجار باسقة يتدلى منها الليمون والبرتقال. بينما رسما على الفساتين كل ما هو إيطالي، مثل برج بيزا المائل، وكاتدرائية فلورنسا، لتأخذ أشكال بطاقات حب بريدية من إيطاليا إلى كل العالم. فقد كُتب على بعضها، مثلا «تحيات من نابولي» وعلى أخرى «قبلات من روما» وهكذا.
ليس هذا فقط، بل حتى العارضات أنيطت بهن أدوار مسرحية قمن بها على أحسن وجه، حيث ظهرن فيها وكأنهن سائحات مبهورات بما حولهن، لا يُفوتن فرصة التقاط صور «سيلفي» بهواتفهن لتسجيل المناسبة وجمال المكان. كان كل ما في العرض متوهجا بالألوان الغنية والتطريزات السخية والموسيقى، فيما أصبح أسلوبا لصيقا بـ«دولتشي آند غابانا» في الآونة الأخيرة، إلى حد القول إنهما لعبا دورا مهما في إنعاش موجة «الماكسيماليزم» الجديدة. فقد اختلطت باقات الورود المطرزة في الفستان الواحد وأخذت أشكال بابونغ أو خشب خشخاش أو أقحوان، فضلا عن الليمون أو سيراميك صقلية وغيرها. اللافت أن التطريزات لم تقتصر على الفساتين الطويلة بل حتى على تايورات مفصلة من المفترض أن تكون للنهار، فضلا عن الإكسسوارات من النظارات الشمسية إلى الأحذية وحقائب اليد والأوشحة والمجوهرات.
ويلاحظ أنه منذ أن أغلق الثنائي خطهما الأصغر «دي باي دولتشي آند غابانا» واستبدلا به ما أصبح يُعرف بـ«ألتا موضة»، الذي يحاكي الـ«هوت كوتير»، وهما يتحفاننا بتقاليد إيطالية قديمة في صنع الأزياء، يضخان فيها الحياة لكي يجعلاها ترقص على نغمات عصرية بإيقاعات إيطالية. واللافت هذه المرة أنهما خرجا من أجواء صقلية التي كانا يعودان إليها دائما في السابق، وتوسعا إلى مناطق جذب أخرى لا تقل جمالا مثل بورتوفينو وسريدينا وروما وغيرها. ورغم أن أسلوبهما هذا أصبح متوقعا ورأيناه يتكرر أمام أعيننا بشكل أو بآخر في المواسم الأخيرة، فإنه في كل مرة ينجح في إثارة الإعجاب بجرأته.
تشكيلة جيورجيو أرماني أيضا جسدت بعض الورود، ظهرت على شكل زنابق مائية تبدو طافية على ما يشبه بحيرة توسطت منصة العرض. ومع ذلك، لم تكن هذه الزنابق هي اللافتة، بقدر ما كان اللون الأحمر، الذي ظهر في العديد من الفساتين والقبعات المصنوعة من القش. المصمم هنا يحتفل بأنوثة من نوع جديد مفعمة بالقوة والسلطة في الوقت ذاته. هذه القوة الأنثوية ظهرت في بنطلونات خفيفة من الأورغانزا كما في قفاطين منسدلة من الموسلين تستحضر أجواء مدينة مراكش بالمغرب، وجاكيتات قصيرة بلمسة «سبور» عوض تلك التي عودنا عليها بكتافيات صارمة. ظهرت أيضا في معاطف مفصلة نسقها مع فساتين أو «شورتات» أغلبها مرشوشة بالأحمر في جزئية أو جانب من جوانبها. الغرابة في استعمال الأحمر أنه ليس لونا ارتبط بأرماني، إذ لم يلعب دورا رئيسيا في تشكيلاته سابقا، مما يجعلنا نفكر بأنه استعمله لرسالة يريدنا أن نقرأ من خلالها أنه رغم بلوغه 81 عاما من العمر فإنه لا يزال في جعبته الكثير، وأن شعلة الحياة والعطاء بداخله لا تزال متأججة، لا سيما أنه يحتفل هذا العام بمرور 40 عاما على إطلاق داره، وبينما أخذت الاحتفالات أشكالا متنوعة منذ بداية العام إلى الآن، فإنه اختار هذا الموسم أن يرتقي بأسلوبه تزامنا مع إطلاقه كتابا يتناول مسيرته وإنجازاته.
لا يمكن الحديث عن أسبوع ميلانو من دون الحديث عن عرض «غوتشي» ومصممها الجديد أليساندرو ميشال. للوهلة الأولى تظهر الأزياء «دقة قديمة» بألوان غير متناغمة وأطوال غريبة وقصات لا تناسب الكل، لكن سرعان ما تزول هذه الصورة ليحل محلها الإعجاب بقدرته على التحايل على القديم وجعله حداثيا، بل وجريئا في عصريته. فالعين تتعود عليه بسرعة لترى جمالياته بتنسيقها بشكل خاص ومختلف. عام واحد هو الوقت الذي تطلبته عملية التغيير والإنعاش من أليساندرو ميشال، إلى حد أنه جعل عرض «غوتشي» الآن من أهم العروض، خصوصا أن منه تولد موجات موضة وتوجهات جديدة تلتقطها محلات الموضة العالمية وتبيعها لنا بأسعار معقولة، وليس أدل على هذا من موضة السبعينات التي عمت هذا الموسم، من النقشات المتضاربة إلى القمصان المعقودة بفيونكات، وتابعنا ولادتها في عرضه في الموسم الماضي. ما قام به المصمم الشاب أنه محا صورة امرأة «غوتشي» الثرية المفعمة بالإثارة ورسم بدلها صورة امرأة عاملة لا تحاول أن تبدو أنثوية على الإطلاق بل تتعمد العكس بالتمويه عن الجمال كما هو متعارف عليه، والمثير في الأمر أنها برفضها هذا وعدم مبالاتها، تكتسب الكثير من الأنوثة والجمال.
النتيجة التي تستخلصها من كل الصور المتوالية على الإنترنت وشبكات الأخبار أيضا، أن معظم عروض ميلانو، من «دولتشي آند غابانا» إلى «برادا» مرورا بـ«جيورجيو أرماني» و«سالفاتوري فيرغامو» و«مارني» وغيرها، حملت هذه المرة بين ثناياها لفتة لفترة الأربعينات من القرن الماضي سواء في المعاطف أو التايورات أو الفساتين. تظهر هذه اللفتة تحديدا في لمسات رومانسية معززة بثقة عالية وروح متفائلة. فميلانو تريد أن تقول للعالم إن الماضي بحرفيته ركيزتها لبناء المستقبل، وإن هذه الحقبة جزء لا يتجزأ من عملية الإبداعية التي تشهدها بيوت أزياء إيطاليا حاليا. ففي الأربعينات ولدت بذرة عدة صناعات جعلت إيطاليا رائدة مثل صناعة السيارات والموضة وكل المجالات الفنية المتعلقة بالتصميم، وهذا في حد ذاته يستحق الاحتفال بالورود والألوان المتفتحة.



جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.