راهن تنظيم داعش في ليبيا على قيادات وسطى تنتمي إلى مدن مصرية مجاورة للحدود، من أجل وضع أقدامه على الصحراء الغربية لنهر النيل، لكن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن لعدة أسباب من بينها فشل التنظيم في استمالة القبائل الحدودية المصرية، رغم التحاق عدد من أبنائها بـ«داعش» في درنة وسرت وبنغازي. ويسود شعور بـ«العار» بين قبائل الصحراء المصرية التي يُقتل لها أبناء يحاربون مع «داعش» داخل ليبيا، لدرجة رفضها إقامة سرادق عزاء أو تسلم جثث القتلى.
ووفقا لمعلومات من مصادر أمنية ليبية ومصرية، فإن عدد القيادات الوسطى المعروفة من أبناء المنطقة الغربية بمصر يبلغ نحو 16 رجلا، تتراوح أعمارهم بين 23 سنة و30 سنة، إضافة لمئات آخرين من المقاتلين من أصول تعود للمنطقة نفسها. ومن أشهر من ينشطون في درنة قيادي يدعى جويدة شريف، وأسرته من مدينة براني التي تبعد نحو 100 كيلومتر فقط عن الحدود الليبية، وهذا الرجل في العقد الثالث من العمر.
وتضيف المصادر أن تنظيم داعش ليبيا بزعمائه من الليبيين والمصريين والأجانب، حاول التركيز على كل من ينتمي للمدن المصرية المجاورة ليبيا، لمد نشاطه إلى داخل مصر عبر حدودها الغربية، لكنه وجد عقبات كثيرة منها رفض القبائل المصرية لفكر «داعش»، ويقظة الجيش المصري والسلطات الأمنية على الحدود مع ليبيا.
ويقدر عدد زعماء «داعش» ليبيا من المصريين الكبار بنحو تسعة، وهم من محافظات حضرية منها القاهرة والإسكندرية والغربية، وليست لديهم خبرة كبيرة بالصحراء. وكان بعضهم يعمل في الخدمة النظامية بمصر قبل تقاعده وسفره لليبيا، منذ عام 2013. ويشرف هؤلاء على عمليات التدريب والتوجيه لتنشيط العناصر الداعشية التي تعود أصولها إلى مدن مرسى مطروح والضبعة وبراني ورأس الحكمة، للدفع بهم لعبور الصحراء والإعلان عن وجود التنظيم في غرب مصر.
وبحسب المصادر الأمنية فقد اضطر هؤلاء الزعماء لترك معاقل التنظيم في درنة وسرت على شواطئ ليبيا، واللجوء لمواقع صحراوية في الجنوب يسهل منها العبور إلى داخل الحدود المصرية الوعرة، حيث يوجد بين عناصر التنظيم في ليبيا، إضافة لأبناء القبائل الحدودية، مصريون آخرون من محافظات الصعيد (جنوب) والدلتا (شمال)، لكن الامتداد القبلي ووحدة اللهجة البدوية والخبرة في الدروب الصحراوية على جانبي الحدود المصرية الليبية، جعل الحظوة في أوساط دواعش ليبيا، لأبناء محافظة مطروح حتى لو لم يكونوا من أبناء القبائل.
وتسبب قتل الجيش الليبي للقيادي الداعشي المصري أبو خالد المطروحي، في أواخر شهر أغسطس (آب) الماضي، في تهور زعماء من الدواعش المصريين، وقيامهم بأكبر عملية لإعادة الانتشار والتمركز، بالانسحاب إلى الجنوب. وأدت هذه العملية لاستحداث ظاهرة جديدة يطلق عليها أحد مساعدي الفريق أول خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي، اسم «التجمعات الوطنية للمتطرفين».
ويضيف أن هذا يعد تحولا غريبا يوضح الأزمة التي يمر بها التنظيم بعد تضييق الخناق عليه في ليبيا، لأن «فكرة التجمعات الوطنية للدواعش تتعارض مع الفكر الداعشي العابر للحدود»، مشيرا إلى أن الضربات التي وجهها الجيش الليبي لمعاقل التنظيم المتطرف في درنة وسرت وبنغازي، إضافة إلى الضربات المصرية لمن حاولوا التسلل إلى داخل البلاد من حدود ليبيا، جعل المجموعات المصرية تتلاقى في تجمع واحد تمكن من تأسيس موقع للتمركز والتدريب، تبلغ مساحته نحو 12 كيلومترا مربعا، ومجهز عسكريا، ويقع في الصحراء في جنوب بلدة إجدابيا، وتبعهم على هذا النهج عشرات من الموريتانيين الدواعش الذين اتخذوا لهم موقعا آخر في شكل بوابات ومخيمات غرب إجدابيا بنحو مائة كيلومتر، كما أخذت الظاهرة تنتشر بين دواعش ليبيا ذوي الأصول التونسية والجزائرية.
وتقول المصادر الأمنية المصرية إن إحدى بدايات العلاقة بين المتطرفين في ليبيا ومصر كانت من خلال رجل متشدد من محافظة مطروح، وهو مسجون في سجن أبو زعبل في شمال القاهرة في الوقت الحالي، اسمه محمد عبد السميع، وأن ضابطا مفصولا من الجيش المصري ومسجونا معه أيضا، يدعى الرائد طارق أبو العزم، تواصلا من داخل السجن، بعد القبض عليهما في قضيتين مختلفتين، مع تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا، عبر وسطاء مصريين من أقارب عبد السميع، في 2013، وهو التنظيم الذي يتمركز في درنة وبنغازي وتحول قادته في 2014 إلى موالاة تنظيم داعش.
وتقترن أسماء الكثير من المتطرفين، سواء في ليبيا حيث «داعش» أو في سيناء حيث تنظيم أنصار بيت المقدس الموالي له، باسم «عزبة السلام» الفقيرة والواقعة جنوب محطة السكة الحديد في مدينة مرسى مطروح. وينتمي محمد عبد السميع وشقيقه شريف (23 عاما)، الذي فر إلى «داعش» ليبيا، لهذه العزبة التي تقع على مرتفع صخري من المدينة السياحية، وتفتقر للتخطيط والتنظيم، وكان الاثنان عل علاقة قوية مع رجل ثالث من عزبة السلام أيضا ظهر فيما بعد في شريط مصور لأنصار بيت المقدس وهو يعلن أنه سيقوم بعملية انتحارية ضد قوات الجيش والشرطة في سيناء.
ويكشف أحد المصادر التي لها علاقة بحلقة المتشددين، أن منفذ عملية سيناء المشار إليها «لم يكن من أبناء قبائل مطروح ولكنه من الوافدين إليها من إحدى المحافظات المصرية الأخرى، وكان متزوجا في عزبة السلام وله أطفال، واليوم بيته خرب». لكن هذه الواقعة وهذا التشابك بين من انتقلوا من مرسى مطروح إلى سيناء أو ليبيا، يوضح إلى أي حد يوجد تواصل بين المتطرفين عبر المناطق الملتهبة في البلدين.
وفي الشهور الأخيرة رصدت أجهزة الأمن المصرية محاولات لما أصبح يعرف بـ«ولاية سيناء» المكونة أساسا من تنظيمات متطرفة، من بينها «أنصار بيت المقدس» لتنفيذ عمليات في الصحراء الغربية. واشتبكت القوات المصرية الأسبوع الماضي مع عناصر «إرهابية» مسلحة في تلك المنطقة. وتضيف المصادر أن غالبية المتطرفين الذين فروا من محافظة مطروح قاموا بذلك في أعقاب فض السلطات المصرية لاعتصام أنصار الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في القاهرة، والمعروف باسم اعتصام «رابعة العدوية».
ولجأ الكثير من المتشددين المطاردِين من السلطات، من أبناء محافظات الصعيد والدلتا لمطروح أيضا، ومنها توجهوا إلى ليبيا عن طريق متطرفين آخرين من أبناء المحافظة، من بينهم رجل يدعى عبد الله يبلغ من العمر نحو 24 عاما من عزبة السلام أيضا. ويشرف منزل أسرة عبد الله على شارع المحطة عند «مزلقان المغاربة» وهي منطقة يكثر فيها الموظفون الصغار والعمال المهاجرون من المحافظات الأخرى.
ويقول أحد أصدقائه إن عبد الله سافر إلى ليبيا منذ نحو سنة، بعد أن قام بتكفير والده. وأصبح «داعشيا»، ويعتقد أنه شارك في ذبح المصريين المسيحيين الـ21 في سرت مطلع هذا العام. ووفقا لمصادر متعددة ممن لهم علاقة بمتابعة التنظيم المتطرف، فإن عبد الله ما زال على قيد الحياة، وتوجه مع مجموعات المصريين الدواعش للتمركز في المعسكر الجديد جنوب إجدابيا، في إطار توجهات التنظيم لدخول مصر من الغرب.
وتضيف المصادر أن عبد الله «نحيل الجسد وطويل القامة، ويميل لونه إلى الاصفرار، وهو ملتح، لكنه كان حليقا وكان يدخن السجائر قبل سفره لليبيا. وهو مطلوب في مصر، مع داعشي آخر من مطروح أيضا يدعى محمود، في قضية بشأن تعليق ملصقات للتنظيم المتطرف على أسوار الساحة الشعبية وعلى مدخل مدينة مرسى مطروح في بداية عام 2014. ومنذ ذلك الوقت فر هو وزميله إلى ليبيا».
وتعود أصول والد عبد الله إلى مدينة أبو حمص الواقعة إلى الشرق قليلا من محافظة الإسكندرية، وهاجر إلى مرسى مطروح في مطلع ثمانينات القرن الماضي، للعمل معلما في المدارس لمادة الرياضيات. والوالد كان داعية أيضا ويخطب على منابر المساجد، وحكم عليه أخيرا بالسجن على يد القضاء لإدانته في الاشتراك في حرق مبان حكومية في 2013.
وتقول مصادر أخرى مقربة من أسرته إن عبد الله، المحترف في برامج الحواسب الآلية، وخريج جامعة الأزهر (متخصص في أصول الدين) كان على خلاف مع نهج والده الديني ثم قاطعه تماما وجاهر بتكفيره وانضم بعدها إلى «داعش» في ليبيا، ويعد من أبرز القيادات الوسطى في التنظيم المتطرف ممن يحاولون الدخول إلى مصر وتنفيذ عمليات داخلها.
وفي رده على أسئلة: «الشرق الأوسط» أكد أحد أقاربه أن «عبد الله متزوج وزوجته في مرسى مطروح، ووالده لا يعلم عنه شيئا، لأن العلاقة بينهما مقطوعة، وهو يقوم في بعض الأحيان بالاتصال من ليبيا بشقيقيه اللذين ينصحانه بالكف عن الطريق الذي يسير فيه. إنه يسيء لنا ولا نريده».
محمود، زميل عبد الله في قضية تعليق الملصقات في مرسى مطروح، والذي فر معه إلى «داعش» ليبيا، ينتمي إلى أسرة من أصول قبلية في المدينة نفسها، وبالتحديد في منطقة «السواني» في ضاحية «علم الروم» في شرق المدينة، ويبلغ من العمر 26 سنة تقريبا، وهو خريج المعهد الفني (تعليم متوسط)، وتمكن «داعش» ليبيا من الدفع به إلى دخول مصر عدة مرات متسللا عبر الحدود «في مهام استكشافية»، كما يقول مصدر أمني في مرسى مطروح، مشيرا إلى أن محمود من الشخصيات الداعشية التي لديها القدرة على التخفي والتسلل عبر الدروب الصعبة، حيث اقتفت السلطات آثاره أكثر من مرة للقبض عليه حين دخل المدينة خلسة في الصيف.
ويقول أحد أصدقائه السابقين إن محمود «قصير القامة، وأشقر، ونحيف، وقام قبل سفره لليبيا بتكفير أسرته، وهي أسرة معروف أن لها علاقات تعاون جيدة، منذ زمن طويل، مع السلطات الأمنية على الحدود المصرية الليبية». وبحسب معلومات من مصادر كانت على علاقة بتتبع تحركات المصريين الدواعش بين جانبي الحدود، فإن تنظيم داعش ليبيا خطط، عن طريق عبد الله ومحمود، لاستهداف موقعين في مرسى مطروح في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014.. الموقع الأول هو مركز النيل للإعلام، والثاني هو مسجد التنعيم القريبان من شاطئ البحر.
وكانت قيادات دينية من محافظات مصرية تنظم ندوة لرفض فكر «داعش» في مركز النيل الذي يقع خلف مبنى ديوان محافظة مطروح المحصن والمحاط بالمدرعات والأسلاك الشائكة. وكان خط سير نفس القيادات الدينية يتضمن أداء الصلاة في مسجد التنعيم المجاور. كان من بين هذه القيادات مشايخ الدعوة السلفية، الدكتور ياسر برهامي، والشيخ شريف الهواري والشيخ شريف طه. وتسببت الإجراءات الأمنية الصارمة في عدم تمكن «داعش» من تنفيذ العملية.
ويقول مصدر كان على علاقة بعناصر «داعشية» تعود أصولها للمدينة نفسها إن خطة الاستهداف الفاشلة جرت أثناء وجود محمود في مرسى مطروح، وكان الهدف منها «الإعلان عن وجود داعش داخل الصحراء الغربية».
كما سعى «داعش»، وبحسب معلومات أمنية حصلت عليها «الشرق الأوسط»، لتأسيس مركز لها قرب واحة سيوة التي تقع في عمق الصحراء جنوب مدينة مرسى مطروح بنحو 300 كيلومتر، وإلى الشرق من واحة جغبوب الليبية بنحو 60 كيلومترا. وتعد هذه المنطقة الحدودية من المناطق الهشة أمنيا، وشن فيها الطيران المصري في الأيام القليلة الماضية هجمات على قوافل للمتطرفين.
كما نفذت العناصر المتشددة في هذه المنطقة، منذ صيف العام الماضي، عمليات خاطفة على طريق الواحات جنوب سيوة، وعلى الطريق الساحلي الإسكندرية - مطروح، منها قتل 16 من قوات الجيش، وتصفية ثلاثة من رجال الشرطة، وقتل اثنين من الأجانب العاملين في البترول، أحدهما أميركي والثاني كرواتي، وذبح مصري من أبناء الصحراء لاتهامه بالتعاون مع السلطات الأمنية. ويسود اعتقاد وسط المحققين المصريين أن النشاط المتطرف الذي يظهر بين حين وآخر في الصحراء الغربية، ما زال مصدره الأساسي دواعش فارين من عمليات الجيش في سيناء.
ويقول المتحدث العسكري المصري، العميد محمد سمير، على صفحة الجيش على «فيسبوك»، بشأن العملية التي قامت بها القوات المسلحة والشرطة المدنية ضد المتطرفين في الصحراء الغربية قبل عيد الأضحى بثلاثة أيام، إنه جرى استهداف بؤرة إرهابية ومنعها من تنفيذ مخططاتها للتسلل وارتكاب عمليات إرهابية وإجرامية ضد الأهداف الحيوية والمصالح الأجنبية داخل نطاق محافظات الجمهورية خلال العيد، وأن الحملة أسفرت عن قتل عشرة من العناصر الإرهابية، وتدمير ثلاث سيارات دفع رباعي مسلحة ومخزن يحتوي على كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، وبرميلين من المواد الناسفة.
المعلومات الخاصة بطمع «داعش» ليبيا في سيوة والمناطق الغربية، أكدها أيضا أحد شيوخ محافظة مطروح ممن كان يحتفظ بعلاقات مع عناصر من «داعش» في سجن أبو زعبل أثناء فترة اعتقاله، مشيرا إلى أن دواعش ليبيا حاولوا الاستعانة بعناصر تنتمي للتنظيم ومن أبناء الصحراء الغربية، للبحث عن سماسرة مصريين للاتفاق معهم بغرض تسويق النفط الليبي وبيعه في السوق السوداء.
ويضيف هذا الشيخ الذي التقى أيضا خلال اعتقاله في أبو زعبل مع محمد عبد السميع، والرائد أبو العزم، أن محمود، ابن منطقة علم الروم، كان من بين من أرسلهم «داعش» لاستطلاع الأوضاع في سيوة وفي مرسى مطروح ومحاولة فتح أبواب جديدة للتواصل مع متطرفي سيناء، إضافة للبحث عن سماسرة لبيع النفط الليبي الخام وسط رجال أعمال من محافظات مطروح والقاهرة والفيوم. وتزامنت تحركات «داعش» ليبيا في الصحراء الغربية والتي جرى وأدها سريعا، مع بيان أصدره دواعش سيناء بأنهم بصدد مد تواجدهم إلى مناطق غرب البلاد.
إلا أن الشيخ نفسه يضيف قائلا إن هناك ملاحظة مهمة اكتشفها من خلال فترة تواصله مع عناصر «داعش» المصريين، وهي أنه لا يوجد لديهم إدراك لطبيعة الأوضاع الجديدة التي أصبحت عليها مصر، وما زال لديهم اعتقاد بأن البلاد في حالة فوضى أمنية كما كان الحال حين فروا من البلاد إلى ليبيا عقب عزل مرسي.
ويزيد قائلا إن الصحراء الغربية لا توجد فيها حاضنة شعبية للدواعش، ولهذا فإن من يقتل من أبناء القبائل أثناء حرب «داعش» مع الجيش الليبي، لا تقيم له قبيلته مراسم العزاء بل ترفض تسلم جثمانه من الجانب الليبي، كما أنها لا تخطر السلطات المصرية عن الواقعة، ولا تقوم حتى باستخراج شهادة وفاة له، مشيرا إلى أن الكثير من القبائل التي يلتحق أحد أبنائها بداعش، تشعر بـ«العار»، خاصة أن بعض القبائل لديها امتداد في ليبيا، وبعض أبنائها يحملون الجنسية الليبية ويحاربون الدواعش مع الجيش الوطني الليبي. وفي كثير من الأحيان يرفع أبناء القبيلة الواحدة السلاح في وجه بعضهم بعضا، كما يحدث في درنة.
وحين وصلت «الشرق الأوسط» إلى منزل الداعشي أبو خالد، لم يكن والده موجودا، وخرج مجموعة من أشقائه الأطفال لاستطلاع الأمر، بينما أجابت إحدى سيدات الدار من خلف الباب قائلة إنه لا يوجد لديها أبناء في ليبيا وإن علينا أن ننصرف من هنا. وقبل التحاقه بداعش ليبيا، كان أبو خالد، الذي يبلغ من العمر نحو 25 عاما، يعمل في محافظة مطروح مع شركات مقاولات على معدات حفر (سائق لوادر وأوناش)، وهو غير متزوج، ويبدو، وفقا لأقاربه، أن الأمور المالية لم تكن تسير معه على ما يرام، على الأقل فيما يتعلق بتحقيق الأحلام البسيطة مثل الزواج وتأسيس أسرة جديدة.
وتقول شهادات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أقارب لأبو خالد، إنه حاول قبل مقتله تجنيد أبناء عمومته، عن طريق التحدث معهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، لكن محاولاته باءت بالفشل. ويبدو أن أبو خالد كان يعتقد أنه سيتمكن من حشد مئات الشباب، وأنه سيأتي يوم لكي يفتتح المدينة لـ«داعش». ويقول ابن عم له إنه كان مصابا بالإحباط ونفاد الصبر في آخر مرة تحدث فيها معه. ويضيف: سألته.. لماذا نتقاتل؟ لا يوجد مبرر للقتل. كل شيء إلا القتل.
نفاد الصبر من أي فرصة لتحقيق نجاحات ذات شأن داخل ليبيا، والفشل في العبور إلى مصر، أصاب الكثير من القيادات الوسطى والزعامات الكبيرة لـ«داعش» بالارتباك. ويقول مصدر عسكري ليبي: يتحركون بجرأة. هذا جنون. يمكن قصفهم بالطيران بكل سهولة في وديان درنة وإجدابيا والهلال النفطي، لكن ليست لدينا قدرة معتبرة على ذلك بسبب ضعف إمكانات الجيش.
جويدة شريف الداعشي ابن مدينة براني، المقيم في درنة، له شقيق قيادي في مجلس شورى الثوار، في نفس المدينة، اسمه فتح الله، ومن المعروف أن «داعش» ومجلس الشورى يتقاتلان بضراوة منذ أشهر على بسط النفوذ في المدينة. وتقول أحدث المعلومات الواردة من درنة إن أحد الشقيقين، فتح الله، جرى اغتياله من مجموعة الشقيق الآخر، حيث تتكتم أسرته في براني، مثل أسرة أبو خالد، وغالبية أسر المتطرفين المصريين الذين يقاتلون في ليبيا، على الموضوع برمته.
ويقول أحد أقارب فتح الله في مدينة براني إنه «اغتيل منذ أسبوع في درنة على يد الدواعش الذين ينتمي إليهم شقيقه جويدة. كل منهما كان ضد الآخر. ولهم شقيق ثالث اسمه عوض وهو تاجر ترك درنة بسبب الاقتتال الدائر فيها، ولا علاقة له بالتنظيمات المتطرفة». ويضيف أن الدواعش المصريين في درنة كانوا يشعرون بهزيمة التنظيم في المدينة، ولهذا كانوا يردون بنيران كثيفة ويدمرون كل شيء، ثم بدأوا يفرون إلى باقي الدواعش المصريين في الجنوب.
ولم تنصب أسرة فتح الله في براني سرادق العزاء. وهكذا فعلت أسرة أبو خالد التي رفضت أصلا تسلم جثمان ابنها بعد مقتله على يد الجيش الليبي في منطقة هراوة قرب سرت. ويوجد منزل أسرة أبو خالد في قرية صحراوية صغيرة اسمها «كشوك عميرة» وهي تتكون من عشرات المنازل المبعثرة، وتقع إلى الشرق من مدينة مرسى مطروح بنحو 55 كيلومترا، وفيها مسجد يحمل نفس اسم القرية، كان يتردد عليه أبو خالد قبل اعتناقه للفكر المتطرف وسفره في يونيو (حزيران) الماضي للالتحاق بالدواعش في ليبيا.
وفي مقابلة مع ابن عم للقيادي أبو خالد، أكد مقتله في المعركة الكبيرة التي وقعت بين الجيش والدواعش في سرت الشهر الماضي.. «في البداية كان هجوم الجيش على سرت، وبعدها تقدم داعش إلى هرواة، وكان أبو خالد في المقدمة. الهدف كان مباغتة الجيش، وتخفيف الضغط على المقاتلين الآخرين الذين كانوا متحصنين داخل مطار القرضابية في سرت».
لكن أبو خالد قتل، وتسلم الجيش الليبي جثمانه، وطلب من والده، ويدعى عبد المالك، ثم من عمه، واسمه عبد الله، القدوم من مصر إلى ليبيا لتسلم جثته، لكن ابن عمه يقول إن الأسرة شعرت بالعار وحاولت إخفاء الأمر عن القبائل الأخرى، وخافت من المساءلة من جانب السلطات في ليبيا أو في مصر، ورفضت تسلم الجثة التي جرى دفنها بمعرفة الجيش الليبي هناك.
«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية
(«الشرق الأوسط») تنشر تفاصيل محاولات التنظيم المتطرف لاستمالة القبائل
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



