«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية

(«الشرق الأوسط») تنشر تفاصيل محاولات التنظيم المتطرف لاستمالة القبائل

القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
TT

«داعش» استغل المتطرفين المحليين في ليبيا لاختراق حدود مصر الغربية

القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
القوات المسلحة المصرية تقضي على محاولة تسلل من الصحراء الغربية إلى داخل البلاد (صورة من صفحة المتحدث العسكري المصري) .. وفي الإطار أبو خالد (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)

راهن تنظيم داعش في ليبيا على قيادات وسطى تنتمي إلى مدن مصرية مجاورة للحدود، من أجل وضع أقدامه على الصحراء الغربية لنهر النيل، لكن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن لعدة أسباب من بينها فشل التنظيم في استمالة القبائل الحدودية المصرية، رغم التحاق عدد من أبنائها بـ«داعش» في درنة وسرت وبنغازي. ويسود شعور بـ«العار» بين قبائل الصحراء المصرية التي يُقتل لها أبناء يحاربون مع «داعش» داخل ليبيا، لدرجة رفضها إقامة سرادق عزاء أو تسلم جثث القتلى.
ووفقا لمعلومات من مصادر أمنية ليبية ومصرية، فإن عدد القيادات الوسطى المعروفة من أبناء المنطقة الغربية بمصر يبلغ نحو 16 رجلا، تتراوح أعمارهم بين 23 سنة و30 سنة، إضافة لمئات آخرين من المقاتلين من أصول تعود للمنطقة نفسها. ومن أشهر من ينشطون في درنة قيادي يدعى جويدة شريف، وأسرته من مدينة براني التي تبعد نحو 100 كيلومتر فقط عن الحدود الليبية، وهذا الرجل في العقد الثالث من العمر.
وتضيف المصادر أن تنظيم داعش ليبيا بزعمائه من الليبيين والمصريين والأجانب، حاول التركيز على كل من ينتمي للمدن المصرية المجاورة ليبيا، لمد نشاطه إلى داخل مصر عبر حدودها الغربية، لكنه وجد عقبات كثيرة منها رفض القبائل المصرية لفكر «داعش»، ويقظة الجيش المصري والسلطات الأمنية على الحدود مع ليبيا.
ويقدر عدد زعماء «داعش» ليبيا من المصريين الكبار بنحو تسعة، وهم من محافظات حضرية منها القاهرة والإسكندرية والغربية، وليست لديهم خبرة كبيرة بالصحراء. وكان بعضهم يعمل في الخدمة النظامية بمصر قبل تقاعده وسفره لليبيا، منذ عام 2013. ويشرف هؤلاء على عمليات التدريب والتوجيه لتنشيط العناصر الداعشية التي تعود أصولها إلى مدن مرسى مطروح والضبعة وبراني ورأس الحكمة، للدفع بهم لعبور الصحراء والإعلان عن وجود التنظيم في غرب مصر.
وبحسب المصادر الأمنية فقد اضطر هؤلاء الزعماء لترك معاقل التنظيم في درنة وسرت على شواطئ ليبيا، واللجوء لمواقع صحراوية في الجنوب يسهل منها العبور إلى داخل الحدود المصرية الوعرة، حيث يوجد بين عناصر التنظيم في ليبيا، إضافة لأبناء القبائل الحدودية، مصريون آخرون من محافظات الصعيد (جنوب) والدلتا (شمال)، لكن الامتداد القبلي ووحدة اللهجة البدوية والخبرة في الدروب الصحراوية على جانبي الحدود المصرية الليبية، جعل الحظوة في أوساط دواعش ليبيا، لأبناء محافظة مطروح حتى لو لم يكونوا من أبناء القبائل.
وتسبب قتل الجيش الليبي للقيادي الداعشي المصري أبو خالد المطروحي، في أواخر شهر أغسطس (آب) الماضي، في تهور زعماء من الدواعش المصريين، وقيامهم بأكبر عملية لإعادة الانتشار والتمركز، بالانسحاب إلى الجنوب. وأدت هذه العملية لاستحداث ظاهرة جديدة يطلق عليها أحد مساعدي الفريق أول خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي، اسم «التجمعات الوطنية للمتطرفين».
ويضيف أن هذا يعد تحولا غريبا يوضح الأزمة التي يمر بها التنظيم بعد تضييق الخناق عليه في ليبيا، لأن «فكرة التجمعات الوطنية للدواعش تتعارض مع الفكر الداعشي العابر للحدود»، مشيرا إلى أن الضربات التي وجهها الجيش الليبي لمعاقل التنظيم المتطرف في درنة وسرت وبنغازي، إضافة إلى الضربات المصرية لمن حاولوا التسلل إلى داخل البلاد من حدود ليبيا، جعل المجموعات المصرية تتلاقى في تجمع واحد تمكن من تأسيس موقع للتمركز والتدريب، تبلغ مساحته نحو 12 كيلومترا مربعا، ومجهز عسكريا، ويقع في الصحراء في جنوب بلدة إجدابيا، وتبعهم على هذا النهج عشرات من الموريتانيين الدواعش الذين اتخذوا لهم موقعا آخر في شكل بوابات ومخيمات غرب إجدابيا بنحو مائة كيلومتر، كما أخذت الظاهرة تنتشر بين دواعش ليبيا ذوي الأصول التونسية والجزائرية.
وتقول المصادر الأمنية المصرية إن إحدى بدايات العلاقة بين المتطرفين في ليبيا ومصر كانت من خلال رجل متشدد من محافظة مطروح، وهو مسجون في سجن أبو زعبل في شمال القاهرة في الوقت الحالي، اسمه محمد عبد السميع، وأن ضابطا مفصولا من الجيش المصري ومسجونا معه أيضا، يدعى الرائد طارق أبو العزم، تواصلا من داخل السجن، بعد القبض عليهما في قضيتين مختلفتين، مع تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا، عبر وسطاء مصريين من أقارب عبد السميع، في 2013، وهو التنظيم الذي يتمركز في درنة وبنغازي وتحول قادته في 2014 إلى موالاة تنظيم داعش.
وتقترن أسماء الكثير من المتطرفين، سواء في ليبيا حيث «داعش» أو في سيناء حيث تنظيم أنصار بيت المقدس الموالي له، باسم «عزبة السلام» الفقيرة والواقعة جنوب محطة السكة الحديد في مدينة مرسى مطروح. وينتمي محمد عبد السميع وشقيقه شريف (23 عاما)، الذي فر إلى «داعش» ليبيا، لهذه العزبة التي تقع على مرتفع صخري من المدينة السياحية، وتفتقر للتخطيط والتنظيم، وكان الاثنان عل علاقة قوية مع رجل ثالث من عزبة السلام أيضا ظهر فيما بعد في شريط مصور لأنصار بيت المقدس وهو يعلن أنه سيقوم بعملية انتحارية ضد قوات الجيش والشرطة في سيناء.
ويكشف أحد المصادر التي لها علاقة بحلقة المتشددين، أن منفذ عملية سيناء المشار إليها «لم يكن من أبناء قبائل مطروح ولكنه من الوافدين إليها من إحدى المحافظات المصرية الأخرى، وكان متزوجا في عزبة السلام وله أطفال، واليوم بيته خرب». لكن هذه الواقعة وهذا التشابك بين من انتقلوا من مرسى مطروح إلى سيناء أو ليبيا، يوضح إلى أي حد يوجد تواصل بين المتطرفين عبر المناطق الملتهبة في البلدين.
وفي الشهور الأخيرة رصدت أجهزة الأمن المصرية محاولات لما أصبح يعرف بـ«ولاية سيناء» المكونة أساسا من تنظيمات متطرفة، من بينها «أنصار بيت المقدس» لتنفيذ عمليات في الصحراء الغربية. واشتبكت القوات المصرية الأسبوع الماضي مع عناصر «إرهابية» مسلحة في تلك المنطقة. وتضيف المصادر أن غالبية المتطرفين الذين فروا من محافظة مطروح قاموا بذلك في أعقاب فض السلطات المصرية لاعتصام أنصار الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في القاهرة، والمعروف باسم اعتصام «رابعة العدوية».
ولجأ الكثير من المتشددين المطاردِين من السلطات، من أبناء محافظات الصعيد والدلتا لمطروح أيضا، ومنها توجهوا إلى ليبيا عن طريق متطرفين آخرين من أبناء المحافظة، من بينهم رجل يدعى عبد الله يبلغ من العمر نحو 24 عاما من عزبة السلام أيضا. ويشرف منزل أسرة عبد الله على شارع المحطة عند «مزلقان المغاربة» وهي منطقة يكثر فيها الموظفون الصغار والعمال المهاجرون من المحافظات الأخرى.
ويقول أحد أصدقائه إن عبد الله سافر إلى ليبيا منذ نحو سنة، بعد أن قام بتكفير والده. وأصبح «داعشيا»، ويعتقد أنه شارك في ذبح المصريين المسيحيين الـ21 في سرت مطلع هذا العام. ووفقا لمصادر متعددة ممن لهم علاقة بمتابعة التنظيم المتطرف، فإن عبد الله ما زال على قيد الحياة، وتوجه مع مجموعات المصريين الدواعش للتمركز في المعسكر الجديد جنوب إجدابيا، في إطار توجهات التنظيم لدخول مصر من الغرب.
وتضيف المصادر أن عبد الله «نحيل الجسد وطويل القامة، ويميل لونه إلى الاصفرار، وهو ملتح، لكنه كان حليقا وكان يدخن السجائر قبل سفره لليبيا. وهو مطلوب في مصر، مع داعشي آخر من مطروح أيضا يدعى محمود، في قضية بشأن تعليق ملصقات للتنظيم المتطرف على أسوار الساحة الشعبية وعلى مدخل مدينة مرسى مطروح في بداية عام 2014. ومنذ ذلك الوقت فر هو وزميله إلى ليبيا».
وتعود أصول والد عبد الله إلى مدينة أبو حمص الواقعة إلى الشرق قليلا من محافظة الإسكندرية، وهاجر إلى مرسى مطروح في مطلع ثمانينات القرن الماضي، للعمل معلما في المدارس لمادة الرياضيات. والوالد كان داعية أيضا ويخطب على منابر المساجد، وحكم عليه أخيرا بالسجن على يد القضاء لإدانته في الاشتراك في حرق مبان حكومية في 2013.
وتقول مصادر أخرى مقربة من أسرته إن عبد الله، المحترف في برامج الحواسب الآلية، وخريج جامعة الأزهر (متخصص في أصول الدين) كان على خلاف مع نهج والده الديني ثم قاطعه تماما وجاهر بتكفيره وانضم بعدها إلى «داعش» في ليبيا، ويعد من أبرز القيادات الوسطى في التنظيم المتطرف ممن يحاولون الدخول إلى مصر وتنفيذ عمليات داخلها.
وفي رده على أسئلة: «الشرق الأوسط» أكد أحد أقاربه أن «عبد الله متزوج وزوجته في مرسى مطروح، ووالده لا يعلم عنه شيئا، لأن العلاقة بينهما مقطوعة، وهو يقوم في بعض الأحيان بالاتصال من ليبيا بشقيقيه اللذين ينصحانه بالكف عن الطريق الذي يسير فيه. إنه يسيء لنا ولا نريده».
محمود، زميل عبد الله في قضية تعليق الملصقات في مرسى مطروح، والذي فر معه إلى «داعش» ليبيا، ينتمي إلى أسرة من أصول قبلية في المدينة نفسها، وبالتحديد في منطقة «السواني» في ضاحية «علم الروم» في شرق المدينة، ويبلغ من العمر 26 سنة تقريبا، وهو خريج المعهد الفني (تعليم متوسط)، وتمكن «داعش» ليبيا من الدفع به إلى دخول مصر عدة مرات متسللا عبر الحدود «في مهام استكشافية»، كما يقول مصدر أمني في مرسى مطروح، مشيرا إلى أن محمود من الشخصيات الداعشية التي لديها القدرة على التخفي والتسلل عبر الدروب الصعبة، حيث اقتفت السلطات آثاره أكثر من مرة للقبض عليه حين دخل المدينة خلسة في الصيف.
ويقول أحد أصدقائه السابقين إن محمود «قصير القامة، وأشقر، ونحيف، وقام قبل سفره لليبيا بتكفير أسرته، وهي أسرة معروف أن لها علاقات تعاون جيدة، منذ زمن طويل، مع السلطات الأمنية على الحدود المصرية الليبية». وبحسب معلومات من مصادر كانت على علاقة بتتبع تحركات المصريين الدواعش بين جانبي الحدود، فإن تنظيم داعش ليبيا خطط، عن طريق عبد الله ومحمود، لاستهداف موقعين في مرسى مطروح في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014.. الموقع الأول هو مركز النيل للإعلام، والثاني هو مسجد التنعيم القريبان من شاطئ البحر.
وكانت قيادات دينية من محافظات مصرية تنظم ندوة لرفض فكر «داعش» في مركز النيل الذي يقع خلف مبنى ديوان محافظة مطروح المحصن والمحاط بالمدرعات والأسلاك الشائكة. وكان خط سير نفس القيادات الدينية يتضمن أداء الصلاة في مسجد التنعيم المجاور. كان من بين هذه القيادات مشايخ الدعوة السلفية، الدكتور ياسر برهامي، والشيخ شريف الهواري والشيخ شريف طه. وتسببت الإجراءات الأمنية الصارمة في عدم تمكن «داعش» من تنفيذ العملية.
ويقول مصدر كان على علاقة بعناصر «داعشية» تعود أصولها للمدينة نفسها إن خطة الاستهداف الفاشلة جرت أثناء وجود محمود في مرسى مطروح، وكان الهدف منها «الإعلان عن وجود داعش داخل الصحراء الغربية».
كما سعى «داعش»، وبحسب معلومات أمنية حصلت عليها «الشرق الأوسط»، لتأسيس مركز لها قرب واحة سيوة التي تقع في عمق الصحراء جنوب مدينة مرسى مطروح بنحو 300 كيلومتر، وإلى الشرق من واحة جغبوب الليبية بنحو 60 كيلومترا. وتعد هذه المنطقة الحدودية من المناطق الهشة أمنيا، وشن فيها الطيران المصري في الأيام القليلة الماضية هجمات على قوافل للمتطرفين.
كما نفذت العناصر المتشددة في هذه المنطقة، منذ صيف العام الماضي، عمليات خاطفة على طريق الواحات جنوب سيوة، وعلى الطريق الساحلي الإسكندرية - مطروح، منها قتل 16 من قوات الجيش، وتصفية ثلاثة من رجال الشرطة، وقتل اثنين من الأجانب العاملين في البترول، أحدهما أميركي والثاني كرواتي، وذبح مصري من أبناء الصحراء لاتهامه بالتعاون مع السلطات الأمنية. ويسود اعتقاد وسط المحققين المصريين أن النشاط المتطرف الذي يظهر بين حين وآخر في الصحراء الغربية، ما زال مصدره الأساسي دواعش فارين من عمليات الجيش في سيناء.
ويقول المتحدث العسكري المصري، العميد محمد سمير، على صفحة الجيش على «فيسبوك»، بشأن العملية التي قامت بها القوات المسلحة والشرطة المدنية ضد المتطرفين في الصحراء الغربية قبل عيد الأضحى بثلاثة أيام، إنه جرى استهداف بؤرة إرهابية ومنعها من تنفيذ مخططاتها للتسلل وارتكاب عمليات إرهابية وإجرامية ضد الأهداف الحيوية والمصالح الأجنبية داخل نطاق محافظات الجمهورية خلال العيد، وأن الحملة أسفرت عن قتل عشرة من العناصر الإرهابية، وتدمير ثلاث سيارات دفع رباعي مسلحة ومخزن يحتوي على كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، وبرميلين من المواد الناسفة.
المعلومات الخاصة بطمع «داعش» ليبيا في سيوة والمناطق الغربية، أكدها أيضا أحد شيوخ محافظة مطروح ممن كان يحتفظ بعلاقات مع عناصر من «داعش» في سجن أبو زعبل أثناء فترة اعتقاله، مشيرا إلى أن دواعش ليبيا حاولوا الاستعانة بعناصر تنتمي للتنظيم ومن أبناء الصحراء الغربية، للبحث عن سماسرة مصريين للاتفاق معهم بغرض تسويق النفط الليبي وبيعه في السوق السوداء.
ويضيف هذا الشيخ الذي التقى أيضا خلال اعتقاله في أبو زعبل مع محمد عبد السميع، والرائد أبو العزم، أن محمود، ابن منطقة علم الروم، كان من بين من أرسلهم «داعش» لاستطلاع الأوضاع في سيوة وفي مرسى مطروح ومحاولة فتح أبواب جديدة للتواصل مع متطرفي سيناء، إضافة للبحث عن سماسرة لبيع النفط الليبي الخام وسط رجال أعمال من محافظات مطروح والقاهرة والفيوم. وتزامنت تحركات «داعش» ليبيا في الصحراء الغربية والتي جرى وأدها سريعا، مع بيان أصدره دواعش سيناء بأنهم بصدد مد تواجدهم إلى مناطق غرب البلاد.
إلا أن الشيخ نفسه يضيف قائلا إن هناك ملاحظة مهمة اكتشفها من خلال فترة تواصله مع عناصر «داعش» المصريين، وهي أنه لا يوجد لديهم إدراك لطبيعة الأوضاع الجديدة التي أصبحت عليها مصر، وما زال لديهم اعتقاد بأن البلاد في حالة فوضى أمنية كما كان الحال حين فروا من البلاد إلى ليبيا عقب عزل مرسي.
ويزيد قائلا إن الصحراء الغربية لا توجد فيها حاضنة شعبية للدواعش، ولهذا فإن من يقتل من أبناء القبائل أثناء حرب «داعش» مع الجيش الليبي، لا تقيم له قبيلته مراسم العزاء بل ترفض تسلم جثمانه من الجانب الليبي، كما أنها لا تخطر السلطات المصرية عن الواقعة، ولا تقوم حتى باستخراج شهادة وفاة له، مشيرا إلى أن الكثير من القبائل التي يلتحق أحد أبنائها بداعش، تشعر بـ«العار»، خاصة أن بعض القبائل لديها امتداد في ليبيا، وبعض أبنائها يحملون الجنسية الليبية ويحاربون الدواعش مع الجيش الوطني الليبي. وفي كثير من الأحيان يرفع أبناء القبيلة الواحدة السلاح في وجه بعضهم بعضا، كما يحدث في درنة.
وحين وصلت «الشرق الأوسط» إلى منزل الداعشي أبو خالد، لم يكن والده موجودا، وخرج مجموعة من أشقائه الأطفال لاستطلاع الأمر، بينما أجابت إحدى سيدات الدار من خلف الباب قائلة إنه لا يوجد لديها أبناء في ليبيا وإن علينا أن ننصرف من هنا. وقبل التحاقه بداعش ليبيا، كان أبو خالد، الذي يبلغ من العمر نحو 25 عاما، يعمل في محافظة مطروح مع شركات مقاولات على معدات حفر (سائق لوادر وأوناش)، وهو غير متزوج، ويبدو، وفقا لأقاربه، أن الأمور المالية لم تكن تسير معه على ما يرام، على الأقل فيما يتعلق بتحقيق الأحلام البسيطة مثل الزواج وتأسيس أسرة جديدة.
وتقول شهادات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أقارب لأبو خالد، إنه حاول قبل مقتله تجنيد أبناء عمومته، عن طريق التحدث معهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، لكن محاولاته باءت بالفشل. ويبدو أن أبو خالد كان يعتقد أنه سيتمكن من حشد مئات الشباب، وأنه سيأتي يوم لكي يفتتح المدينة لـ«داعش». ويقول ابن عم له إنه كان مصابا بالإحباط ونفاد الصبر في آخر مرة تحدث فيها معه. ويضيف: سألته.. لماذا نتقاتل؟ لا يوجد مبرر للقتل. كل شيء إلا القتل.
نفاد الصبر من أي فرصة لتحقيق نجاحات ذات شأن داخل ليبيا، والفشل في العبور إلى مصر، أصاب الكثير من القيادات الوسطى والزعامات الكبيرة لـ«داعش» بالارتباك. ويقول مصدر عسكري ليبي: يتحركون بجرأة. هذا جنون. يمكن قصفهم بالطيران بكل سهولة في وديان درنة وإجدابيا والهلال النفطي، لكن ليست لدينا قدرة معتبرة على ذلك بسبب ضعف إمكانات الجيش.
جويدة شريف الداعشي ابن مدينة براني، المقيم في درنة، له شقيق قيادي في مجلس شورى الثوار، في نفس المدينة، اسمه فتح الله، ومن المعروف أن «داعش» ومجلس الشورى يتقاتلان بضراوة منذ أشهر على بسط النفوذ في المدينة. وتقول أحدث المعلومات الواردة من درنة إن أحد الشقيقين، فتح الله، جرى اغتياله من مجموعة الشقيق الآخر، حيث تتكتم أسرته في براني، مثل أسرة أبو خالد، وغالبية أسر المتطرفين المصريين الذين يقاتلون في ليبيا، على الموضوع برمته.
ويقول أحد أقارب فتح الله في مدينة براني إنه «اغتيل منذ أسبوع في درنة على يد الدواعش الذين ينتمي إليهم شقيقه جويدة. كل منهما كان ضد الآخر. ولهم شقيق ثالث اسمه عوض وهو تاجر ترك درنة بسبب الاقتتال الدائر فيها، ولا علاقة له بالتنظيمات المتطرفة». ويضيف أن الدواعش المصريين في درنة كانوا يشعرون بهزيمة التنظيم في المدينة، ولهذا كانوا يردون بنيران كثيفة ويدمرون كل شيء، ثم بدأوا يفرون إلى باقي الدواعش المصريين في الجنوب.
ولم تنصب أسرة فتح الله في براني سرادق العزاء. وهكذا فعلت أسرة أبو خالد التي رفضت أصلا تسلم جثمان ابنها بعد مقتله على يد الجيش الليبي في منطقة هراوة قرب سرت. ويوجد منزل أسرة أبو خالد في قرية صحراوية صغيرة اسمها «كشوك عميرة» وهي تتكون من عشرات المنازل المبعثرة، وتقع إلى الشرق من مدينة مرسى مطروح بنحو 55 كيلومترا، وفيها مسجد يحمل نفس اسم القرية، كان يتردد عليه أبو خالد قبل اعتناقه للفكر المتطرف وسفره في يونيو (حزيران) الماضي للالتحاق بالدواعش في ليبيا.
وفي مقابلة مع ابن عم للقيادي أبو خالد، أكد مقتله في المعركة الكبيرة التي وقعت بين الجيش والدواعش في سرت الشهر الماضي.. «في البداية كان هجوم الجيش على سرت، وبعدها تقدم داعش إلى هرواة، وكان أبو خالد في المقدمة. الهدف كان مباغتة الجيش، وتخفيف الضغط على المقاتلين الآخرين الذين كانوا متحصنين داخل مطار القرضابية في سرت».
لكن أبو خالد قتل، وتسلم الجيش الليبي جثمانه، وطلب من والده، ويدعى عبد المالك، ثم من عمه، واسمه عبد الله، القدوم من مصر إلى ليبيا لتسلم جثته، لكن ابن عمه يقول إن الأسرة شعرت بالعار وحاولت إخفاء الأمر عن القبائل الأخرى، وخافت من المساءلة من جانب السلطات في ليبيا أو في مصر، ورفضت تسلم الجثة التي جرى دفنها بمعرفة الجيش الليبي هناك.



مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».