اللاجئون.. طريق اللاعودة

مهاجرون لـ«الشرق الأوسط»: المهربون تركونا في غابات بودابست وهربوا

طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)
طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)
TT

اللاجئون.. طريق اللاعودة

طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)
طفلة نائمة إلى جانب دميتها بالقرب من مبنى قيد التشييد في فيينا، بعد أن ضاقت بها وبمجموعة من اللاجئين محطات القطار («الشرق الأوسط»)

«مرحبا بكم في النمسا، أنتم بأمان».. بهذه العبارة استقبلت سيول اللاجئين القادمين من المجر، حاملين همومهم على أكتافهم بعد أن أضنتهم قساوة دروب كانوا يعتقدون أنها الطريق إلى الجنة. رجل في عقده الثامن، كانت تجاعيد وجهه تروي حكاية «ألف ليلة وليلة» من العذاب، وهو يتساءل «في أي بلد أنا!»، وآخر يجلس مع أطفاله الأربعة في إحدى زوايا المحطة الرئيسية للقطارات في فيينا، ليروي لـ«الشرق الأوسط» قصة هوليودية بنكهة كوبانية يلفها ضياع القومية والإنسانية، دون أن يعلم الاثنان بأن التاريخ سيكتب يومًا أن رحلتهما قد غيرت قوانين الاتحاد الأوروبي وقلبت موازين القارة العجوز.
أزمة تعد الأولى من نوعها تسيطر على الاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه في عام 1992، وضعت أعضاءه الثمانية والعشرين في اختبار صعب لمعرفة قدراتهم في مواجهة هذا العدد الكبير من اللاجئين، كما كشفت الستار عن عدم التوافق الداخلي وغياب قيادة تستطيع الحصول على إجماع في إيجاد آلية للخروج من الأزمة.

تعد تركيا نقطة الانطلاق لغالبية اللاجئين، حيث يوجد مهربون في مواقع معروفة داخل العاصمة إسطنبول وهم يقفون في الساحات، بحسب رواية لاجئ سوري، اتخذ «ن. س» اسما له. تحدث لنا «ن. س» عن رحلته، وأوضح أنه يتم التعامل مع اللاجئين الساعين إلى الهجرة بشكل علني دون خوف من المساءلة أو ملاحقة الشرطة، كما أن أسعار الوصول إلى الدول الأوروبية باتت ثابتة ويتفق عليها جميع المهربين تقريبًا. فسعر الرحلة من تركيا إلى إحدى الجزر اليونانية يبلغ 1200 دولار للشخص البالغ، و600 دولار للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و14 عاما. أما الأطفال دون سن الرابعة، فيتم التفاوض مع المهرب على دفع مبلغ بسيط عنهم أو إعفاؤهم إذا كانوا رضعًا. ويشبّه «ن. س» ركوب القوارب في البحر بالانتحار، فكل شخص يضع حياته وحياة عائلته بين يدي الله لحين الوصول إلى بر الأمان في إحدى الجزر اليونانية. وهناك أعداد قليلة تتجنب مخاطر البحر وتفضل دخول بلغاريا والسير لساعات تتراوح بين 25 و30 ساعة.

كما هناك من يفضل أن تكون تكاليف رحلته قطعية، أي أنه يتم الاتفاق على مبلغ يسلم بعد الوصول لإحدى الدول الأوروبية. وهنا، يذكر «ن. س» أن سعر الشخص الراغب بالذهاب من تركيا إلى النمسا أو ألمانيا يبلغ 8500 دولار للشخص الواحد.
بعد الوصول إلى اليونان، وهي أطول محطة في الرحلة، بحسب «ن. س»، يكون المهاجرون مجبرين على الانتظار لساعات طويلة تصل في بعض الأحيان إلى أيام للحصول على ورقة تسمح لهم بالبقاء بصورة رسمية داخل الأراضي اليونانية بعد أخذ البصمة الجنائية. ويضيف أن «رحلة البحث عن مهرب جديد تبدأ من هناك، ليتم الاتفاق على سعر عبور دول البلقان. فمن اليونان إلى مقدونيا، وصولاً إلى صربيا. وتقطع أغلب المسافات داخل هذه الدول سيرًا على الأقدام وصولاً إلى الغابات داخل المجر».
ووفقا لمعاهدة «دبلن»، فإن اليونان تعد أول نقطة عبور للاجئين، مما يفرض عليها استقبالهم جميعًا. وهو ما لا يمكن لليونان تحمله، خاصة وهي تعاني من أزمة اقتصادية مزمنة بسبب دخولها غير المدروس في مجموعة اليورو، بالإضافة إلى الفساد الحكومي وارتفاع أسعار البترول، وهذا ما دفع بها لتسهيل مرور اللاجئين والتغاضي عن شروط معاهدة «دبلن».
وبات الوصول إلى المجر أمرًا لا يمكن الفرار منه، وهنا تبدأ مرحلة أخرى. فأغلب اللاجئين يمرون هناك عبر الغابات، ويوضح «ن. س» أن هذه المحطة تعد الأسوأ منذ بداية الرحلة، حيث يبدأ المهربون بالفرار تاركين العوائل والشباب وسط الغابات بعد أن يحصلوا منهم على أكبر قدر من المال، لتبدأ معاناة اللاجئين مع الشرطة المجرية التي تجبرهم على أخذ البصمات، حسب ما تنص عليه اتفاقية «دبلن»، أو أن يكونوا عرضة للسلب والنهب على يد العصابات التي انتشرت مؤخرًا.
وبحسب آراء كل الذين التقينا بهم، كانت الشرطة المجرية قاسية جدًا في التعامل مع العابرين للأراضي البلاد، فهم يتعرضون للضرب والإهانات، ناهيك بقلة الطعام والشراب. وأكد لنا البعض أنهم حرموا من الطعام داخل السجن لثلاثة أيام، بالإضافة إلى حالات الابتزاز التي تقوم بها الشرطة المجرية لتسهيل عبورهم إلى النمسا، عند توقف حركة القطارات والباصات.
وبهذا الصدد، رفض رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوروبان، استقبال أي لاجئ على أراضي بلاده، حيث أعلن رسمياُ أن اللاجئين المسلمين يهددون الجذور المسيحية لأوروبا. وقد انتقدت الكثير من المنظمات الإنسانية المعاملة السيئة التي تقوم بها الحكومة المجرية تجاه اللاجئين، حتى إن المستشار النمساوي، فيرنر فايمان، شبّه طريقة تعامل حكومة أوروبان مع اللاجئين بعمليات الترحيل التي قام بها النازيون لليهود وغيرهم إلى معسكرات الاعتقال. وكانت هذه التصريحات قد صدرت بعد أن تحركت قطارات من العاصمة المجرية بودابست، وهي تقل على متنها لاجئين متجهين إلى النمسا لينتهي بهم المطاف في إحدى معسكرات اللجوء داخل المجر.
ويتخذ حزب رئيس الوزراء أوروبان اليميني الحاكم، وهو حزب معاد للأجانب بصورة عامة والمسلمين بصورة خاصة، مواقف متشددة تجاه المهاجرين، خاصة وأن دول شرق أوروبا تطمح لسد احتياجات دول أوروبا الغربية من اليد العاملة بدل الاعتماد على اللاجئين القادمين من خارجها. ويعد ضعف وجود منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان على الساحة المجرية سببًا في المعاملة السيئة التي يلقاها اللاجئون. ولا يمكن التغاضي عن ضعف الاقتصاد المجري في مواجهة موجات اللاجئين.
ويمضي «ن. س» في وصف معاناته ومجموعة اللاجئين التي رافقها بالقول إنهم لم يرتاحوا «إلا بعد أن دخلوا النمسا»، مشيرا إلى المعاملة الطيبة والاحترام من قبل الشرطة والمتطوعين وفرق الصليب الأحمر، حيث يسارع الجميع لتقديم المساعدات الإنسانية، بما فيها تذاكر سفر مجانية إلى ألمانيا. لكن مشكلة جديدة اعترضته في ألمانيا التي باتت تشدد المراقبة على الحدود، وتسمح بالعبور لحاملي الجوازات فقط، وهو أمر يفتقر له الكثير من اللاجئين.
ولم تنته رحلة «ن. س» بعد، فقد ركب القطار المتجه إلى ألمانيا، وهي وجهته منذ بداية رحلته، ليقطع بذلك رحلة دامت ثلاثة أسابيع وكلفته 7800 دولار، لكن ما كلفته من العناء والتعب والتعرض للخطر لا يقدر بثمن، على حد قوله.
أما السوري «ك. م»، فروى قصته وهو يحمل ابنته ذات السبعة أشهر في إحدى زوايا محطة القطارات الرئيسية في العاصمة النمساوية فيينا، وقال:
«أنا كردي سوري من سكان كوباني، ولا يخفى عن الجميع ما حل بنا من خراب ودمار. لقد كنا بين نارين، (داعش) من جهة وقصف قوات النظام من جهة أخرى. لذلك قررنا أنا وزوجتي وأطفالي الأربعة الرحيل إلى المجهول، آملين أن ينصفنا المستقبل في بناء حياة جديدة بعيدًا عن ويلات الحرب والطائفية. وفي طريقنا إلى كردستان العراق، تعرضنا للقصف، وكنا مجموعة كبيرة من العوائل والشباب. استطعت أنا وأطفالي أن ننجو بأعجوبة من الموت الذي طال العشرات، لكنني لم أجد زوجتي ولم أستطع أن أطيل البحث عنها خوفا على أطفالي».
وتوقف «ك. م» عن الكلام برهة، والدموع تملأ عينيه وهو يستعيد مشهد الموت وكيف استطاع إنقاذ أطفاله الأربعة متجها معهم إلى المجهول. ثم استدرك حديثه: «وصلت إلى كردستان العراق ولم يكن أمامي سوى الانتظار، بقيت هناك شهرين لأجمع شتات ما بقي من عائلتي وأتوقف متجها إلى تركيا، نقطة الانطلاق إلى أوروبا. وخلال مدة إقامتي، لم أتصل بأهل زوجتي لأن علاقتي معهم كانت مقطوعة لسنوات كثيرة.. لكن وبطريق الصدفة، التقيت بأحد الأصدقاء في تركيا، لديه علاقة وثيقة بهم، واستغربت من دهشته لرؤيتي. أحسست لوهلة أن الدم تجمد في عروقه وهو ينظر إلي، وبعد دقائق تبدل المشهد لتعتريني الصدمة الممزوجة بفرحة كادت تفقدني صوابي بعد أن علمت أن زوجتي على قيد الحياة، وأنها نجت بأعجوبة لتتجه إلى تركيا بعد أن اعتقدت بأنها خسرت أطفالها وزوجها في الحادث. المشكلة أنني كنت قد اتفقت مع أحد المهربين وهو سوري الجنسية على السفر إلى السويد، وقد دفعت جزءًا من المبلغ لذلك، ولم أستطع التراجع وقد خاطرت بحياة أطفالي الأربعة للوصول إلى زوجتي».
من جانبه، قال متحدث باسم الخارجية النمساوية لـ«الشرق الأوسط» إن «وزير الخارجية النمساوي، سباستيان كورتس، قدم في شهر أغسطس (آب) الماضي، خطة لمعالجة الأزمة شملت خمس نقاط. كان أولها محاربة (داعش)، كون ثلثي اللاجئين يأتون من مناطق تشهد عنف التنظيم الإرهابي. كما شدد الوزير على النقطة الثانية وهي ضرورة عمل الاتحاد الأوروبي على إنشاء مناطق آمنة وعازلة في مناطق النزاع، تتولى تقديم المساعدات الإنسانية للاجئين للحد من هجرتهم إلى أوروبا». وأضاف: «أما عن حماية الحدود الأوروبية، وخصوصا من جهة اليونان وإيطاليا وبلغاريا، فقد كانت النقطة الثالثة في خطة النمسا هي ضرورة بناء مراكز لاستقبال اللاجئين في هذه الدول، فضلا عن تشكيل فرق حماية مشتركة لتأمين حدودها». إلى ذلك، أكد كورتس في النقطة الرابعة على ضرورة مساعدة الشرطة في دول غرب البلقان، أما عن النقطة الخامسة المتعلقة بالتوزيع العادل للاجئين على دول الاتحاد الأوروبي، فقد أكد أنه لا تنازل من جهة النمسا أو ألمانيا عن هذا المطلب.
وكانت النقطة الخامسة سببا في إشعال فتيل الأزمة بين دول الاتحاد الأوروبي، حيث رفضت دول شرق أوروبا نظام الحصص بحجة الحفاظ على القيم الأوروبية، كما أكدت على عدم الرضوخ للسياسة الألمانية في إجبارها على استقبال اللاجئين.
ويبقى ملف الهجرة الجماعية يثير الكثير من التساؤلات، علما أن أغلب المهاجرين هم من الشباب وهو ما يثير المخاوف من استغلال «داعش» لهذا الوضع وإخفاء مقاتليها بين الحشود القادمة إلى أوروبا. بالإضافة إلى الشكوك المثارة حول الاستعدادات غير المسبوقة في بعض الدول الأوروبية لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين، وخصوصا منهم السوريون، وهو ما ينذر، بحسب استطلاعات الرأي، بتغييرات في الملف السوري في الأشهر القادمة.
 



الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».


خلايا «الانتقالي» المنحلّ تختبر صبر حكومة الزنداني

من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تختبر صبر حكومة الزنداني

من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن تطورات أمنية مقلقة بالتزامن مع بدء الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني مباشرة مهامها من داخل البلاد، في خطوة تهدف إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار.

غير أن هذه التحركات الحكومية ترافقت مع تصعيد ميداني نفذته عناصر موالية لما كان يعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في محاولة رأى فيها مراقبون اختباراً مبكراً لقدرة الحكومة على فرض الأمن وحماية المؤسسات السيادية.

وبحسب مصادر أمنية، فقد حاول موالون لـ«الانتقالي» المنحل مساء الخميس اقتحام القصر الرئاسي في منطقة معاشيق، حيث مقر إقامة الحكومة، واعتدوا على أفراد الحراسة، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى خلال اشتباكات تخللها إطلاق نار كثيف، في حادثة أثارت مخاوف من مساعٍ منظمة لإرباك المشهد الأمني وإعاقة انطلاقة العمل الحكومي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الحكومة اليمنية الجديدة بدعم سعودي واسع إلى ترسيخ حضورها الميداني وإعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، بعد مرحلة طويلة من التوترات السياسية والانقسامات التي انعكست سلباً على الاستقرار والخدمات العامة.

عناصر «الانتقالي» في عدن يتبنون خطاباً تحريضياً عقب هروب زعيمهم الزبيدي (إكس)

وتعليقاً على هذا التصعيد، أوضحت اللجنة الأمنية في عدن، عبر بيان رسمي، أن الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد احتجاجات عفوية، بل جاءت نتيجة دعوات تحريضية وتصعيد ممنهج استهدف عرقلة عمل الحكومة وإثارة الفوضى.

وأكد البيان أن مجاميع مسلحة احتشدت صباح الخميس أمام بوابة قصر معاشيق، وقطعت الطرقات وأثارت أعمال شغب واعتدت على رجال الأمن والممتلكات العامة.

وأشار البيان إلى أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع تلك التطورات بدرجة عالية من ضبط النفس، وتمكنت من تفريق التجمعات دون وقوع إصابات في المرحلة الأولى، في محاولة لتجنب التصعيد والحفاظ على السكينة العامة.

غير أن التطورات عادت للتصاعد مساء اليوم ذاته، حين تجمعت عناصر وصفتها اللجنة بأنها «محرضة على الفوضى» وحاولت التسلل لتنفيذ أعمال تخريبية واستهداف المنشآت السيادية.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ خلال مظاهرة سابقة في عدن (أ.ب)

ومع إصرار تلك العناصر على تجاوز الخطوط الحمراء، بما في ذلك محاولة اقتحام البوابة الخارجية للقصر الرئاسي والاعتداء على القوات الأمنية، اضطرت الأجهزة المختصة إلى التدخل وفق القوانين النافذة لحماية المؤسسات الحكومية. وفق ما جاء في البيان.

وأكدت اللجنة الأمنية أن ما جرى يمثل اعتداءً منظماً أُعدّ له مسبقاً، مشددة على أن حماية المنشآت السيادية تمثل مسؤولية لا يمكن التهاون فيها، خصوصاً في ظل الظروف السياسية والأمنية الحساسة التي تمر بها البلاد.

«يد من حديد»

في لهجة حازمة، توعدت اللجنة الأمنية في عدن كل من يسعى للعبث بأمن عدن باتخاذ إجراءات صارمة، مؤكدة أنها «ستضرب بيد من حديد» كل من يثبت تورطه في أعمال الفوضى أو التحريض أو الاعتداء على القوات الأمنية.

وكشفت اللجنة عن بدء لجان تحقيق عملها بالفعل لتحديد المسؤولين عن الأحداث، موضحة أنه تم التعرف على عدد من العناصر المحرضة، وأن أسماء المتورطين ستعلن تباعاً تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق الأنظمة النافذة.

جندي من قوات حماية المنشآت الحكومية يقف حارساً عند نقطة تفتيش في عدن (أ.ب)

وفي الوقت ذاته، شددت اللجنة على أن الحق في التعبير السلمي مكفول دستورياً وتحترمه الدولة، لكنها أكدت أن هذا الحق مشروط بالالتزام بالقانون وعدم الإضرار بالأمن أو الممتلكات العامة والخاصة.

كما دعت الأسر والمواطنين إلى تحمل مسؤولياتهم المجتمعية، وحث أبنائهم على عدم الانجرار وراء دعوات وصفتها بالمشبوهة تقف خلفها جهات مدعومة من الخارج تسعى إلى زعزعة الاستقرار وتعطيل مسار البناء الذي تطمح إليه العاصمة وسكانها.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يعكس تحولاً واضحاً نحو تبني سياسة أمنية أكثر حزماً، تهدف إلى تثبيت سلطة الدولة ومنع تكرار سيناريوهات الفوضى التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية.

رسائل رئاسية

تزامنت التطورات الأمنية مع مواقف سياسية رئاسية شددت على أهمية استقرار عدن باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح الحكومة الجديدة. فقد أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي أن استقرار العاصمة المؤقتة يمثل الركيزة الأساسية لاستكمال معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران.

وخلال اجتماع حكومي عقد في قصر معاشيق، شدد الصبيحي على ضرورة التحلي بأعلى درجات اليقظة لمنع أي محاولات تستهدف إقلاق السكينة العامة أو تقويض مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب حضوراً حكومياً فاعلاً إلى جانب المواطنين ومعالجة همومهم بشكل مباشر.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي (يمين) إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني (إكس)

كما دعا الوزارات والجهات الخدمية إلى العمل الميداني وتخفيف معاناة السكان، مشيراً إلى أن نجاح الحكومة لن يقاس بالتصريحات، بل بقدرتها على تحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الاستقرار المعيشي.

من جانبه، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي أن أمن عدن واستقرارها يمثلان أولوية لا تقبل المساومة، مشدداً على رفض أي محاولات لجر المدينة إلى صراعات أو فوضى سياسية. وأبدى دعمه الكامل للحكومة الجديدة، داعياً إلى التكاتف ونبذ الإشاعات وتعزيز المسؤولية الوطنية لحماية مؤسسات الدولة.

وأشار المحرمي إلى أهمية الحوار الجنوبي ـ الجنوبي برعاية سعودية، معتبراً إياه فرصة تاريخية لتوحيد الصف ومعالجة الخلافات السياسية بعيداً عن التصعيد الأمني الذي يضر بحياة المواطنين.

تأتي هذه الأحداث بعد إعلان مجلس القيادة الرئاسي تشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، عقب تطورات سياسية متسارعة خلال الشهرين الماضيين، شملت إعادة تشكيل التوازنات داخل المجلس عقب فشل تمرد عضو المجلس عيدروس الزبيدي وهروبه إلى أبوظبي وتعيين الفريق محمود الصبيحي وسالم الخنبشي عضوين في المجلس، وكذا إسقاط عضوية فرج البحسني.