شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

مهاجرون يقاطعون «الفنادق الحدودية» لتجنب الصدام مع السلطات الأمنية

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه
TT

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

يقاطع آلاف من المهاجرين الأفارقة والعرب «الفنادق الحدودية» الواقعة على جانبي الأراضي المصرية - الليبية لتجنب الصدام مع السلطات الأمنية في البلدين وهم يسعون للانتقال إلى أوروبا. ويقول مسؤول أمني على الحدود المصرية إن السلطات تمكنت منذ مطلع الشهر الحالي من توقيف 344 مهاجرًا بينهم 11 سودانيًا، والباقون مصريون من محافظات الصعيد من جنوب البلاد، أثناء إقامتهم المؤقتة في المدن الحدودية ومنها مرسى مطروح وبراني والسلوم وسيوة، قبل التسلل إلى ليبيا التي يتخذونها معبرًا للهجرة إلى أوروبا. وكان غالبية من يصلون إلى المدن الحدودية يقيمون في فنادق صغيرة، تكلف الفرد بين عشرة دولارات وعشرين دولارًا، (الدولار يساوي نحو 8 جنيهات)، قبل أن ينقلهم السماسرة في شاحنات صغيرة إلى محطات تجمع جديدة، لكن السلطات الأمنية داهمت عدة فنادق في الأسابيع الأخيرة في محاولتها للحد من الهجرة غير الشرعية التي أصبحت تؤرق العالم، خاصة بعد حادثة غرق الطفل السوري إيلان قبالة السواحل التركية مطلع الشهر الحالي.
ويقول المسؤول الأمني إن «شبكة مهربين معقدة، تتكون من مصريين وليبيين وسوريين، بدأت تتحايل على الأمر وتبعد المهاجرين عن الإقامة في الفنادق الحدودية، وتستأجر لهم بدلاً من ذلك شققًا وسط التجمعات السكنية للأهالي، خاصة في مدينة مرسى مطروح السياحية»، مشيرًا إلى أن «هذا يزيد من صعوبة عمل السلطات الأمنية للحد من الهجرة غير القانونية». وتبلغ كلفة منزل للإقامة المؤقتة للمهاجرين حولي 15 دولارًا في المتوسط لليلة الواحدة. وتتسع بعض المنازل لأكثر من عشرين شخصًا، أما من معهم سيدات وأطفال فيفضلون استئجار منزل مستقل بغرفة أو غرفتين.
ويقول صاحب نزل خاص في «عزبة السلام» شرقي مدينة مرسى مطروح، إنه كان يؤجر نزله المكون من خمس غرف لعمال البناء في المدينة التي تشهد حركة معمار كبيرة. ويأتي هؤلاء العمال من مدن مصرية مختلفة، إلا أن ما يسدده السودانيون والسوريون من أجرة أغراه بفتح أبواب نزله لهم «حتى لو كانت إقاماتهم قصيرة». ويضيف: «لا شأن لي بطرح أسئلة من قبيل من أين أتوا أو ما هي وجهتهم».
ووفقًا للمعلومات الأمنية، فإن شبكة المهربين أصبحت تصدر تعليمات كل عدة أيام لاستبدال محطات انتظار المهاجرين بأخرى، للهروب من ملاحقات رجال الأمن. ويتلقى التعليمات سماسرة يقومون بتجميع المهاجرين من عدة مدن، ومن بينهم مهاجرون سوريون وفلسطينيون إضافة لبلدان من شرق أفريقيا؛ إذ تلاحظ، بحسب محاضر التحقيقات التي تجريها السلطات الحدودية المصرية، أن غالبية المهاجرين من غير المصريين، أصبحت للسودانيين، بعد أن كان معظمهم من السوريين حتى يوليو (تموز) الماضي.
وفي إطار جهودها للحد من الهجرة غير الشرعية، عينت السلطات المصرية مساعدًا جديدًا لوزير الداخلية في محافظة مطروح، هو اللواء هشام لطفي. كما أوكلت منذ العام الماضي مهمة إدارة المحافظة لمحافظ يحظى بخبرة أمنية كبيرة، هو اللواء علاء أبو زيد الذي كان مديرًا للمخابرات الحربية في المنطقة الغربية.
وتنتشر فنادق الدرجة الثالثة في عدة أزقة وشوارع خلفية بالمدينة، لكن قوات الأمن المصرية داهمت الكثير منها في إطار ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين والعناصر الخارجة عن القانون. ويقول أحمد عبد الله الذي يدير فندقًا مطليًا باللون الأحمر في شارع المغاربة، إنه استقبل منذ نهاية الشتاء الماضي، ما لا يقل عن 300، غالبيتهم من السوريين الذين كانوا يريدون التسلل إلى ليبيا، لأن الحدود مغلقة بين البلدين بسبب المشكلات الموجودة هناك. ويضيف أن السمسار الذي كان يجلب له المهاجرين توقف عن ذلك خوفًا من الشرطة. وقال محقق في مديرية الأمن بمدينة مرسى مطروح، إن «المديرية قامت بالتعاون مع قوات الجيش على الحدود، بضبط مئات المهاجرين وهم يتجمعون بواسطة سماسرة استعدادًا للتسلل إلى داخل ليبيا. ومعظم المصريين الذين كانوا يستعدون للهجرة قادمون من محافظة المنيا، وهي من المحافظات الفقيرة الموجودة في جنوب القاهرة، يليها محافظة سوهاج فأسيوط بالصعيد». وتابع أن «من جرى استجوابهم لا يفصحون عن وجهتهم النهائية وهي ركوب البحر للوصول إلى أوروبا، ولكن يقولون إنهم ذاهبون للعمل في ليبيا».
ويضيف أن «ليبيا تعاني من الفوضى ولا يوجد فيها فرص عمل، بالإضافة إلى أن الحدود الرسمية بين البلدين، مغلقة. ويركب المهاجرون الصعاب عبر الصحراء ثم القوارب الخشبية للوصول إلى جزيرة لمبيدوزا في إيطاليا التي تعد الهدف الأول للرحلة لقربها من السواحل الليبية». وتقدر منظمات دولية عدد من ينتظرون في ليبيا للهجرة إلى أوروبا بأكثر من 700 ألف من جنسيات مختلفة هربًا من الاقتتال والفقر وعدم الاستقرار في بلادهم الأصلية.
أما بالنسبة للجنسيات الأخرى التي تغامر بقطع ألوف الكيلومترات لركوب البحر من ليبيا بعد التوقف لبضعة أيام في المحطات الحدودية، فهي بالترتيب من السودان، وإريتريا، والصومال، ثم من سوريا وفلسطين، مع ملاحظة أن هذه النسب تتغير لظروف تتعلق بسهولة أو وعورة الدخول إلى مصر والانتقال، من القاهرة، عبر نحو 500 كيلومتر إلى المدن القريبة من ليبيا. ومن الطريف العثور على بعض المهاجرين القادمين من بلدان بعيدة مثل «جزر القمر» التي تقع في المحيط الهندي، قرب الساحل الشرقي لأفريقيا. كان المهاجرون يصلون من بلدات مصرية مختلفة، إلى مرسى مطروح، في مجموعات صغيرة، لا تزيد المجموعة على 14 فردًا، هي عدد مقاعد حافلات الأجرة (المعرفة باسم الميكروباص). وبعد عدة أيام من الإقامة، تبدأ سيارات ربع نقل دفع رباعي، من موقف يقع قرب منطقة «سوق ليبيا»، غرب المدينة، في عملية شحن خليط المهاجرين، بناء على أحد اثنين من خطوط السير.
الأول ينطلق عبر الطريق الدولي الشمالي ويصل إلى مدينة السلوم، التي يقابلها على الجانب الآخر من الحدود مدينة إمساعد الليبية. وتبلغ المسافة من مرسى مطروح إلى إمساعد نحو 250 كيلومترًا. ويضطر المهاجرون لعبور حوالي سبعة كيلومترات من الوديان والمرتفعات مشيًا على الأقدام ليلا خوفًا من نقاط المراقبة الحدودية. والطريق الثاني من خلال المحور الجنوبي، الذي يصل مرسى مطروح بواحة سيوة، ويبلغ طوله 300 كيلومتر. ويوجد في مقابل سيوة، واحة جغبوب داخل الأراضي الليبية. ويعبر المهاجرون مسافة لا تزيد على ثلاثة كيلومترات، إلى جغبوب، ومنها إلى إمساعد.
ولا يوجد في إمساعد فنادق بالشكل المعروف، إلا أن الغرباء يقيمون عادة في منازل يطلق عليها «شقق فندقية» يقع معظمها في ظهر الطريق الرئيسي بالمدينة الصغيرة. وكان رواد هذه المنازل من التجار والعمال، إلا أن الكساد وشلل التجارة في المدينة، بسبب الاضطرابات الأمنية في ليبيا، جعل أصحابها يتجهون لتأجيرها للمهاجرين. وتمكنت السلطات الليبية من توقيف عشرات من هؤلاء، مما دفع سماسرة الهجرة إلى استبدالها بمنازل تقع في وسط التجمعات السكنية المنتشرة على بعد عدة كيلومترات في جنوب إمساعد.
ومن إمساعد تبدأ عملية نقل المهاجرين إلى داخل ليبيا، وفقًا لما جرى التعاقد عليه مع السماسرة. ويقول ضابط ليبي من كتيبة عمر المختار المرابطة قرب الحدود المصرية، ويدعى المقدم مرزوق، إن «هناك من ينتقل إلى السواحل الغربية لطبرق، ومن يوغل أكثر إلى مدن درنة وبنغازي وطرابلس وحتى بلدة زوارة قرب الحدود مع تونس، وهي مدينة يفد إليها مهاجرون آخرون من الحدود الجنوبية والغربية في ليبيا».
وشاركت دورية المقدم مرزوق في ضبط 230 مهاجرًا غير شرعي خلال الأسابيع القليلة الماضية كان معظمهم يقيمون إقامة مؤقتة بين إمساعد وطبرق. وجرى إخطار فرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي الموجود على جانب الحدود. وقامت السلطات هناك بوضعهم في مركز للإيواء ومعالجة المرضى منهم قبل اتخاذ إجراءات بإعادتهم إلى بلادهم أو الدولة التي جاءوا منها.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تعد مدينة مرسى مطروح الواقعة على البحر المتوسط بجوار ليبيا، مصيفًا مصريًا يستقبل مئات الألوف من الزوار سنويًا، ولا يوجد فيها عادة موضع لقدم، إذ يشغل المصطافون القادمون من المدن الكبرى، غالبية الفندق والشقق المفروشة. لكن أسعار المبيت للمهاجرين غير الشرعيين، دفعت عدة فنادق صغيرة، لتخصيص الغرف والخدمة لهم قبل أن يقاطعها المهاجرون خوفًا من الشرطة.
وتختلف عملية سداد الأموال مقابل تأجير أماكن إقامة المهاجرين إقامة مؤقتة. ويقول حسين، وهو سمسار مصري يعمل في جلب الراغبين في الهجرة من مدينة القاهرة إلى مرسى مطروح، إن السوريين يفضلون سداد قيمة الرحلة كاملة بما فيها أجرة السكن، حيث إن إجمالي الرحلة حتى إمساعد يبلغ نحو ألفي دولار في المتوسط، مشيرًا إلى أن مداهمة الشرطة لعدة فنادق كانت تستقبل المهاجرين، أربك الحسابات.. «التعامل مع الفنادق كان أسهل لأنها محددة ومعروفة. نعرفهم ويعرفوننا. أقول لهم ستأتيكم جماعة تتبعني.. خلاص. يسكنون في الفندق ونحن نحاسبه فيما بعد، أما استئجار البيوت الأهلية، فالمحاسبة صعبة. يريدون الأجرة مقدمًا».



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.