شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

مهاجرون يقاطعون «الفنادق الحدودية» لتجنب الصدام مع السلطات الأمنية

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه
TT

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

شبكة مهربين بين مصر وليبيا يستبدلون محطات انتظارهم كل عدة أيام للتمويه

يقاطع آلاف من المهاجرين الأفارقة والعرب «الفنادق الحدودية» الواقعة على جانبي الأراضي المصرية - الليبية لتجنب الصدام مع السلطات الأمنية في البلدين وهم يسعون للانتقال إلى أوروبا. ويقول مسؤول أمني على الحدود المصرية إن السلطات تمكنت منذ مطلع الشهر الحالي من توقيف 344 مهاجرًا بينهم 11 سودانيًا، والباقون مصريون من محافظات الصعيد من جنوب البلاد، أثناء إقامتهم المؤقتة في المدن الحدودية ومنها مرسى مطروح وبراني والسلوم وسيوة، قبل التسلل إلى ليبيا التي يتخذونها معبرًا للهجرة إلى أوروبا. وكان غالبية من يصلون إلى المدن الحدودية يقيمون في فنادق صغيرة، تكلف الفرد بين عشرة دولارات وعشرين دولارًا، (الدولار يساوي نحو 8 جنيهات)، قبل أن ينقلهم السماسرة في شاحنات صغيرة إلى محطات تجمع جديدة، لكن السلطات الأمنية داهمت عدة فنادق في الأسابيع الأخيرة في محاولتها للحد من الهجرة غير الشرعية التي أصبحت تؤرق العالم، خاصة بعد حادثة غرق الطفل السوري إيلان قبالة السواحل التركية مطلع الشهر الحالي.
ويقول المسؤول الأمني إن «شبكة مهربين معقدة، تتكون من مصريين وليبيين وسوريين، بدأت تتحايل على الأمر وتبعد المهاجرين عن الإقامة في الفنادق الحدودية، وتستأجر لهم بدلاً من ذلك شققًا وسط التجمعات السكنية للأهالي، خاصة في مدينة مرسى مطروح السياحية»، مشيرًا إلى أن «هذا يزيد من صعوبة عمل السلطات الأمنية للحد من الهجرة غير القانونية». وتبلغ كلفة منزل للإقامة المؤقتة للمهاجرين حولي 15 دولارًا في المتوسط لليلة الواحدة. وتتسع بعض المنازل لأكثر من عشرين شخصًا، أما من معهم سيدات وأطفال فيفضلون استئجار منزل مستقل بغرفة أو غرفتين.
ويقول صاحب نزل خاص في «عزبة السلام» شرقي مدينة مرسى مطروح، إنه كان يؤجر نزله المكون من خمس غرف لعمال البناء في المدينة التي تشهد حركة معمار كبيرة. ويأتي هؤلاء العمال من مدن مصرية مختلفة، إلا أن ما يسدده السودانيون والسوريون من أجرة أغراه بفتح أبواب نزله لهم «حتى لو كانت إقاماتهم قصيرة». ويضيف: «لا شأن لي بطرح أسئلة من قبيل من أين أتوا أو ما هي وجهتهم».
ووفقًا للمعلومات الأمنية، فإن شبكة المهربين أصبحت تصدر تعليمات كل عدة أيام لاستبدال محطات انتظار المهاجرين بأخرى، للهروب من ملاحقات رجال الأمن. ويتلقى التعليمات سماسرة يقومون بتجميع المهاجرين من عدة مدن، ومن بينهم مهاجرون سوريون وفلسطينيون إضافة لبلدان من شرق أفريقيا؛ إذ تلاحظ، بحسب محاضر التحقيقات التي تجريها السلطات الحدودية المصرية، أن غالبية المهاجرين من غير المصريين، أصبحت للسودانيين، بعد أن كان معظمهم من السوريين حتى يوليو (تموز) الماضي.
وفي إطار جهودها للحد من الهجرة غير الشرعية، عينت السلطات المصرية مساعدًا جديدًا لوزير الداخلية في محافظة مطروح، هو اللواء هشام لطفي. كما أوكلت منذ العام الماضي مهمة إدارة المحافظة لمحافظ يحظى بخبرة أمنية كبيرة، هو اللواء علاء أبو زيد الذي كان مديرًا للمخابرات الحربية في المنطقة الغربية.
وتنتشر فنادق الدرجة الثالثة في عدة أزقة وشوارع خلفية بالمدينة، لكن قوات الأمن المصرية داهمت الكثير منها في إطار ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين والعناصر الخارجة عن القانون. ويقول أحمد عبد الله الذي يدير فندقًا مطليًا باللون الأحمر في شارع المغاربة، إنه استقبل منذ نهاية الشتاء الماضي، ما لا يقل عن 300، غالبيتهم من السوريين الذين كانوا يريدون التسلل إلى ليبيا، لأن الحدود مغلقة بين البلدين بسبب المشكلات الموجودة هناك. ويضيف أن السمسار الذي كان يجلب له المهاجرين توقف عن ذلك خوفًا من الشرطة. وقال محقق في مديرية الأمن بمدينة مرسى مطروح، إن «المديرية قامت بالتعاون مع قوات الجيش على الحدود، بضبط مئات المهاجرين وهم يتجمعون بواسطة سماسرة استعدادًا للتسلل إلى داخل ليبيا. ومعظم المصريين الذين كانوا يستعدون للهجرة قادمون من محافظة المنيا، وهي من المحافظات الفقيرة الموجودة في جنوب القاهرة، يليها محافظة سوهاج فأسيوط بالصعيد». وتابع أن «من جرى استجوابهم لا يفصحون عن وجهتهم النهائية وهي ركوب البحر للوصول إلى أوروبا، ولكن يقولون إنهم ذاهبون للعمل في ليبيا».
ويضيف أن «ليبيا تعاني من الفوضى ولا يوجد فيها فرص عمل، بالإضافة إلى أن الحدود الرسمية بين البلدين، مغلقة. ويركب المهاجرون الصعاب عبر الصحراء ثم القوارب الخشبية للوصول إلى جزيرة لمبيدوزا في إيطاليا التي تعد الهدف الأول للرحلة لقربها من السواحل الليبية». وتقدر منظمات دولية عدد من ينتظرون في ليبيا للهجرة إلى أوروبا بأكثر من 700 ألف من جنسيات مختلفة هربًا من الاقتتال والفقر وعدم الاستقرار في بلادهم الأصلية.
أما بالنسبة للجنسيات الأخرى التي تغامر بقطع ألوف الكيلومترات لركوب البحر من ليبيا بعد التوقف لبضعة أيام في المحطات الحدودية، فهي بالترتيب من السودان، وإريتريا، والصومال، ثم من سوريا وفلسطين، مع ملاحظة أن هذه النسب تتغير لظروف تتعلق بسهولة أو وعورة الدخول إلى مصر والانتقال، من القاهرة، عبر نحو 500 كيلومتر إلى المدن القريبة من ليبيا. ومن الطريف العثور على بعض المهاجرين القادمين من بلدان بعيدة مثل «جزر القمر» التي تقع في المحيط الهندي، قرب الساحل الشرقي لأفريقيا. كان المهاجرون يصلون من بلدات مصرية مختلفة، إلى مرسى مطروح، في مجموعات صغيرة، لا تزيد المجموعة على 14 فردًا، هي عدد مقاعد حافلات الأجرة (المعرفة باسم الميكروباص). وبعد عدة أيام من الإقامة، تبدأ سيارات ربع نقل دفع رباعي، من موقف يقع قرب منطقة «سوق ليبيا»، غرب المدينة، في عملية شحن خليط المهاجرين، بناء على أحد اثنين من خطوط السير.
الأول ينطلق عبر الطريق الدولي الشمالي ويصل إلى مدينة السلوم، التي يقابلها على الجانب الآخر من الحدود مدينة إمساعد الليبية. وتبلغ المسافة من مرسى مطروح إلى إمساعد نحو 250 كيلومترًا. ويضطر المهاجرون لعبور حوالي سبعة كيلومترات من الوديان والمرتفعات مشيًا على الأقدام ليلا خوفًا من نقاط المراقبة الحدودية. والطريق الثاني من خلال المحور الجنوبي، الذي يصل مرسى مطروح بواحة سيوة، ويبلغ طوله 300 كيلومتر. ويوجد في مقابل سيوة، واحة جغبوب داخل الأراضي الليبية. ويعبر المهاجرون مسافة لا تزيد على ثلاثة كيلومترات، إلى جغبوب، ومنها إلى إمساعد.
ولا يوجد في إمساعد فنادق بالشكل المعروف، إلا أن الغرباء يقيمون عادة في منازل يطلق عليها «شقق فندقية» يقع معظمها في ظهر الطريق الرئيسي بالمدينة الصغيرة. وكان رواد هذه المنازل من التجار والعمال، إلا أن الكساد وشلل التجارة في المدينة، بسبب الاضطرابات الأمنية في ليبيا، جعل أصحابها يتجهون لتأجيرها للمهاجرين. وتمكنت السلطات الليبية من توقيف عشرات من هؤلاء، مما دفع سماسرة الهجرة إلى استبدالها بمنازل تقع في وسط التجمعات السكنية المنتشرة على بعد عدة كيلومترات في جنوب إمساعد.
ومن إمساعد تبدأ عملية نقل المهاجرين إلى داخل ليبيا، وفقًا لما جرى التعاقد عليه مع السماسرة. ويقول ضابط ليبي من كتيبة عمر المختار المرابطة قرب الحدود المصرية، ويدعى المقدم مرزوق، إن «هناك من ينتقل إلى السواحل الغربية لطبرق، ومن يوغل أكثر إلى مدن درنة وبنغازي وطرابلس وحتى بلدة زوارة قرب الحدود مع تونس، وهي مدينة يفد إليها مهاجرون آخرون من الحدود الجنوبية والغربية في ليبيا».
وشاركت دورية المقدم مرزوق في ضبط 230 مهاجرًا غير شرعي خلال الأسابيع القليلة الماضية كان معظمهم يقيمون إقامة مؤقتة بين إمساعد وطبرق. وجرى إخطار فرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي الموجود على جانب الحدود. وقامت السلطات هناك بوضعهم في مركز للإيواء ومعالجة المرضى منهم قبل اتخاذ إجراءات بإعادتهم إلى بلادهم أو الدولة التي جاءوا منها.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تعد مدينة مرسى مطروح الواقعة على البحر المتوسط بجوار ليبيا، مصيفًا مصريًا يستقبل مئات الألوف من الزوار سنويًا، ولا يوجد فيها عادة موضع لقدم، إذ يشغل المصطافون القادمون من المدن الكبرى، غالبية الفندق والشقق المفروشة. لكن أسعار المبيت للمهاجرين غير الشرعيين، دفعت عدة فنادق صغيرة، لتخصيص الغرف والخدمة لهم قبل أن يقاطعها المهاجرون خوفًا من الشرطة.
وتختلف عملية سداد الأموال مقابل تأجير أماكن إقامة المهاجرين إقامة مؤقتة. ويقول حسين، وهو سمسار مصري يعمل في جلب الراغبين في الهجرة من مدينة القاهرة إلى مرسى مطروح، إن السوريين يفضلون سداد قيمة الرحلة كاملة بما فيها أجرة السكن، حيث إن إجمالي الرحلة حتى إمساعد يبلغ نحو ألفي دولار في المتوسط، مشيرًا إلى أن مداهمة الشرطة لعدة فنادق كانت تستقبل المهاجرين، أربك الحسابات.. «التعامل مع الفنادق كان أسهل لأنها محددة ومعروفة. نعرفهم ويعرفوننا. أقول لهم ستأتيكم جماعة تتبعني.. خلاص. يسكنون في الفندق ونحن نحاسبه فيما بعد، أما استئجار البيوت الأهلية، فالمحاسبة صعبة. يريدون الأجرة مقدمًا».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.