دمشق تعلن بدء استخدام أسلحة روسية جديدة.. و«البنتاغون» يشير إلى «مركز عمليات جوية»

خبير عسكري لـ {الشرق الأوسط}: هدف موسكو تثبيت القوات المرابضة حول العاصمة والساحل

صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)
صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)
TT

دمشق تعلن بدء استخدام أسلحة روسية جديدة.. و«البنتاغون» يشير إلى «مركز عمليات جوية»

صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)
صورة عبر الأقمار الصناعية التقطتها شركة ستراتفور للاستخبارات الجيوسياسية والاستشارات في أوستن، تكساس، تظهر طائرة النقل الروسية AN-124 كوندور في قاعدة جوية في اللاذقية على الساحل السوري الذي تسيطر عليه الحكومة (رويترز)

قال مصدر عسكري سوري، أمس، إن القوات الحكومية السورية بدأت في الآونة الأخيرة استخدام أنواع جديدة من الأسلحة الجوية والأرضية المقدمة من روسيا، ما يمثّل تأكيدًا للدعم الروسي المتنامي لدمشق الذي شكّل مصدر قلق للولايات المتحدة. وقال مسؤولون في موسكو: «على واشنطن إجراء محادثات بين عسكريين» تفاديًا لأي احتكاك ميداني بين الدولتين.
وأكد مصدر عسكري أميركي، إن الولايات المتحدة رصدت بضع طائرات هليكوبتر روسية في مطار سوري في أحدث علامة على ما تعتقد واشنطن أنه وجود عسكري روسي في البلد الذي تعصف به حرب أهلية.
وقال المسؤول لـ«رويترز»، إنه تم التعرف على أربع طائرات هليكوبتر روسية بعضها قتالية رغم أنه من غير الواضح متى وصلت إلى سوريا. هذا في الوقت الذي لم يوضح فيه المصدر السوري طبيعة الأسلحة التي تحدث عنها، وفي ما إذا كانت من ضمن المجموعة التي أعلنت وسائل إعلام روسية أخيرًا، أنها قدمت لقوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهي عبارة عن 6 طائرات حربية من نوع «ميغ – 31»، وصواريخ «كورنيت» من الجيل الخامس، ومدفعية من عيار 130 ملليمترًا.
ويتحدث ناشطون عن أسلحة جديدة أدخلها النظام إلى الميدان السوري، بينها كاسحة الألغام الروسية UR - 77 التي انتشرت فيديوهات تثبت استخدامها في معركة جوبر، قائلين إنها من الأسلحة الروسية النوعية التي دخلت الميدان السوري عام 2014.
في غضون ذلك، وصف المصدر العسكري السوري، أمس، الأسلحة، بأنها ذات فعالية ودقة عالية. وقال في تصريحات لوكالة «رويترز» إن الجيش بدأ استخدامها خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد أن تدرب على استخدامها في سوريا في الشهور الأخيرة.
وقال المصدر ردًا على سؤال بشأن الدعم العسكري الروسي لسوريا: «يتم تقديم أسلحة جديدة وأنواع جديدة من السلاح. يتلقى الجيش السوري تدريبًا على استخدام هذه الأسلحة. في الحقيقة بدأ الجيش باستخدام بعض هذه الأنواع». وتابع: «الأسلحة ذات فعالية كبيرة ودقيقة للغاية وتصيب الأهداف بدقة».
وفي ظل إحجام عن الإعلان عن طبيعة الأسلحة، يؤكد خبراء أن السلاح الروسي، لن يقتصر على صفقة الطائرات والصواريخ الأولى. وقال رئيس مركز «الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية» الدكتور هشام جابر، إن التقارير الأميركية تشير بوضوح إلى وصول عربات مدرعة، وصواريخ وذخائر ولوجستية تنقل عبر الطائرات، مشيرًا في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «القوات الحكومية وبعد 4 سنوات من الحرب، خسرت أكثر من 40 في المائة من قدراتها البرية، بينما خسرت أكثر من 20 في المائة من قدراتها الجوية، نتيجة خسارة مطارات، وهو ما تحاول موسكو تعويضه في الصفقات الجديدة».
وأشار إلى أن روسيا «ستزود القوات السورية بمروحيات هجومية من نوع (مي 28) المخصصة للهجمات الليلية، فضلاً عن صواريخ متطورة ومتقدمة تدخل منظومة الدفاع الجوي مثل sa22 لزيادة فعالية السلاح الجوي»، فضلاً عن صواريخ مضادة للدروع وصواريخ جوية ذات الإصابات الدقيقة. ورأى جابر أن الإعلان الروسي، يليه الإعلان السوري «يدخل في إطار الحرب النفسية وإرسال رسائل روسية بأن سوريا خط أحمر بالنسبة لها»، معتبرًا أن الإعلان عن الأسلحة «هو عرض عضلات يشير إلى أن موسكو لن تتخلى عن حصتها في سوريا ووجودها في طرطوس، في حال انهيار مفاجئ للنظام».
وقال جابر، وهو عميد متقاعد من الجيش اللبناني، إن هذه الترسانة «تعوّض عن التراجع بالكادر البشري المقاتل في صفوف القوات النظامية»، مشددًا على أن هدف موسكو هو «تثبيت القوات المرابضة حول العاصمة والساحل، كون دمشق مهددة نتيجة معارك تحيط بها، كما أن اللاذقية مهددة في حال أي خرق من جهة جسر الشغور».
وأوضح جابر أن القوات الحكومية «تعاني نقصًا في العديد نتيجة عدم الالتحاق بالخدمة، وخسارة النظام لنحو 60 ألف مقاتل في صفوفه»، يُضاف إلى أنها «فقدت التفوق بالأسلحة البرية أمام أسلحة المعارضة التي كشفتها معركة إدلب»، مشيرًا إلى أن «جبهة النصرة كانت تمتلك 250 صاروخ تاو، استخدمت منها 120 في معركة السيطرة على إدلب وجسر الشغور، مما أدى إلى إعطاب آليات القوات الحكومية، وهو ما دفع بروسيا إلى رفده أيضًا بأسلحة متطورة للقوات البرية». وإلى جانب الإمدادات العسكرية الروسية للجيش السوري تزيد موسكو من عدد قواتها البرية في سوريا التي سقط في حربها الأهلية على مدى أربع سنوات نحو 250 ألف قتيل.
وعلق مصدر سوري معارض بريف حلب لـ«الشرق الأوسط»، بقوله، إن القوات النظامية «لا تنقصها الأسلحة المتطورة، وتتفوق ترسانتها بأضعاف على ترسانة المعارضة، ومع ذلك لم تستطع أن تحقق تقدمًا في الميدان السوري». وقال إن الإعلان عن أسلحة جديدة «هو دعائي بالمقام الأول، لتطمين جمهوره بعد سلسلة انتكاسات تعرض لها».
من ناحيتها، قالت وزارة الدفاع الأميركية، إن إرسال روسيا معدات وأفراد، يشير إلى استعدادات لإقامة مركز عمليات جوية في سوريا، حيث يشن ائتلاف تقوده الولايات المتحدة ضربات جوية ضد تنظيم داعش.
وتضمنت تقييمات أميركية سابقة بأن روسيا أرسلت نحو 200 من مشاة البحرية ودبابات قتالية ومدفعية ومعدات أخرى إلى مطار قرب مدينة اللاذقية الساحلية وهي معقل للرئيس السوري بشار الأسد.
وكان الجنرال لويد أوستن قائد القيادة المركزية الأميركية في الحرب على «داعش»، قد قال أول من أمس، في جلسة أمام لجنة الشؤون العسكرية بمجلس الشيوخ، في إجابة حول التحركات الروسية في سوريا، قال الجنرال أوستن: «نشهد زيادة في بناء الإمكانات الروسية داخل سوريا ونحاول معرفة نياتهم، وهم يقولون إنهم يريدون مكافحة (داعش) لكننا لا نعرف على وجه الدقة نياتهم».
وأضاف قائد القيادة المركزية الأميركية: «نحن في مرحلة مبكرة لتفسير أسباب التحركات الروسية وهناك قنوات كثيرة للاتصال معهم وسنبقي يقظين لأننا نستخدم المجال الجوي السوري في ضربات جوية أميركية ضد (داعش) وسنحاول تجنب أي صدامات أو اشتباكات محتملة».
وشدد الجنرال أوستن على أن نظام الرئيس بشار الأسد لا يواجه أي تهديدات تهدد استمراره في حكم سوريا، وأضاف، أن النظام السوري لديه قدرة على البقاء بسبب الإمدادات العسكرية على الأرض والدعم الذي يحصل عليه من كل من روسيا وإيران.
وفي رد على سؤال، قال إن أربعة إلى خمسة مقاتلين سوريين فقط يقاتلون على أرض المعركة في سوريا من إجمالي 60 مقاتلاً سوريًا قامت واشنطن بتدريبهم. وأكد أوستن، أن البنتاغون يعمل على بحث خيارات وخطط لكيفية إعادة وضع برنامج لتدريب القوات السورية المعارضة لمحاربة «داعش»، وهو البرنامج الذي تم رصد 500 مليون دولار لتنفيذه، لكن المقاتلين السوريين الذين دربتهم واشنطن (عددهم يصل إلى 54 مقاتلاً سوريًا) تعرضوا للخطف والقتل على يد جبهة النصرة في يوليو (تموز) الماضي، وهو ما اعتبرته الدوائر السياسية فشلاً كبيرًا ونكسة في سياسية الإدارة الأميركية تجاه سوريا.
وفي إجابته عن أسئلة أعضاء اللجنة رفض الجنرال أوستن، فكرة إقامة منطقة حظر طيران في شمال سوريا أو منطقة آمنة لحماية اللاجئين السوريين، مشيرًا إلى أن ذلك سيتطلب وجود جنود أميركيين على الأرض.
وأثارت شهادة الجنرال أوستن غضب السيناتور جون ماكين رئيس اللجنة الذي وصف شهادة أوستن بإحراز تقدم أميركي في الحرب ضد «داعش» بأنها منفصلة عن الواقع، وكرر مرتين أنه خلال عمله ثلاثين عامًا لم يسمع شهادة مثل ذلك.
وقال ماكين: «لا يوجد توافق بين ما يقوله الجنرال أوستن من تقدم ضد (داعش) وما يقوله الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة الذي اعترف بعدم إحراز تقدم أميركي كبير ضد (داعش) ووصف وضع أميركا بأنه مأزق تكتيكي».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.