أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن الشباب هم الثروة الحقيقية في كل أمة «فهم الأغلبية عددًا، والطاقة الناشطة المتجددة دومًا، التي تمثل عصب التنمية وذخيرتها»، داعيا الأمة الإسلامية جميعها إلى العمل على تأهيل شبابها «علمًا وتقنية وفكرًا، بما يمكنها من تحرير موقعها الريادي في عالم اليوم، استئنافًا لدورها التاريخي في سالف عهدها»، وتحصين مسيرتهم عقائديا «بالتزام منهج صحيح الإسلام، القائم على الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والغلو والمغالاة»، وتحذيرهم في الوقت ذاته من الانصياع لدعاوى «الانسلاخ عن الدين، والطعن فيه، واتهامه بالتطرف والجمود والتخلف».
جاء ذلك ضمن الكلمة التي ألقاها نيابة عن الملك سلمان، الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز، مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة، أمس، في حفل افتتاح مؤتمر مكة المكرمة السادس عشر، الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي تحت عنوان «الشباب المسلم والإعلام الجديد»، في مقر الرابطة بمكة المكرمة.
وأكد خادم الحرمين الشريفين أن الضالين الحاقدين على الإسلام والمسلمين وجدوا غاياتهم في استقطاب الشباب، واختطاف عقولهم، والتغرير بهم عبر الإعلام الجديد «إما لانتهاج التطرف في دينهم أو الانسلاخ عنه، حتى رأينا بعين الأسى بعض شبابنا في عمر الزهور يساقون إلى تفجير أنفسهم في أكثر من موقع لبيوت الله ويقتلون الركع السجود»، وأنه في المقابل «رأينا بعض الأقلام المأجورة الموتورة تركب الموجة فتتهم الإسلام بأفعال هؤلاء وتدعو إلى الانسلاخ عنه»، منبها علماء الأمة المجتمعين في مكة المكرمة إلى أن أمتهم «تتطلع إلى القول الفصل منكم بوضع استراتيجية شاملة ملزمة لنا جميعا، دولاً وحكومات وأفرادًا، في مواجهة هذه الفتنة الكبرى».
من جانبه، أوضح الأمير خالد الفيصل، أن خادم الحرمين الشريفين شرفه بأنه ينوب عنه في افتتاح المناسبة، وكلفه بنقل تعازي السعودية ملكا وحكومة وشعبا من خلال المؤتمر إلى ذوي ضحايا حادث الحرم المكي الشريف «ونحسبهم عند الله في أعالي الجنان شهداء، وندعو دعاء خالصًا أن يجبر جل وعلا كسر المصابين، ويردهم إلى أهلهم سالمين غانمين». وفي ما يلي نص الكلمة الملكية:
«أيها الإخوة: لا مراء في أن الشباب هم الثروة الحقيقية في كل أمة، فهم الأغلبية عددًا، والطاقة الناشطة المتجددة دومًا، التي تمثل عصب التنمية وذخيرتها، في عالم يشتد فيه وطيس التنافس بين الأمم، لبناء حضارتها على اقتصاد المعرفة الذي أصبح لغة العصر بلا منازع، ومن يتخلف فقد حكم على نفسه بالقعود خلف مسيرة القافلة.
وفي خضم هذا السباق المحموم، يتوجب على أمة الإسلام أن تؤهل شبابها، علمًا وتقنية وفكرًا، بما يمكنها من تحرير موقعها الريادي في عالم اليوم، استئنافًا لدورها التاريخي في سالف عهدها.
وبموازاة ذلك، عليها تحصين مسيرتهم عقائديًا، بالتزام منهج صحيح الإسلام، القائم على الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والغلو والمغالاة، وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على الأمة، ويشوه صورة ديننا الإسلامي القويم في عيون الآخرين. كما عليها تحصينهم وتحذيرهم، في الوقت ذاته، من الانصياع لدعاوى الانسلاخ عن الدين، والطعن فيه، واتهامه بالتطرف والجمود والتخلف.
وإذا كان الإعلام التقليدي القديم قد لعب دورًا في توجيه الرأي العام، والتأثير في المكون الفكري للإنسان، فإن الإعلام الجديد بأنماطه وقنواته المتعددة، وسيولة حركته، وانتشاره عبر البث الفضائي الواسع المدى، والهواتف وأجهزة الاتصالات الذكية المتطورة التي أصبحت في متناول الجميع، قد تسيد الموقف حتى أصبح اللاعب الأول والأخطر تأثيرا في ترسيخ ما يبثه من قيم وقناعات لدى الشباب خاصة، باعتبارهم الشريحة الأكبر تعاملا معه، والأكثر تأثيرًا وتأثرًا به.
ومع التسليم بأن التوجه الصحيح لهذا الإعلام المنضبط بالصدقية والشفافية والحقائق الموثقة يحقق انتشار المعرفة الإيجابية المفيدة للإنسانية جمعاء، بالتواصل بين الأمم مع مستجدات العصر، وتحرير انتقال المعلومة النافعة بين أرجاء الأرض، فإن تأثيراته السلبية الخطيرة وعواقبه الوخيمة، في توجهه التآمري الخاطئ والمتعمد ضد الإسلام والمسلمين (خاصة)، ليست بالهينة، لأنه تيار (عولمي) يعج بالغث والسمين ممزوجين معًا، بحيث يصعب على العامة وقليلي العلم والخبرة من الشباب (خاصة) التمييز بينهما.
لذا فقد وجد الضالون والمضللون وكذا الحاقدون المغرضون على الإسلام والمسلمين غاياتهم في استقطاب الشباب واختطاف عقولهم والتغرير بهم عبر هذا الإعلام الجديد، إما لانتهاج التطرف في دينهم أو الانسلاخ عنه، حتى رأينا - بعين الأسى - بعض شبابنا - في عمر الزهور - يساقون إلى تفجير أنفسهم في أكثر من موقع لبيوت الله ويقتلون الركع السجود، وفي المقابل رأينا بعض الأقلام المأجورة الموتورة تركب الموجة فتتهم الإسلام بأفعال هؤلاء وتدعو إلى الانسلاخ عنه.
أيها الإخوة: لقد أدركت رابطة العالم الإسلامي هذا الخطر المحدق بالأمة ودينها الحنيف، فعقدت الدورة العاشرة لمؤتمركم الموقر تحت عنوان (مشكلات الشباب المسلم في عصر العولمة)، ثم تابعت الطرق بعقد دورتها الحادية عشرة عن موضوع (التحديات الإعلامية في عصر العولمة)، وها هي اليوم تنفذ إلى عمق معالجة المشكلة بانعقاد مؤتمركم الآني لبحث موضوع (الشباب المسلم والإعلام الجديد)، وتجمع له هذه النخبة من العلماء الأجلاء المتخصصين، وتنتقي المحاور الكفيلة بتسخير جهودهم في مجابهة هذا التحدي الخطير الذي يواجهنا جراء الغزو الفكري الذي يتربص بنا في منابر هذا الإعلام الجديد، سواء من داخلنا، أو بفعل أعدائنا في الخارج، الذين يخططون لهزيمة مشاريعنا الحضارية.
وها هي أمتكم تتطلع إلى القول الفصل منكم بوضع استراتيجية شاملة ملزمة لنا جميعًا، دولاً وحكومات وأفرادًا، في مواجهة هذه الفتنة الكبرى. وفقكم الله وسدد خطاكم وأثابكم خير الجزاء على ما تقدمون لأمتكم من جهد مخلص فاعل وأمين يخلص مسيرتها مما يحاك لها ولأبنائها في هذا الظرف الدقيق».
وألقى رئيس جامعة الأزهر الدكتور عبد الحي عزب عبد العال كلمة المشاركين في المؤتمر، والتي أوضح خلالها أن «أمة الإسلام يجمعها أكثر وأعظم بكثير مما يفرقها، ذلك أن العقيدة بأصولها تجمع الأمة، والدين بأركانه يعصمها، والشريعة بمقاصدها الإنسانية تعزها». وشدد على وجوب نبذ الفرقة والتشرذم والعمل على نبذ العصبية والعنصرية، وحث على الأخذ بيد الشباب للحيلولة بينهم وبين التطرف، وذلك ببث الفكر الوسطي ونشر مبادئ القيم والرحمة والسماحة واليسر.
كما ألقى الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، كلمة، أوضح فيها أن الرابطة اختارت عنوان المؤتمر موضوعًا لمؤتمر مكة المكرمة في هذا العام، استشعارًا منها لتعاظم تأثير الإعلام الجديد في حياة الأمة الفكرية والاجتماعية، واستجابة لما يوليه الدين الحنيف من العناية بفئة الشباب. وأشار إلى أن الشباب المسلمين يواجهون اليوم تحديات صعبة، وأصعبها ما يستهدف دينهم والقيم والمبادئ الإسلامية التي نشأوا عليها.
بينما أوضح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، مفتي عام السعودية رئيس المجلس الأعلى للرابطة، في كلمته، أن «الإعلام القديم كان يهتم بنقل المعلومة ولم تكن هناك أي خطورة على الشباب، لكن الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت خطرا على الشباب في تلقي الأفكار المنحرفة التي تؤدي بهم إلى الانحلال والتطرف، ولقد استغل بعض ضعفاء النفوس الإعلام الجديد لنشر الرذيلة والفساد».
خادم الحرمين: الحاقدون على الإسلام وجدوا غاياتهم في استقطاب الشباب عبر الإعلام الجديد
في كلمة له أمام مؤتمر مكة المكرمة ألقاها نيابة عنه الأمير خالد الفيصل
الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة في افتتاح مؤتمر «الشباب المسلم والإعلام الجديد» بمقر رابطة العالم الإسلامي وإلى جانبه مفتي عام السعودية وأمين عام الرابطة ورئيس جامعة الأزهر (تصوير: أحمد حشاد)
خادم الحرمين: الحاقدون على الإسلام وجدوا غاياتهم في استقطاب الشباب عبر الإعلام الجديد
الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة في افتتاح مؤتمر «الشباب المسلم والإعلام الجديد» بمقر رابطة العالم الإسلامي وإلى جانبه مفتي عام السعودية وأمين عام الرابطة ورئيس جامعة الأزهر (تصوير: أحمد حشاد)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

