قتال ضارٍ في بلدة استراتيجية بين شمال اليمن وجنوبه

مديرية مكيراس اهتم بها البريطانيون إبان احتلالهم لعدن

يمنيون يسيرون قرب مقر عسكري تابع للحوثيين دمره طيران التحالف في صنعاء أمس (أ.ف.ب)
يمنيون يسيرون قرب مقر عسكري تابع للحوثيين دمره طيران التحالف في صنعاء أمس (أ.ف.ب)
TT

قتال ضارٍ في بلدة استراتيجية بين شمال اليمن وجنوبه

يمنيون يسيرون قرب مقر عسكري تابع للحوثيين دمره طيران التحالف في صنعاء أمس (أ.ف.ب)
يمنيون يسيرون قرب مقر عسكري تابع للحوثيين دمره طيران التحالف في صنعاء أمس (أ.ف.ب)

من المناطق التي تشهد مواجهات عنيفة بين قوات الجيش الوطني وقوات المتمردين، مديرية مكيراس، وهي واحدة من البلدات ذات المواقع الاستراتيجي، لعبت في الماضي دورًا في الصراعات المسلحة بين شطري البلاد، وما زالت تلعب هذا الدور حاليًا، كما أنها كانت محور اهتمام البريطانيين إبان احتلالهم لعدن.
مكيراس بلدة ريفية، توصف بكونها جنوبية - شمالية، ذلك أنها تقع على طول سلسة جبار الكور، وهي سلسلة جبلية تمتد من يافع إلى شبوة، وتعد من أهم البلدات الزراعية في أبين. ترتفع عن سطح البحر 2170 مترا ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 45 ألف نسمة على امتداد مساحة 1153 كيلومترًا، وكانت إبان دولة الجنوب السابقة تتبع محافظة أبين ليتم ضمها إداريا بعد وحدة العام 1990 إلى محافظة البيضاء التي تبعد عنها 20 كيلومترًا.
أنشأ فيها البريطانيون مطارًا جويًا لنقل المواد الغذائية إلى مكيراس عاصمة المدينة، ومنها يتم نقل الخضراوات والفواكه التي كانت وما زالت تنتجها مكيراس، إلى عدن عاصمة اليمن الجنوبي سابقًا. وقبل الوحدة الاندماجية التي تمت بين جنوب اليمن وشماله بأعوام، عبد الصينيون عقبة ثرة الشاهقة التي تربط عاصمة السلطنة العوذلية لودر مع مكيراس التي تعد جزءًا من سلطنة العواذل في أبين شمال شرقي عدن.
وقال الإعلامي صالح أبو عوذل، لـ«الشرق الأوسط»، إن ميكراس ذات موقع استراتيجي وتعد بالنسبة للجنوبيين رمزًا وطنيًا وجغرافيًا؛ فهي تقع على حدود التماس مع الجمهورية العربية اليمنية، وكان يوجد فيها منفذ دولي يسمى المآذن. وأضاف أبو عوذل أن مكيراس سقطت عقب خيانة من قبل «لواء المجد» الذي كان أكد للرئيس عبد ربه منصور هادي أنه سيقف مع الشرعية، لكنه انقلب وأسقط مكيراس من خلف المقاومة التي كانت تشكل خط دفاع على الحدود السابقة، مشيرًا إلى أن أهل مكيراس خاضوا معارك عنيفة في مواجهة غير متكافئة مع الميليشيات الحوثية وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، سقط على إثرها عشرات القتلى والجرحى بينهم الشيخ سالم علي البركاني، لتسقط مكيراس وتسقط بعدها لودر بعد نحو 14 يومًا من المواجهات. وتابع أنه «نتيجة لعدم وصول أي دعم عسكري أو لوجستي للمقاومة هناك، خصوصًا أن أهالي لودر ومكيراس ودثينة والنخعين، خرجوا من حرب طويلة مع تنظيم القاعدة منذ عام 2011، ناهيك بأن السلاح الذي أنزله التحالف في لودر تم الاستيلاء عليه من قبل بعض القبائل التي رفضت القتال، بتواطؤ من بعض قيادات المقاومة في لودر».
وأكد أن المقاومة الجنوبية تخوض معارك شرسة في مكيراس ضد قوات الحوثي وصالح، وقد كبدت المقاومة تلك الميليشيات والقوات المرتبطة بطهران، على حد قوله، خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، لعل أبرزها العمليات النوعية التي قامت بها المقاومة الجنوبية في مكيراس يوم 4 سبتمبر (أيلول) الحالي، حيث قتلت أكثر من 50 عنصرًا من تلك الجماعات المسلحة، مضيفًا أن المقاومين الجنوبيين في مكيراس، يخوضون معارك شرسة بأسلحة قديمة، ويفتقرون للسلاح النوعي في مواجهة العدوان الذي يملك أسلحة ومعدات ضخمة.
وحول الوضع الإنساني الذي تعيشه المنطقة الحدودية، أكد أبو عوذل أنه وحتى اللحظة لم تصل أي منظمات حقوقية أو داعمة إلى مكيراس لرصد الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها الحوثيون وقوات صالح، حيث قتل العشرات من النساء والأطفال في أعمال قصف عشوائية طول 33 يومًا من المعارك في ظل نزوح جماعي لمئات الأسر من المنطقة جراء اشتداد المعارك بين الميليشيات ورجال المقاومة الجنوبية. وفي الأخير، أعرب عن أمله في أن تسعى الحكومة اليمنية وقوات التحالف العربي، لتحرير مكيراس والبيضاء حتى تتمكن القوات من التحرك ناحية العاصمة صنعاء عقب تأمين مناطق الخلف أو الظهر، على حد اعتقاده.
بدوره، جدد المكتب الإعلامي لـ«حلف قبائل العواذل» في بيان تأكيده أن «المقاومة الجنوبية مستمرة في قتال ميليشيات قوات العدوان في مكيراس وكبدتها خسائر فادحة بالأرواح والعتاد»، مشيرًا إلى أن المقاومة تمكنت خلال اليومين الماضيين من تحرير بعض المواقع في مكيراس عقب معارك شرسة مع ميليشيات الحوثي وصالح. وأشار البيان إلى أن «الخسائر التي مني بها العدو في مكيراس في تزايد مستمر، لعل أبرزها ما تعرضت له ميليشيات العدوان مؤخرًا من عمليات خاطفة للمقاومة أدت إلى مقتل وجرح العشرات من الميليشيات في مناطق عريب ومكيراس وبركان، والمقاومة الجنوبية مستمرة في تحقيق انتصاراتها، رغم عدم وجود أي دعم، حيث إن الدعم العسكري الذي يصل للجبهات لم يصل بالشكل المطلوب إلى جبهات القتال».
ووصف البيان الوضع الإنساني في لودر ومكيراس بأنه مزر للغاية، حيث إن المواطنين النازحين لم يحصلوا على أي دعم، و«لدى المكتب الإعلامي للحلف معلومات يجري التحقق منها مفادها أن المعونات الإنسانية تم بيعها من قبل إحدى الشخصيات في مدينة لودر». وتابع البيان أن «لودر ومكيراس تعرضتا منذ عام 2012 لتدمير ممنهج جراء الصراعات المسلحة التي كانت أرضنا ساحة لها، بدلاً من أن تكون في منطقة أخرى، لكن رجال القبيلة تمكنوا من طرد الجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة بالتعاون مع قبائل دثينة الإبطال، الذين وقفوا إلى جانب لودر بكل بسالة وقدموا الشهيد تلو الشهيد من أجل أن تبقى لودر مجمع القبل في أمن واستقرار». وأكد أن الحرب الراهنة مع الميليشيات كانت أشد دمارًا من الحرب التي سبقت، حيث أمعنت قوات العدوان على قصف مساكن المدنيين في لودر ومكيراس مما تسبب في سقوط المئات بين القتلى والجرحى غالبيتهم نساء وأطفال. وأشار إلى أن «آخر تلك الجرائم المرتكب بحق المواطنين هي جريمة قصف منزل لأحد المواطنين في مكيراس مما تسبب في استشهاد 9 نساء ورجلين، كما سبقها قصف مساكن للمدنيين في قرية عرفان مما أدى إلى استشهاد وجرح عدد من المواطنين بينهم رجل وزوجته». واستغرب البيان الصمت المحلي والدولي والإقليمي تجاه الأوضاع الإنسانية في لودر ومكيراس، وعدم وصول أي عدم إلى المواطنين في مكيراس ولودر، مضيفًا أن مستشفى لودر يعاني الكثير في نقص الأدوية، في حين أن عددًا من الجرحى لم يتلقوا العلاج بالشكل المطلوب والبعض لم يتم نقله إلى أي مستشفى.
وتسببت أعمال القصف العشوائية لميليشيات الحوثي وقوات صالح على مساكن المدنيين في مكيراس وأجزاء من لودر في موجة نزوج للسكان، عقب عمليات قصف خلفت مقتل وجرح العشرات من المدنيين بينهم نساء وأطفال. وأكد المكتب الإعلامي أن هناك أسرًا تعيش في العراء جراء عدم تمكنها من الحصول على مساكن.



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.