الاحتياطي الفيدرالي يراوغ من أجل رفع الفائدة قبل نهاية العام

جانيت يلين أكدت أن لديها الأدوات اللازمة لرفع المعدلات عندما يصبح الأمر ملائمًا

جانيت يلين وستانلي فيشر (أ.ب)
جانيت يلين وستانلي فيشر (أ.ب)
TT

الاحتياطي الفيدرالي يراوغ من أجل رفع الفائدة قبل نهاية العام

جانيت يلين وستانلي فيشر (أ.ب)
جانيت يلين وستانلي فيشر (أ.ب)

من السهل أن تنظر بثقة إلى قدرة مصرف الاحتياطي الفيدرالي، الذي يعد بمثابة المصرف المركزي للولايات المتحدة الأميركية، على رفع أسعار الفائدة. وحتى في أوساط المتشككين في قدرة مسؤولي المصرف على اختيار اللحظة المثالية للشروع في رفع معدلات الفائدة للمرة الأولى منذ عام 2008، لا تشك الغالبية في القدرة الفنية للمصرف على القيام بذلك، خصوصا بالنظر إلى تاريخها الطويل.
لذا، فإن الكثيرين قد يندهشون لدى معرفتهم بأن هذا المحرك القديم لعجلة الاقتصاد أصابه عطل. وعندما يقرر مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» أن الوقت قد حان لرفع معدلات الفائدة - ربما هذا الأسبوع، لكن يبقى الاحتمال الأكبر أن يحدث ذلك لاحقًا خلال العام الحالي - فإنهم سيعتمدون في تنفيذ زيادة أسعار الفائدة على منظومة جديدة جرى تشكيلها من قطع غيار.
والملاحظ وجود اتفاق عام في أوساط الخبراء الاقتصاديين ومحللي السوق حول أن خطط «الاحتياطي الفيدرالي» تبدو منطقية، نظريًا.
وقد عكف فريق بقيادة سيمون بوتر، الأكاديمي السابق الذي يترأس حاليًا مكتب شؤون السوق التابع للهيئة في نيويورك، على اختبار وتعديل تفاصيل خطط «الاحتياطي الفيدرالي» من خلال نقل مليارات الدولارات عبر أرجاء النظام المالي.
ومع ذلك، فإن للأسواق المالية تاريخ طويل في تدمير أفضل الخطط.
في الواقع، المخاطر القائمة حاليًا هائلة، خصوصا في ظل مسؤولية «الاحتياطي الفيدرالي» عن الإبقاء على النمو الاقتصادي عند مستوى متوازن، مما يعني الحفاظ على معدلات البطالة عند الحد الأدنى والإبقاء على معدلات تضخم متوسطة.
ويميل «الاحتياطي الفيدرالي» للعمل على نحو متحفظ وإقرار التغيير ببطء، وذلك لأنه عندما يخطئ تدفع البلاد بأكملها الثمن.
ومع ذلك، وجد المصرف نفسه مضطرًا لخوض تجارب، حيث أدت حملة المحفزات الهائلة التي أطلقها ردًا على الأزمة المالية التي ضربت البلاد عام 2008، لتغيير علاقته بالأسواق المالية، حيث ضخ المصرف كميات ضخمة للغاية من الدولارات بالنظام لدرجة أنه لم يعد بمقدوره سحب ما يكفي من المال لتغطيه الإقراض، وهو توجهه التقليدي.
بدلاً من ذلك، ينوي «الاحتياطي الفيدرالي» ضخ مزيد من المال في هذه المشكلة، حيث سيدفع للمقرضين كي لا يقدموا قروضًا.
كما خلص المصرف، الذي أصبح منغمسًا في النظام المصرفي، إلى أن العمل من خلال المصارف لم يعد كافيًا للتأثير على الاقتصاد بصورة أوسع. وعليه، فإنه ينوي تعزيز سلطته عبر العمل مباشرة مع مجموعة واسعة من المقرضين.
من ناحيتهم، أعرب مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» مرارًا عن ثقتهم في أن الخطة ستنجح. على سبيل المثال، قالت جانيت يلين، رئيسة المصرف، خلال حديث لها أمام الكونغرس في وقت سابق من العام: «اللجنة على ثقة في امتلاكها الأدوات اللازمة لرفع معدلات الفائدة على المدى القصير عندما يصبح من الملائم القيام بذلك»، في إشارة إلى «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة»، التي تمثل الكيان المسؤول عن صياغة سياسات المصرف.
من جهته، قال بوتر في كلمة ألقاها أخيرًا، إنه في حال عدم نجاح التوجه الجديد، فإن هذا الفريق من الآليات النقدية «يقف على استعداد للمضي في الابتكار» حتى يحقق النجاح.
يُذكر أن مكتب شؤون الأسواق في نيويورك التابع لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يتولى تطبيق السياسية النقدية منذ منتصف ثلاثينات القرن الماضي.
خلال السنوات التي سبقت «الكساد الكبير»، مارس المكتب نفوذًا كبيرًا على الاقتصاد الأميركي، من خلال سيطرته على سوق صغيرة كان يمكن للمصارف في إطارها اقتراض المال لليلة واحدة.
من جانبه، يلزم «الاحتياطي الفيدرالي» المصارف بتجنيب احتياطيات بحيث تمثل نسبة محددة مقارنة بالودائع التي تقبلها المصارف من عملاء. ويمكن الاحتفاظ بالاحتياطيات في صورة نقد أو في حساب لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، وباستطاعة المصارف التي تحتاج لأموال نهاية يوم ما الاقتراض من مصارف تتمتع بفائض.
قبل أزمة 2008، سيطر «الاحتياطي الفيدرالي» على معدلات الفائدة الخاصة بهذه القروض عبر تنظيم المعروض من الاحتياطيات. وكان المصرف يخفض معدلات الفائدة من خلال شراء سندات الخزانة من مصارف وتسليف حساباتها، وزيادة العرض من الاحتياطيات. وقد زاد «الاحتياطي الفيدرالي» معدلات الفائدة من خلال بيع سندات خزانة للمصارف وإنقاص حساباتها.
مع وقوع أزمة 2008، نشط المصرف طاقاته لأقصى حد، حيث اشترى ما يكفي من أوراق مالية، وضخ احتياطيات كافية داخل النظام المصرفي لدفع معدلات الفائدة على القروض قصيرة الأجل لمستوى الصفر تقريبًا.
والآن، تدفع الحكومة الفيدرالية «دايم» لاقتراض «1000» دولار لشهر واحد. وتدفع الشركات التي تتميز باعتمادات جيدة دولارًا واحدًا لاقتراض «1000» دولار من أموال سوق المال ومستثمرين آخرين.
إلا أن المصرف لم يتوقف عند هذا الحد، وإنما استمر في شراء سندات خزانة وسندات رهن للحد من الملاذات الآمنة، ودفع الأموال باتجاه الاستثمارات الأعلى مخاطرة التي قد يحفز النشاط الاقتصادي. وترتب على ذلك، مضي «الاحتياطي الفيدرالي» في توسيع نطاق المعروض من الاحتياطيات.
ومن بين التداعيات التي ترتبت على ذلك أن أغرق المال النظام المصرفي بصورة شبه هزلية. في يونيو (حزيران) 2008، كان لدى المصارف قرابة 10.1 مليار دولار في حساباتها الفيدرالية. أما الآن، فيبلغ الإجمالي 2.6 تريليون دولار.
على سبيل المثال، كان لدى «بانك أوف أميركا» 388 مليون دولار في حسابه الفيدرالي بنهاية يونيو 2008.
بعد سبع سنوات، بحلول نهاية يونيو 2015، كان يمتلك 107 مليارات دولار.
وبإمكان المصرف مضاعفة حجمه مرة ومرتين، وتبقى لديه احتياطيات تفوق احتياجاته.
وعليه، فإن «الاحتياطي الفيدرالي» سيتعين عليه بيع الجزء الأكبر من الأوراق المالية التي كدسها قبل أن تبدأ أسعار الفائدة على المدى القصير في الارتفاع.
بيد أن الإقدام على البيع السريع قد يسبب مشكلات بالأسواق، بينما سيسفر البيع البطيء عن السماح بتفاقم درجة حرارة الاقتصاد لسخونة مفرطة. لذا، قرر المصرف التوصل لطريق ثالث.
بدلاً من تجفيف كل المال الزائد، قرر «الاحتياطي الفيدرالي» تجميده، من خلال دفع أموال للمصارف مقابل الامتناع عن تقديم قروض.
جدير بالذكر أنه على مدار الأعوام السبعة الماضية، شجع «الاحتياطي الفيدرالي» على خوض المخاطر في خضم حملته لزيادة معدلات التوظيف والنمو الاقتصادي.
من خلال الشروع في زيادة معدلات الفائدة، يرمي «الاحتياطي الفيدرالي» لتثبيط الإقدام على المخاطر تدريجيًا.
ويتمثل الجزء الواضح في هذه الخطة في العمل على تثبيط المصارف عن تقديم قروض.
وفي خطوة عرضية، مرر الكونغرس قانونًا قبيل وقوع الأزمة المالية سمح لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بدفع أسعار فائدة على الاحتياطيات التي تبقيها المصارف لديه. كان هذا القانون قد صيغ في الأصل كمحاولة لكسب ود الصناعة المصرفية، لكنه بمرور الوقت تحول إلى الدعامة الجديدة للسياسة النقدية.
مثلاً، إذا رغب «الاحتياطي الفيدرالي» في رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى 1 في المائة، مما يعني أنه لا يرغب في إقدام المصارف على تقديم قروض بمعدلات فائدة دون ذلك، فإنه نظرًا لتخمة الاحتياطيات الهائلة في الوقت الراهن، ليس بإمكان «الاحتياطي الفيدرالي» بسهولة تقليص المعروض من المال. وعليه، فإنه ينوي بدلاً من ذلك السيطرة على السوق، عبر دفع فائدة بنسبة 1 في المائة إلى المصارف عن احتياطياتها لديه.
وبالتالي، لا يصبح لدى المصارف ما يدفعها لتقديم قروض بمعدلات فائدة دون ذلك.
وليس هذا بالأمر الهين، ذلك أنه منذ أزمة 2008، يدفع «الاحتياطي الفيدرالي» للمصارف معدل فائدة سنوي رمزي يبلغ 0.25 في المائة على احتياطياتها لديه. في العام الماضي فقط، بلغت تكلفة ذلك 6.7 مليار دولار، كان المصرف لولا هذا الإجراء سيسلمها للخزانة الفيدرالية.
مع رفع سعر الفائدة إلى 1 في المائة، سترتفع التكلفة إلى أربعة أضعاف هذا المبلغ. وتشير الإحصاءات إلى أن «الاحتياطي الفيدرالي» دفع قرابة 500 مليار دولار لوزارة الخزانة منذ عام 2008.
ومع رفع «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة، تشير بعض التوقعات إلى أنه قد لا يورد دولارًا واحدًا إلى وزارة الخزانة في بعض السنوات. بدلاً من ذلك، سيدفع «الاحتياطي الفيدرالي» عشرات المليارات إلى المصارف كي لا تستغل التريليونات التي سبق أن دفعها لها.

*خدمة «نيويورك تايمز»



خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
TT

خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

بينما ينشغل العالم بمراقبة تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، تنفجر أزمة صامتة في إمدادات «الغاز غير المرئي» الذي تعتمد عليه أحدث التقنيات البشرية... الهيليوم، الغاز الذي يعرفه الجمهور لقدرته على رفع بالونات الحفلات، هو في الواقع عنصر لا غنى عنه لصناعات استراتيجية تبدأ من أشباه الموصلات وإبقاء أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) قيد العمل وصولاً إلى صواريخ الفضاء ومكونات الطائرات المسيّرة العسكرية. فمن دون الهيليوم، تتوقف عجلة العصر الرقمي عن الدوران.

يعتمد قطاع الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على قطر في توفير الهيليوم الصناعي. فالهيليوم يُعدّ منتجاً ثانوياً لاستخراج الغاز الطبيعي المسال. وبما أن قطر من كبار مُصدّري الغاز الطبيعي المسال، فإنها تُعدّ المركز الرئيسي للهيليوم في العالم. ومع توقف الإمدادات القطرية، التي تمثّل وحدها نحو ثلث الإنتاج العالمي، بدأت ملامح اضطراب حاد تظهر في الأسواق. وعلى الرغم من أن مُصنعي الرقائق والمعدات الدفاعية لا يشعرون بالأثر الفوري نظراً إلى اعتمادهم على مخزونات مسبقة، فإن الموردين بدأوا بالفعل إخطار عملائهم بتخفيضات محتملة في الكميات وفرض رسوم إضافية، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

ويحذّر مدير الشؤون التجارية في شركة «بولسار»، كليف كين، من أننا أمام «حدث البجعة السوداء» الذي لطالما تخوف منه الجميع، مشيراً إلى أن الأزمة ستتحول إلى سباق محموم حول «من سيتمكن من الحصول على جزيئاته ومن سيفشل»، وفق «وول ستريت جورنال».

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» في مدينة رأس لفان الصناعية (رويترز)

مفارقة الندرة

تكمن خطورة الهيليوم في طبيعته الفيزيائية واللوجيستية؛ فهو ثاني أكثر العناصر شيوعاً في الكون بعد الهيدروجين، لكنه نادر جداً على كوكب الأرض، حيث يوجد بتركيزات ضئيلة داخل جيوب الغاز الطبيعي نتيجة لتحلل إشعاعي استغرق ملايين السنين.

وتقوم شركات الطاقة بفصله عن الميثان والنيتروجين، ثم شحنه سائلاً فائق التبريد، وهي عملية تقنية معقدة لا يمكن «تشغيلها» أو تعويض نقصها بضغطة زر. وبما أن إنتاج الهيليوم «مرتهن» تقنياً بإنتاج الغاز الطبيعي المسال، فإن أي تعثر في صادرات الغاز القطرية يعني توقفاً فورياً لإنتاج الهيليوم، وهو ما لا يمكن سد فجوته من مصادر أخرى بسرعة، نظراً إلى أن بناء منشآت الفصل يحتاج إلى سنوات من العمل المعقّد.

أدت صدمة المعروض إلى تحول جذري في سلوك السوق؛ فالمشترون الذين يعتمدون عادة على عقود طويلة الأجل، وجدوا أنفسهم يهرعون نحو السوق الفورية لتأمين شحنات شحيحة؛ ما أشعل «حرب مزايدة» تسببت في تضاعف الأسعار بأكثر من 100 في المائة.

زوار معرض «سيميكون الصين» التجاري لتكنولوجيا أشباه الموصلات (رويترز)

وتُعدّ كوريا الجنوبية، عملاق صناعة الرقائق، المتضرر الأكبر لاعتمادها الكثيف على الغاز القطري، حيث بدأت سيول بالفعل التواصل مع المنتجين في الولايات المتحدة لتأمين كميات إضافية. وفي خطوة تعكس عمق الأزمة، أعلنت شركة «إيرغاز» الأميركية العملاقة حالة «القوة القاهرة»، مبلّغة عملاءها أنها لن تفي إلا بـ50 في المائة من احتياجاتهم، مع فرض رسوم إضافية تصل إلى 13.5 دولار لكل 100 قدم مكعبة فوق السعر المتعاقد عليه.

رئة الذكاء الاصطناعي... والبدائل المستحيلة

في قلب «وادي السيليكون»، يلعب الهيليوم دور «المبرد الاستراتيجي» في تقنية الليزر (EUV) المستخدمة لحفر الدوائر المجهرية في رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل «إنفيديا بلاكويل». فمن دون هذا التبريد، تتدمر الويفرات السيليكونية فوراً.

ويقول مدير الأبحاث في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»، رالف غوبلر، إن «صدمة الهيليوم تسلط الضوء على هشاشة بناء الذكاء الاصطناعي، واعتماده المفرط على نقاط جيوسياسية مكشوفة». وفي ظل النقص الحالي، اضطر عمالقة مثل «SK Hynix» و«تي إس إم سي» للمفاضلة بين المنتجات، وتوجيه الكميات المتاحة لرقائق الذكاء الاصطناعي ذات الهامش الربحي العالي على حساب الإلكترونيات الاستهلاكية، مما يُنذر بقفزة في أسعار الهواتف والحواسيب عالمياً.

كابلات تملأ مركز بيانات بُني لتشغيل البرامج وإجراء اختبارات أخرى على رقائق الشبكات في كاليفورنيا (رويترز)

الطب والفضاء في دائرة الخطر

لا يقتصر الضرر على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد ليشمل القطاع الطبي أيضاً، حيث يحتاج كل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي إلى آلاف اللترات من الهيليوم السائل للتبريد، وقد أدى النقص المستمر إلى ارتفاع تكلفة الفحوصات الطبية عالمياً، مما يهدد كفاءة التشخيص في المستشفيات الكبرى.

وعلى صعيد استكشاف الفضاء، تستخدم مركبات إطلاق الصواريخ الهيليوم لضغط خزانات الوقود. وحالياً، تخضع جداول إطلاق الصواريخ لعام 2026 لعدد من شركات الفضاء الخاصة للمراجعة، مما قد يؤخر مهام استراتيجية وبعثات دولية كانت مبرمجة مسبقاً.

سباق ضد «التبخر»

إلى جانب التحديات الجيوسياسية، يواجه الهيليوم «عدواً زمنياً»؛ فالحاويات الكريوجينية المتطورة (تكلفة الواحدة مليون دولار) تملك فترة صلاحية تتراوح بين 35 و48 يوماً فقط قبل أن يبدأ الغاز بالتبخر (Boil-off) والضياع في الفضاء نتيجة ارتفاع الضغط. وحالياً، توجد مئات الحاويات عالقة في مياه المنطقة، مما يعني ضياع كميات هائلة من هذا المورد غير المتجدد.

ختاماً، تثبت أزمة الهيليوم الحالية حقيقة قاسية: المستقبل الرقمي الذي نراه في «السحابة» يعتمد في جوهره على استقرار ممرات مائية مادية هشة. وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتوقف منشآت «رأس لفان» القطرية التي قد يستغرق إصلاح أضرارها 5 سنوات، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تضطر إلى دخول مرحلة «سبات قسري» ما لم ينجح العالم في ابتكار طرق إبداعية لتدوير هذا الغاز النادر أو إيجاد بدائل استراتيجية لتأمين سلاسل التوريد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ماليزيا تتوقع نمواً أسرع في 2026 رغم تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود

مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
TT

ماليزيا تتوقع نمواً أسرع في 2026 رغم تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود

مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

أعلن البنك المركزي الماليزي يوم الثلاثاء، أن اقتصاد البلاد يسير على مسار متين لتحقيق نمو أسرع في عام 2026 مما كان متوقعاً سابقاً، رغم التحديات المرتبطة بالاضطرابات التجارية وارتفاع أسعار الوقود الناتج عن الصراع في الشرق الأوسط والتعريفات الأميركية.

ويتوقع البنك الآن أن يتراوح نمو الاقتصاد الماليزي بين 4 في المائة و5 في المائة هذا العام، بعد أن كان يتوقع سابقاً نمواً بين 4 في المائة و4.5 في المائة، مدعوماً بقوة الإنفاق الاستهلاكي، والطلب المستمر على صادرات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، واستقرار قطاع السياحة، وفقاً لوثائق التقرير السنوي لعام 2025.

وأشار البنك المركزي إلى أن سيناريوهات الحرب في الشرق الأوسط أخذت بعين الاعتبار عند صياغة توقعات النمو لعام 2026، محذراً من أن استمرار الصراع لفترة أطول سيشكل مخاطر على هذه التوقعات. وقال محافظ البنك، عبد الرشيد غفور، خلال مؤتمر صحافي: «إذا ساءت الأمور حقاً، فسنراجع توقعات النمو بالطبع وفقاً للحاجة».

وتأتي توقعات النمو المتفائلة في سياق الأداء القوي للاقتصاد الماليزي، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.2 في المائة في 2025، متجاوزاً توقعات الحكومة، مدعوماً بقيم قياسية في التجارة والاستثمارات المعتمدة. وأوضح عبد الرشيد أن قوة ماليزيا بوصفها مصدراً صافياً للطاقة والإصلاحات المالية التي نُفذت العام الماضي، من المرجح أن توفر بعض الحماية من الآثار الاقتصادية للحرب، وفق «رويترز».

ووفقاً للبنك، فإن الاقتصاد الماليزي يواجه الصراع من موقع قوة، مدعوماً بطلب محلي قوي، وتضخم معتدل، ونظام مالي سليم، ووضع خارجي متين. ويتوقع أن يظل التضخم معتدلاً خلال 2026، جزئياً بفضل السياسات الرامية لتخفيف أثر ارتفاع أسعار السلع والطاقة. وقد ارتفعت نفقات الدعم الحكومي بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب، إذ من المتوقع أن تصل الآن إلى 4 مليارات رينغيت (994 مليون دولار) شهرياً، للحفاظ على سعر ثابت لوقود النقل «رون 95»، مقارنةً بـ700 مليون رينغيت سابقاً، بالإضافة إلى تقديم مساعدات نقدية لبعض مشغلي مركبات الديزل.

وتتراوح تقديرات البنك لمعدل التضخم العام بين 1.5 في المائة و2.5 في المائة في 2026، مرتفعاً قليلاً من 1.4 في المائة في العام الماضي، فيما يُتوقع أن يتراوح التضخم الأساسي بين 1.8 في المائة و2.3 في المائة، مقارنةً بـ2 في المائة في 2025.

وأعلن «المركزي» أن لجنة السياسة النقدية على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي تطورات محتملة للصراع في الشرق الأوسط، لضمان استقرار الأسواق وإدارة مخاطر التقلبات المفرطة. وحافظ البنك على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.75 في المائة للاجتماع الرابع على التوالي هذا الشهر، بعد آخر خفض في يوليو (تموز) 2025.

وأكد عبد الرشيد أن التوقعات العامة للعملة الماليزية إيجابية، رغم التقلبات الناتجة عن الحرب، مشيراً إلى أن الرينغيت كان من بين أفضل العملات أداءً في آسيا خلال الـ12 شهراً الماضية، ووصل إلى أعلى مستوياته مقابل الدولار الأميركي منذ عام 2018 في فبراير (شباط)، رغم انخفاضه منذ بداية الصراع.


موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)

اقترحت كوريا الجنوبية، يوم الثلاثاء، موازنة حكومية تكميلية بقيمة 17.3 مليار دولار لدعم المستهلكين والشركات المتضررة من الحرب في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع حاد في أسعار النفط نتيجة الصراع الأميركي - الإسرائيلي على إيران، ما زاد من مخاطر النمو والتضخم على رابع أكبر اقتصاد في آسيا، الذي يُعدّ أيضاً رابع أكبر مستورد للنفط عالمياً، مستورداً نحو 70 في المائة من احتياجاته من الشرق الأوسط.

وتُعدّ هذه الموازنة الإضافية الثانية خلال أقل من عام في عهد الرئيس لي جاي ميونغ، الذي تعهد باتباع سياسة مالية توسعية لتحفيز النمو منذ توليه منصبه في يونيو (حزيران) الماضي، وفق «رويترز».

وقال وزير الموازنة بارك هونغ كيون: «إلى جانب البيانات الاقتصادية، تتفاقم الصعوبات والقلق الذي يشعر به شعبنا وشركاتنا أكثر من أي وقت مضى. الاستجابة الاستباقية أهم من أي شيء آخر».

وتبلغ قيمة خطة الإنفاق الإجمالية 26.2 تريليون وون (17.3 مليار دولار)، تتضمن 10.1 تريليون وون لمواجهة ارتفاع أسعار النفط، و2.8 تريليون وون لدعم ذوي الدخل المحدود والشباب، و2.6 تريليون وون للشركات المتضررة من الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لوزارة الموازنة. ومن أبرز الإجراءات، تعتزم الحكومة تخصيص 5 تريليونات وون لتعويض خسائر مصافي النفط الناتجة عن تحديد سقف الأسعار على مستوى البلاد، وهو الإجراء الذي طُبّق هذا الشهر لأول مرة منذ نحو 30 عاماً.

كما ستخصص الحكومة 4.8 تريليون وون لتقديم دعم مالي عبر قسائم شرائية تتراوح قيمتها بين 100 ألف وون و600 ألف وون للفرد الواحد، وفقاً لمستوى الدخل والمنطقة، مع استثناء أصحاب أعلى 30 في المائة من الدخل على مستوى البلاد.

وأوضحت الوزارة أنها ستستفيد من فائض الإيرادات الضريبية الناتج عن ازدهار صادرات الرقائق الإلكترونية وارتفاع سوق الأسهم لتمويل الموازنة الإضافية، دون إصدار أي سندات خزانة، فيما تتضمن الخطة أيضاً سداد سندات خزانة بقيمة تريليون وون. ومن المتوقع أن ترفع هذه الموازنة إجمالي الإنفاق الحكومي لعام 2026 إلى 752.1 تريليون وون، بزيادة قدرها 11.8 في المائة على العام الماضي، بما يعزز النمو الاقتصادي بنسبة 0.2 نقطة مئوية، بعدما كان الإنفاق المخطط قبل اندلاع الحرب يبلغ 727.9 تريليون وون.

وعلى صعيد العجز المالي، أكدت الوزارة أنه سينخفض إلى 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بـ3.9 في المائة المقدرة سابقاً و4.2 في المائة في العام الماضي، بينما تُقدّر نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50.6 في المائة مقارنةً بـ51.6 في المائة سابقاً و49.1 في المائة المتوقعة في 2025.

وقبل أسابيع من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، أشار بنك كوريا إلى أنه لن يُعدّل سياسته النقدية حتى أغسطس (آب) على الأقل، كما رفع توقعاته للنمو في 2026 إلى 2 في المائة مقارنةً بـ1.8 في المائة سابقاً، بعد أن نما الاقتصاد بنسبة 1 في المائة في 2025. وفي العام الماضي، أعدّت إدارة لي موازنة إضافية بقيمة 31.8 تريليون وون بعد شهر واحد من توليه منصبه، تضمنت برنامجه الرئيسي لتوزيع قسائم الدعم بهدف تحفيز الطلب المحلي الذي تراجع عقب فشل محاولة سلفه يون سوك يول لفرض الأحكام العرفية في ديسمبر (كانون الأول) 2024.