على الرغم من إجماع الدول الـ193 الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يطالب بالمساواة بين الجنسين والمزيد من الشفافية في اختيار الأمين العام المقبل للمنظمة الدولية، ستظل مسألة اختيار امرأة للمنصب محل جدل ما دام التوافق المطلوب لا يزال بعيد المنال بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين.
تقود بريطانيا جهودا دولية واسعة لانتخاب امرأة لأرفع المناصب الدبلوماسية الدولية على الإطلاق، بينما تتشبث روسيا بعرف المداورة ودور مرشح من أوروبا الشرقية.
ومنذ تعيينه مندوبًا بريطانيًا دائمًا لدى الأمم المتحدة قبل أشهر قليلة، سعى السفير ماثيو رايكوفت إلى الترويج بصورة واسعة لأفكار أطلقتها مجموعة من المنظمات غير الحكومية من أجل «اختيار أفضل شخصية ممكنة» لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي ينهي ولايته الثانية نهاية العام المقبل، موضحا أن المنصب «يستحق شخصية تتعامل مع تحديات القرن الحادي والعشرين، وتتمكن من توحيد أعضاء المجتمع الدولي خلف قضايا هذا العصر».
وتمكنت الدبلوماسية المتعددة الأطراف من حشد تأييد واسع لثلاثة مبادئ أساسية، يقوم أولها على المساواة بين الجنسين. ويعتقد كثيرون أن الوقت حان كي تتولى امرأة المنصب الدولي الأرفع في العالم بعد تولي ثمانية رجال هذه المهمة منذ تأسيس الأمم المتحدة قبل نحو 70 عاما. ويعتقد رايكوفت أنه «إذا استبعدنا نصف البشرية من هذا الدور، نقلل بالتالي فرص الحصول على أفضل شخصية ممكنة لهذا الدور».
المبدأ الثاني يتعلق بالقدرة على توقع الشخصيات التي تترشح لهذا الموقع المهم، وفي أي وقت ينتهي موعد تقديم الطلبات وحصول عملية الاختيار. وعلمت «الشرق الأوسط» أن ديسمبر (كانون الأول) المقبل هو الموعد النهائي المقترح لتقديم كل الترشيحات، وأن يونيو (حزيران) هو موعد إعلان اسم الشخصية التي ستتولى قيادة الأمم المتحدة لمدة خمس سنوات بدءا من مطلع عام 2017.
أما المبدأ الثالث فيرتبط بالشفافية، لأن هناك انتقادات كثيرة للطريقة التي جرى بها اختيار الأمناء العامين السابقين. فقد اختير هؤلاء منذ عام 1945 سرا وفي الكواليس بالتداول بين الدول الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن، الذين يختارون مرشحا واحدا تصادق عليه الجمعية العامة. وليس سرا أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن هي التي تقرر. لكن الجماعات الحقوقية تطالب بمنح المرشحين فرصة لتقديم رؤاهم لدور الأمين العام، ولإثبات قدرتهم على تولي هذا المنصب.
ويعترض عدد من الدبلوماسيين الغربيين على مبدأ المداورة الإقليمية في تولي هذا المنصب الدولي، انطلاقا من أنه «سيؤدي على الأرجح إلى تقليص فرص الحصول على أفضل الترشيحات الممكنة بسبب حصرها في رقعة جغرافية محددة». غير أن دول أوروبا الشرقية التي لم يخدم بعد منها أي أمين عام تريد تكريس هذا العرف.
وفي هذا السياق، لم يخف المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، إعجابه بقول زميل له دعا إلى مساندة امرأة من أوروبا الشرقية كأمينة عامة للمنظمة الدولية، وطالب بـ«عدم حصر خياراتنا»، متهمًا بعض الدبلوماسيين الغربيين بأنهم «يروجون كلاميا لامرأة لكن مصلحتهم الرئيسية هي في اختيار شخصية من خارج مجموعة أوروبا الشرقية». وأشار إلى التداول بأسماء بعض النساء، في إشارة ضمنية إلى البلغاريتين المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) إيرينا بوكوفا، والمفوضة الأوروبية كريستالينا جيورجيفا، بجانب رئيسة الوزراء النيوزيلندية السابقة هيلين كلارك، والرئيسة التشيلية ميشال باشليه، ووزيرة الخارجية الكرواتية فيسنا بيسيتش، فضلا عن الرئيسة الليتوانية داليا غريبوسكايتي التي يعتقد أن روسيا سترفضها لأنها من دول البلطيق. ورأى أن «هناك الكثير من المناورة السياسية لتحقيق غاية معينة في هذا الانتخاب».
ويرى العديدون أن الوقت حان لتتولى امرأة رئاسة المنظمة. وحصلت عريضة قدمتها كولومبيا على تأييد 40 دولة حتى الآن. وترى المندوبة الكولومبية الدائمة لدى الأمم المتحدة ماريا ايما ميجيا أن «هناك معارك كثيرة يجب أن تخاض» من أجل انتخاب امرأة، داعية إلى «عملية ديمقراطية» تبدأ بوضع مجلس الأمن مجموعة مرشحين يمكن للجمعية العامة أن تختار منها.
ونجحت الدول المؤيدة لتعيين امرأة حتى الآن في وضع هذه المسألة على رأس أولويات تفعيل دور الهيئات الأوسع تمثيلا في عملية الاختيار. وفي هذا الإطار جاء القرار الذي اتخذته الجمعية العامة ليفتح الباب أمام خيار تولي امرأة هذا المنصب، بل إنه يلزم المرشح أو المرشحة بالخضوع لمقابلة تقويم الكفاءة قبل التعيين مثل أي منصب كبير آخر. ومن المقرر أن تكون الخطوة التالية توجيه رسالة مشتركة من مجلس الأمن والجمعية العامة إلى الدول الأعضاء تدعوها إلى تقديم مرشحين.
يذكر أنه ليس في ميثاق الأمم المتحدة ما يحول دون ترشح امرأة، إلا أن قرارا اتخذ عام 1946 يطالب بـ«رجل رفيع الشأن». بيد أن الحقوقيين يفسرون كلمة «رجل» بالإنجليزية والفرنسية على أنها تعني «شخصية»، سواء رجلا أو امرأة على حد سواء. ويوضح القرار الجديد أن الجمعية العامة «تدعو الدول الأعضاء إلى التفكير في تقديم مرشحات لهذا المنصب»، من دون أن يعني ذلك التمييز الإيجابي لمصلحة النساء، لأن الأولوية ستظل لتعيين «أفضل مرشح أو مرشحة»، وأن تتمتع هذه الشخصية «بمزايا قيادية وإدارية، وتتحلى بخبرة طويلة في العلاقات الدولية وحس رفيع في الدبلوماسية والتواصل ومهارات لغوية متعددة».
وتعليقا على هذا القرار، قال ويليام بايس، المسؤول عن تكتل من المنظمات غير الحكومية التي تطالب بمزيد من الشفافية، إن الاختيار هذه المرة «سيكون مختلفا كثيرا عما كان عليه منذ عام 1945». وأضاف أن «قرار الجمعية العامة سيعيد النظر في قدرة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن على أن تختار في الكواليس مرشحا يمكنها السيطرة عليه». وأكد أن «قدرة الولايات المتحدة وروسيا والصين، وإلى حد ما بريطانيا وفرنسا، على التحكم بالعملية السرية لاختيار شخصية يمكنهم السيطرة عليها ستواجه تحديا كبيرا بعد قرار الجمعية العامة».
ووصف الدبلوماسي الأوروبي غيرتون فان دن آكر القرار بأنه «رئيسي في تعزيز الشفافية والشمولية في عملية الاختيار». أما المندوب البرازيلي أنطونيو دو أغيار باتريوتا فطالب بـ«عملية أكثر ديمقراطية» لانتخاب الأمين العام للأمم المتحدة.
سباق مصالح لاختيار شخصية الأمين العام المقبل للأمم المتحدة
الدول الغربية تطالب بانتخاب امرأة.. وروسيا تتمسك بدور أوروبا الشرقية
جانب من أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (غيتي)
سباق مصالح لاختيار شخصية الأمين العام المقبل للأمم المتحدة
جانب من أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
