ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

مستشار الأمن القومي الأميركي السابق أكد أن زيارة الملك سلمان إلى واشنطن تؤكد رسوخ العلاقة الاستراتيجية

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي
TT

ستيفن هادلي لـ {الشرق الأوسط}: على الروس أن يدركوا أن الأسد انتهى

ستيفن هادلي
ستيفن هادلي

قبل أن يتسلم ستيفن هادلي مسؤولية الأمن القومي الأميركي في زمن الرئيس جورج دبليو بوش، كان مساعدًا لوزير الدفاع للشؤون الاستراتيجية العالمية، وحاليًا هو في مؤسسة تجمعه بوزير الدفاع السابق روبرت غيتس ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
في حواره مع «الشرق الأوسط»، وصف هادلي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن بـ«الناجحة جدًا»؛ كونها أكدت أن العلاقات القوية، ومنذ عقود بين السعودية والولايات المتحدة، تستطيع أن تقاوم كل الخلافات وتستمر. وأشار إلى أن هذه الزيارة أكدت استمرار الحوار بين البلدين، حول كيفية التعاطي مع كل الاضطراب الذي يعصف بالشرق الأوسط، انطلاقًا من قوة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض. ونفى هادلي أن يكون قانون «التفوق العسكري الكمي» مع إسرائيل يمنع واشنطن من توقيع اتفاقية دفاع مشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ورأى أنه يجب دعم مصر في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يحتاج إلى وضع استراتيجية سياسية أكثر شمولاً. وأكد أنه على روسيا إدراك أن الرئيس السوري بشار الأسد انتهى فعلاً في سوريا، وأن دعمها وإيران لنظامه أطال أمد الحرب الدموية، ورأى أن عليهما المشاركة في تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد للانشقاق عن الأسد، تسمح له بمغادرة المسرح السياسي. وقال هادلي: «إن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها بالتدخل في سوريا». كما أشار إلى أن تجربة الروس في الشيشان لن تتكرر في سوريا والعراق.
وقال إن منتقدي الاتفاق النووي يرون أنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس أن أميركا ستقوم بعمل عسكري ضد منشآت إيران النووية إذا ما حاولت خلال فترة الاتفاق أو بعده تصنيع أسلحة نووية. ووعد بأنه إذا جاء الجمهوريون إلى السلطة عام 2017 فإن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ستكون مختلفة جدًا «وسنرى ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة».
* ما تقييمك لزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن، وما الرسالة التي أراد الرئيس باراك أوباما توجيهها باستقباله العاهل السعودي على مدخل البيت الأبيض؟
- أعتقد أنها كانت زيارة ناجحة جدًا، وأعتقد أن الملك سلمان والرئيس أوباما أرادا توجيه الرسالة نفسها؛ بأن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة تبقى قوية، وأننا نتقدم في هذه العلاقة على الرغم من بعض الخلافات التي شغلتنا في الماضي.
* هل نعتبر أن هذه الزيارة أعادت تجديد العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين؟
- نعم، نجحت الزيارة في تحقيق ذلك. كان لدى السعودية قلق بالنسبة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وحسب قراءتي: أولاً - كان الرئيس ناجحًا في التأكيد للملك سلمان أن الاتفاق سيؤدي فعلاً إلى التقليص وبصورة كبيرة من قدرة إيران على الحصول على السلاح النووي، وأن الخلاف بهذا الخصوص صار وراءنا فعلاً. ثانيًا - أن التعاون العسكري والمساعدة العسكرية اللتين توفرهما الولايات المتحدة إلى السعودية، مثل الأسلحة، أكدا أن العلاقة الدفاعية بين البلدين قوية جدًا. ثالثًا - هناك حوار مستمر حول كيفية التعاطي بكل هذا الاضطراب وهذه الفوضى في الشرق الأوسط، وحسب اعتقادي، فإن هناك ربما بعض القضايا التي لا يتفق البلدان تمامًا حولها، وهذا أمر طبيعي حتى بين أقرب الحلفاء، وأظن أن الرسالة التي أراد الملك والرئيس توجيهها، كلّ إلى جمهوره الخاص، هي أنه مهما كانت هذه الخلافات، فإنها لن تقف في وجه الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القوية بين البلدين.
* هل تعتقد أنه بعد هذه الزيارة وبعد الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، فإن السعودية لن تخفف من اعتمادها على الأسلحة الأميركية، وأنها لن تلتفت إلى روسيا كمورد بديل؟
- اعتمدت السعودية على الولايات المتحدة بالنسبة إلى المعدات الدفاعية، لكنها، كانت، بين وقت وآخر، تشتري أسلحة أيضًا من دول أخرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا. وقد تشمل السعودية في قرارها، كدولة ذات سيادة، روسيا لتشتري منها أسلحة. لكن، إذا نظرت إلى المشتريات التي وقّعت عليها السعودية، فمن الواضح أن العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة والسعودية تبقى قوية جدًا.
* هل ما يُعرف بالـ«QME»، (التفوق العسكري الكمي - القانون الأميركي 2008) المتعلق بإسرائيل، يمنع الولايات المتحدة من توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة مع دول الخليج؟
- لا أعتقد ذلك. كما تعرفين، فإن الولايات المتحدة ولعقود كانت الرائدة في تقوية العلاقات الدفاعية بين دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا لجهة تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعاون الدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، وأعتقد أن التقدم والتطور سيستمران.
* يعني ذلك أن قانون التفوق العسكري الكمي لإسرائيل لا يمنع التوقيع على اتفاقية دفاع مشتركة؟
- ربما، وآمل أن يكون هناك نوع من المباحثات في هذا الشأن. إنما السؤال هو عما إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي تريد تحقيق ذلك. إن هذا قرار يعود إليها؛ فهي دول ذات سيادة.
وأظن أن نوع التطور الذي نراه، إن كان بالنسبة إلى التعاون الدفاعي الوثيق بين دول الخليج مع بعضها بعضًا، وبين الولايات المتحدة وهذه الدول، فأظن أن إسرائيل تدعمه. أما، هل إسرائيل مهتمة بمستوى وتقدم الأسلحة التي تصل إلى الخليج، فإن هذه المسألة تعمل عليها أميركا مع إسرائيل، وهي بالفعل منذ سنوات تقوم بهذا العمل، وأنا متأكد من أن هذا الأمر سيبقى قضية في نظر إسرائيل، لكن، من حيث المبدأ لا أظن أن إسرائيل يقلقها التعاون العسكري الوثيق القائم بين دول الخليج في ما بينها، أو بين هذه الدول والولايات المتحدة، ولن يقلقها ذلك.
* لماذا حتى الآن تعامل إدارة الرئيس أوباما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببرود، ولا تزال تبكي على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي (إخوان مسلمين)؟
- لا أعتقد أن هذا وصف دقيق لموقف الإدارة الأميركية الآن. كان هناك وقت صعب بين مصر والإدارة، حيث رفضت الأخيرة إرسال معدات عسكرية طلبتها مصر، ودفعت ثمن بعضها، لكن هذه السياسة خفت كثيرًا إذا لم تكن تراجعت تمامًا. أعتقد أنه جرت استعادة للعلاقات بين واشنطن والقاهرة. علينا الاعتراف بأن مصر تعاني من مشكلة الإرهاب التي يجب مواجهتها، يجب أيضًا دعم مصر في جهودها لمكافحة الإرهاب، أما هذه الحملة على الإرهاب، فيجب أن ترافقها استراتيجية سياسية بحيث تؤدي تدريجيًا إلى تشكيل حكومة أكثر شمولاً، لأن لا أحد يصدق، وحتى الرئيس السيسي نفسه لا يعتقد أن باستطاعته تحقيق سلام حقيقي واستقرار على المدى الطويل فقط عبر حملات عسكرية.
* هل تشعر بقلق من أن روسيا تحاول تحقيق نجاحات في مصر؟ وهل تتحمل الولايات المتحدة أن تخسر مصر لصالح روسيا والصين؟
- حسب هذا الطرح، لا أعتقد أن الولايات المتحدة قد تخسر مصر. لكن هل سيكون لمصر علاقات قوية مع روسيا والصين، ربما. فهما لاعبان أساسيان في العالم، وفي الشرق الأوسط. لكن إذا راجعت البيان الذي أعلنه الرئيس السيسي وآخرون، خصوصًا عندما كان الرئيس السيسي قبل عام في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، يتبين أن مصر تريد علاقات قوية مع الولايات المتحدة. هذا كان عنصرًا مهمًا في السياسة الخارجية المصرية لعدة عقود، وحسب رأيه، يريد أن يستمر ذلك.
* آخر الأخبار تشير إلى أن وفدًا أمنيًا سوريًا زار مصر. ماذا تقرأ في هذا؟
- لا أعرف، لأنني لا أعرف المواضيع التي نوقشت هناك. أتمنى أن تعمد مصر على تشجيع عملية تشكيل حكومة وحدة تتضمن عناصر من النظام على استعداد أن تنشق عن الرئيس بشار الأسد، وتنضم إلى عناصر معتدلة وديمقراطية في حكومة وحدة تستطيع مع مرور الوقت إعادة الاستقرار إلى سوريا وتوحد الشعب السوري لمواجهة خطر تنظيم داعش، الذي هو خطر كبير على شعوب المنطقة كلها.
* يقول بعض المحللين إن هناك دافعًا سياسيًا وراء زيادة الدعم الروسي للنظام السوري. فروسيا تريد التفاوض حول الملف السوري مع منافسيها السياسيين، وتقوية النظام السوري يعطيها التفوق في المفاوضات.
- لستُ متأكدًا مما يقوم به الروس. للأسف الشديد هم داعمون أقوياء للأسد منذ سنوات، يوفرون السلاح والدعم الدبلوماسي، وهذا من سوء الحظ، لأنه أطال فترة العنف، وزاد من عدد الضحايا، وتسبب بتهجير داخلي وإلى الخارج لنصف سوريا، وأعاد الاقتصاد إلى الوراء، وسبّب هذا مأساة للشعب السوري وللاستقرار في المنطقة. آمل أن التقدم الذي تحقق على الأرض، وضعف النظام السوري عسكريًا، سوف يقنعان الروس بأن دعم الأسد ليس الطريق إلى السلام والاستقرار، بل يديم الصراع وينفّر الشعب السوري من روسيا. آمل أن يدرك الروس فعلاً أن الأسد انتهى في سوريا، وحان الوقت كي تضع روسيا ثقلها وراء الحكومة التي وصفتها، والتي تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وتسمح لكل القوى التي تعمل من أجل سوريا جديدة أن تبدأ بتخفيف العنف المتبادل ومواجهة «داعش». هذا ما هو لمصلحة روسيا على المدى الطويل وعندها يمكن لروسيا أن تكسب مجددًا الشعب السوري.
* هل ينسحب هذا على إيران أيضًا؟
- نعم. وأرجو أن تدرك إيران الوضع بالطريقة نفسها وتبدي استعدادًا للتوجه نحو حكومة وحدة. لكن، حسب اعتقادي، فإن ما يقلق روسيا وإيران، وهذا شرعي من هذه الناحية، انهيار كامل للسلطة مما يزيد من الفوضى ويفتح الباب واسعًا أمام «داعش». لا أحد يريد ذلك، ولهذا يهم الولايات المتحدة أن تعمل روسيا وإيران والدول الأخرى معًا في اتجاه تشكيل حكومة وحدة - كما قلت - تسمح للأسد بمغادرة المسرح، وللشعب السوري أن يبدأ التفكير بمستقبله.
* لكن للروس خبرة في قتال الجماعات المتطرفة، كما حدث في الشيشان. لماذا اعتبر وزير الخارجية جون كيري هذا الأمر عامل زعزعة؟
- لستُ متأكدًا من أن أحدًا يريد أن يعتمد الأسلوب الذي قاتل فيه الروس المتطرفين في الشيشان مثلا، لسببين: الدمار والضحايا الذين تسبب بهما، ثم لأن ذلك الأسلوب لم يحل القضايا الخفية وترك الشيشان مع حكومة ليست «جذابة»، ولا يرغب أغلب الناس العيش في ظلها.
نعم، حقق الروس بعض الاستقرار هناك، لكن بسعر مرتفع جدًا، ولا أعتقد أن الناس يريدون تكرار ذلك في العراق أو في سوريا.
* لكن سوريا مدمرة تقريبًا بالكامل.
- نعم، للأسف، وهذا بسبب الدعم الذي تستمر روسيا وإيران بتقديمه للأسد، مع العلم أن أغلبية الشعب السوري لا تريد الأسد في السلطة. لقد حافظ على حكمه بأبشع الطرق؛ بقتل شعبه. ثم ما الأمثولة التي نريد توجيهها إلى العالم؛ أنه إذا قتلتَ بما فيه الكفاية من شعبك، يمكنك البقاء في السلطة، والعالم على استعداد لمساعدتك؟! هذه الأمثولة التي تبعثها إيران وروسيا إلى العالم، وهذه أمثولة رهيبة ومعيبة.
* هل كان يمكن لتنظيم داعش أن يبرز أو ينشأ لو أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريًا في سوريا عند بداية الأحداث؟
- أعتقد لو أننا تحركنا عام 2012، كما اقترح البعض، كان هذا الاحتمال أقل بكثير، ولما استطاع «داعش» تحقيق التقدم الذي أحرزه. أظن أن التاريخ سيحكم بأن منطقة الشرق الأوسط دفعت ثمنًا باهظًا، بسبب عدم تدخل الولايات المتحدة أو فشلها مع حلفائها والدول الأخرى بالتدخل في سوريا.
* هناك بعض التقارير التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تُعِد خطة لإرسال قوات عربية إلى سوريا. هل هذا وارد؟ وهل سنرى القوات الجوية لدول الخليج تنشط في الأجواء السورية؟
- لقد رأينا السلاح الجوي لبعض الدول الخليجية ينشط في اليمن مثلاً، وفي سوريا أيضًا. لا أعتقد أن الحكومة الأميركية تقوم بتشجيع الدول العربية للتدخل برًا في سوريا، باستثناء تدريب السوريين على مقاتلة «داعش» ومجموعات إرهابية أخرى.
* ما ردة فعلك حول أنه، وفي وقت تطلب فيه الولايات المتحدة من اليونان وبلغاريا وأوكرانيا أن تغلق أجواءها في وجه الطائرات الروسية التي تنقل المساعدات إلى سوريا، نسمع أن روسيا اشترت من إسرائيل 10 طائرات تعمل من دون طيار؟
- لست على علم بهذه الأمور، وبالتالي لا أستطيع أن أعلق.
* هل تتفق مع طرح وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول بأن إيران قبل الاتفاقية كانت على «الطريق السريع» للحصول على السلاح النووي، لكنه لم يشر بشيء إلى ما يمكن أن تقوم به إيران بعد 15 سنة (مدة انتهاء الاتفاق)، حيث يقول بعض المراقبين إنه إذا قررت إيران عندها الحصول على قنبلة نووية فإن الوقت التحذيري قد يتقلص إلى أسابيع؟
- هناك قلق فعلي حول ذلك، وحسب اعتقادي فإن داعمي الاتفاق يقولون بضرورة إيجاد وسيلة لإدارة برنامج إيران النووي بعد 15 عامًا للتأكد من أن إيران لن تحاول الحصول على سلاح نووي، ولهذا فإن عددًا من منتقدي الاتفاق قالوا إنه من الضروري جدًا أن يعلن الرئيس الأميركي مدعومًا من الكونغرس، إذا ما حاولت إيران إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب المطلوب لإنتاج السلاح النووي، أو أن تبدأ بفصل البلوتونيوم الذي يمكن استعماله لتصنيع السلاح النووي، فإن هذه المحاولات ستؤدي إلى عملية عسكرية أميركية لتدمير برنامج إيران النووي.
منتقدو الاتفاق يصرون على ضرورة أن يتضح هذا الأمر بشكل ظاهر، خلال فترة الاتفاق وما بعدها، لجهة منع إيران من التحرك لإنتاج سلاح نووي.
* هل تعتقد أن هذا النظام سيدوم طوال السنوات الـ15، إذا انفتحت إيران على العالم؟ وهل تعتقد أن الشعب الإيراني سيقبل الاستمرار في العيش في ظل مثل هذا النظام؟
- لا أعرف. هذا القرار يعود إلى الشعب الإيراني، لكن من الواضح أن هناك الكثير من السخط عند الشعب الإيراني، واستياء من النظام، ثم أن المرشد الأعلى (آية الله علي خامنئي) هو الآن في السبعينات من العمر، وهناك سؤال عما سيحدث بعد رحيله.
ما أعتقده أن تطورًا سيتعرض له النظام خلال 15 عامًا من الاتفاق. معارضو الاتفاق يعتقدون أن الانفتاح الذي سيلي رفع العقوبات سيشجع الميل إلى نظام أكثر اعتدالاً. لكن لا أعتقد أننا نعرف، كما يجب ألا نعتمد على ذلك.
* بالنسبة إلى الاتفاق، قالت إيران إنها تريد أن تدقق بهويات وخلفيات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أن تسمح لهم بدخول منشآتها النووية، وإن موظفي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية سيرافقونهم. هل هذا جزء من الاتفاق؟
- هناك الكثير من عدم اليقين عما وافقت عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هناك، كما هو معروف، اتفاق ما بين الوكالة الدولية وإيران حول بعد عسكري محتمل في برنامج إيران النووي، الذي لم يتم الإعلان عنه. لهذا هناك عدم يقين يتعلق بكيفية عمل هذا. الامتحان، حسب اعتقادي، هو عما إذا كان لدى المنظمة الدولية القدرة غير المقيدة للتحقق من هذا الاتفاق، مع مراقبين من اختيارها هي، يكونون قادرين على زيارة المنشآت، ومقابلة العلماء، وأخذ عينات، ومراجعة ونسخ الوثائق، وأن يعملوا كل ما يحتاجون عمله، من دون أي قيد، من أجل التأكد من التزام إيران بالاتفاق. هذا حسب اعتقادي ما يجب أن يكون اختبارًا أساسيًا.
* من الذي ضيّع العراق؟
- العراق لم يضع. الشعب العراقي يكافح مشكلة الإرهاب. وهذا أمر مؤسف، لأن الشعب العراقي خلال السنوات من 2008 إلى 2010 هزم خطر «القاعدة»، وتضاءلت نسبة العنف، ولم تعد تهدد النظام. كان للعراقيين حكومة وحدة، وكانوا يتقدمون نحو المستقبل، وكان إنتاج النفط يتصاعد. لكن للأسف، تآمرت عدة أمور لزعزعة عملية واعدة. من هذه الأمور سياسة إدارة نوري المالكي التي ضاعفت من الصراع المذهبي وقوضت الجيش وقوى الأمن، لكن الأكثر تسببًا في ضرر العراق كان الفشل في مواجهة الأزمة في سوريا، وهذا فتح الباب أمام بروز «داعش»، الأمر الذي زعزع استقرار العراق، ولم يكن ممكنًا تجنبه. ومع فشل الولايات المتحدة في التفاعل مع ما يحدث في سوريا، والاستمرار على موقفها رغم تعرض العراق للانعكاسات، نرى الشعب العراقي يصارع لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية، ويصارع لتوفير حكم ذاتي أوسع لمختلف المجموعات: الأكراد، السنة، الشيعة، وكل الآخرين بمن فيهم المسيحيون.
إن الوصفة الصحيحة لإعادة الاستقرار إلى العراق أن تتحكم كل مجموعة وتسيطر على مستقبلها الاقتصادي والسياسي، هذا من شأنه أن يبقي العراق دولة موحدة.
* وهل تقبل إيران مع معرفتنا بنفوذها على العراق؟
- أظن أنها تقبل، إذا أوضح الشعب العراقي أن هذا ما يريده. لن يكون هناك خيار آخر عندها أمام الإيرانيين.
* الولايات المتحدة معنية باليمن، لكن كما يبدو فإنها لا تستطيع السيطرة على مياهه الإقليمية، ثم كأن كل الجهود في عمان غير ناجحة.
- هناك جهود قائمة الآن، تشارك بها دول المنطقة مع الولايات المتحدة للتحكم أكثر بالمياه الإقليمية اليمنية. إن الوضع اليمني مقلق، وهو يشكل مشكلة للسعودية والدول المجاورة، ويجب أن تركز الجهود على الإتيان بكل الأطراف إلى طاولة الحوار للخروج بمعادلة تبدأ بتقليص العنف، وتأتي مع الوقت ببعض الاستقرار من دون تحويل البلاد إما إلى «القاعدة» والمجموعات المتحالفة معها أو إلى القبائل الحوثية والمجموعات المتحالفة مع إيران، وذلك من أجل توفير الفرصة أمام الشعب اليمني لتقرير مستقبله.
* خلال زيارة العاهل السعودي إلى واشنطن، لمسنا أن هناك اعترافًا فعليًا، إن كان من البيت الأبيض، أو من وزارتي الخارجية والدفاع، بأن إيران تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. كيف يمكن إقناع إيران بالتعاون بدل المواجهة؟
- هذا يجب أن يحصل عبر طريقتين؛ أولاً: مواجهة إيران على الأرض، للتوضيح لها أن سياستها الرامية إلى فرض نفوذها لتقويض الدول الأخرى مثل العراق واليمن، وسوريا.. إلخ، لها ثمن، ولن تنجح، لا، بل تثير الشعوب ضدها. ثانيًا: وفي وقت تتم مواجهة إيران على الأرض، يستمر الحوار الذي بدأ حول الاتفاق النووي لإقناع الإيرانيين بأن عليهم اعتماد مسار عمل مختلف، كالذي تحدثنا عنه بالنسبة إلى سوريا.
* هل تستطيع الولايات المتحدة إيقاف روسيا عن بيع إيران أنظمة دفاع جوية؟
- هناك سلسلة من قرارات مجلس الأمن لها أحكام تتعلق بالاتفاق الأخير تم التوصل إليها، وتؤثر على مسألة أنظمة الدفاع الجوية. والواحد يأمل بتصرف مسؤول من قبل روسيا تحترم خلاله كل هذه القرارات وأيضًا أن تقوم بدور مسؤول كمشارك أساسي في التوصل إلى الاتفاق النووي من خلال مشاركتها عبر مجموعة «1+5».
* هل للولايات المتحدة خطط استراتيجية واضحة لقتال «داعش» ولإيجاد حل لسوريا والعراق وحتى ليبيا، أم أننا نطلب الكثير منها؟
- لا أعتقد أنكِ تطلبين الكثير من الولايات المتحدة. وأظن أن هذه المشكلات تستدعي كل دول المنطقة لتشارك وتتقاسم المسؤولية، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة كل واحدة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريا. والذي تستطيعه الولايات المتحدة، عبر الحوار مع دول المنطقة، أن تتقدم بخطوط عريضة لاستراتيجية أو خطة لتوجيه المنطقة باتجاه أكثر إيجابية. هذا ما يجب أن تقوم به أميركا من أجل مصلحتها الخاصة، ومن حق دول المنطقة أن تتوقعه منها.
* هل ستسمح الولايات المتحدة للحكومة التركية بأن تهاجم الأكراد كثمن لتركيا لقاء استعمال قواعدها العسكرية؟
- لقد أوضحت الحكومة الأميركية أن هذا لم يكن الاتفاق الذي توصلت إليه مع تركيا، وكما نشرت كل الصحف، طالبت الحكومة الأميركية، تركيا، بأن توقف عملياتها ضد الشعب الكردي. وفي الوقت نفسه، من المؤسف أن «حزب العمال الكردستاني» كان يستفز الأتراك بهجومه على القوات التركية الأمنية. وكان من الصواب أن تدعو الحكومة الأميركية كل الأطراف لضبط النفس، وأظن أن الكل يرغب في استئناف الحوار بين الحكومة التركية والعناصر الكردية.
* إذا وصل الجمهوريون إلى السلطة عام 2017، فهل ستكون سياستهم تجاه الإرهاب وإيران ودول أخرى في المنطقة ستكون أكثر قوة وحزمًا؟
- إذا سيطر الجمهوريون على الحكومة عام 2017، أعتقد أنك سترين عندها سياسة خارجية مختلفة تمامًا، وآمل أنك سترين ارتباطًا أميركيًا أوثق بالمنطقة للمساعدة على وضع خطط تسمح لدول المنطقة باتخاذ مسارها المستقبلي متحررة من الاثنين: السيطرة الإيرانية أو إرهاب «داعش». هذا ما آمل أن تريه.



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.