عباس بعد قرار رفع العلم في الأمم المتحدة: سنرفعه قريبًا فوق الأقصى والكنيسة

تحديد 30 سبتمبر لإطلاق المراسم.. واحتفالات فلسطينية بإطلاق «افرحي يا بلادي» على مواقع التواصل الاجتماعي

احتفالات فلسطينية بقرار رفع العلم في الأمم المتحدة جرت في رام الله أمس (أ.ف.ب)
احتفالات فلسطينية بقرار رفع العلم في الأمم المتحدة جرت في رام الله أمس (أ.ف.ب)
TT

عباس بعد قرار رفع العلم في الأمم المتحدة: سنرفعه قريبًا فوق الأقصى والكنيسة

احتفالات فلسطينية بقرار رفع العلم في الأمم المتحدة جرت في رام الله أمس (أ.ف.ب)
احتفالات فلسطينية بقرار رفع العلم في الأمم المتحدة جرت في رام الله أمس (أ.ف.ب)

وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، موافقة الأمم المتحدة على رفع العلم الفلسطيني على مقرها، بـ«الخطوة المهمة» في مسيرة القضية الفلسطينية، متعهدًا بأن يرفع العلم لاحقًا في مدينة القدس فوق المسجد الأقصى، والكنيسة. وأشادت الجامعة العربية ودول عربية وإسلامية بالخطوة وعدتها «تاريخية» رغم رمزيتها.
وباشرت البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة استعداداتها لاحتفال يتقدمه الرئيس محمود عباس لرفع علم فلسطين في 30 سبتمبر (أيلول) الحالي أمام المقر الرئيسي للمنظمة الدولية في نيويورك، بعدما صوتت الجمعية العامة لمصلحة قرار في هذا الشأن.
وأكد المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور لـ«الشرق الأوسط» أن «تصويت الجمعية العامة بغالبية 119 صوتًا يعكس شبه الإجماع الدولي على حق الفلسطينيين بمكانة الدولة الكاملة العضوية في الأمم المتحدة». وامتنعت 45 دولة عن التصويت أكثرها من القارة الأوروبية، واعترضت ثماني دول هي إسرائيل والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وبعض الجزر الأميركية الصغيرة، على القرار الذي يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون رفع علم فلسطين، باعتبارها دولة مراقبة غير عضو، في غضون 20 يومًا من إصدار القرار، على أن توضع ساريته بعد أعلام الدول الـ193 الكاملة العضوية أمام المقر الرئيسي للأمم المتحدة، وأمام مقراتها الإقليمية وكل مكاتبها عبر العالم.
وبدت الدول الأوروبية منقسمة بشأن هذا التحرك؛ إذ إن فرنسا وروسيا والسويد أيدت القرار الذي امتنعت بريطانيا وألمانيا والنمسا وفنلندا وهولندا وقبرص عن التصويت لصالحه. وقال السفير الفرنسي في الأمم المتحدة فرنسوا ديلاتر إن «هذا العلم رمز قوي وبارقة أمل» للفلسطينيين، بينما عملية السلام متوقفة وإسرائيل تواصل «الاستيطان غير الشرعي» في الضفة الغربية المحتلة.
وأكدت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة سامانتا باور التزام بلادها بتحقيق السلام الذي يستحقه الفلسطينيون والإسرائيليون. وقالت: «نعلم جميعًا أن الحل الدائم والعادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيتحقق فقط عبر الخيارات الصعبة والتسوية التي يتفاوض عليها الطرفان»، مضيفة أن «رفع العلم الفلسطيني خارج مقر الأمم المتحدة ليس بديلاً عن المفاوضات، ولن يجعل الطرفين أقرب إلى السلام». وأكدت أن التصويت الأميركي ضد القرار «لا يعني تأييدا للوضع القائم أو رفضًا للتطلعات الفلسطينية لإقامة الدولة»، معتبرة أن التصويت «يعكس حقيقة أن على الطرفين اتخاذ خطوات بناءة ومسؤولة لتحقيق حل الدولتين وإنهاء دائرة العنف والمعاناة القائمة منذ مدة طويلة». ويكمل هذا القرار، قرار سابق اتخذ في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 لاعتبار فلسطين دولة غير عضو لها صفة المراقب في الأمم المتحدة. وبما أن دولة الفاتيكان تحظى بالوضع نفسه، يمكن رفع علم الفاتيكان أيضًا. وكان الفاتيكان نأى بنفسه عن هذا الطلب بعد انتقادات وجهت من إسرائيل. لكن منصور أكد أن هذه الخطوة «اتخذت بالتشاور مع الكرسي الرسولي آنذاك لأن الفاتيكان لديه الوضع نفسه مثل فلسطين. كلتاهما دولتان مراقبتان غير عضوتين في الأمم المتحدة. وتريدان رفع علميهما على مقرات الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية أينما كانت».
ووصف منصور ما حصل بأنه «انتصار آخر يكتسب أهمية تاريخية في إطار الخطوات الأخرى للقيادة الفلسطينية من أجل تركيز دعائم الدولة الفلسطينية في كل المؤسسات والمنظمات الدولية». وأكد أن «الخطط جارية كي يقوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه برفع علم فلسطين ضمن أعلام الدول الأخرى، بعيد إلقاء خطابه في 30 سبتمبر الحالي أمام الدورة السنوية السبعين للأمم المتحدة»، داعيًا جميع الفلسطينيين إلى رفع علم بلادهم في الوقت ذاته على المدارس والمتاجر والمزارع وكل الأماكن «لنؤكد من خلال هذا الاستفتاء الشعبي الشامل إصرارنا على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا الفلسطينية وتحقيق استقلال دولتنا فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وبذلك يتحقق الإجماع الدولي بتحقيق حل الدولتين على الأرض».
وكذلك قال المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة عبد الله بن يحيى المعلمي لـ«الشرق الأوسط» من مدينة جدة إن «المطلب الفلسطيني مطلب حق استجاب له المجتمع الدولي ولله الحمد»، مؤكدًا أن «السعودية كانت ولا تزال نصيرة لحقوق الفلسطينيين بدولة مستقلة، وهي تدعم كل الخطوات التي تصب في هذا الاتجاه». واعتبر أن الإنجاز «نصر للشعب الفلسطيني ونصر للأمة العربية».
وقال السفير التونسي في الأمم المتحدة خالد الخياري لـ«الشرق الأوسط» إن تصويت الجمعية العامة «مكسب سياسي رئيسي للأمة العربية»، معتبرًا أن غالبية الـ119 صوتًا «إنما هي غالبية ساحقة لأن الممتنعين عن التصويت امتنعوا لأسباب إجرائية فقط. وهو لا يعني اعتراضًا على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة. هذا أمر جوهري». واستدرك أن «هناك طابعًا رمزيًا أيضًا لأنه جاء في سياق مسار للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في قضية غير عادلة ولكن في معركة غير عادلة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والمالية، بعد فشل المجتمع الدولي في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. الجمعية العامة يجب أن يكون صوتها أعلى في هذه المعركة».
من جهته، قال عباس للصحافيين في رام الله: «لقد حققنا شبه إجماع في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأننا ننظر إلى الذين صوتوا معنا وإلى الذين امتنعوا عن التصويت، وبالتالي كانت النتيجة بأننا حصلنا على القرار بإجماع دولي.. هذه الخطوة ستليها خطوات أخرى، ومن أهم الملاحظات التي رأيناها، هو أن عدد الذين صوتوا ضدنا في السابق كانوا تسعة، واليوم أصبحوا ثمانية، ما يعني أن الاعتراض والامتناع في تراجع مستمر».
وأكد عباس أنه سيرفع بنفسه علم دولة فلسطين في الأمم المتحدة عند ذهابه للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر. وهاجم عباس إسرائيل متهما إياها بهدم كل الاتفاقات منذ «أوسلو» وحتى الآن. محذرا من الاستمرار في مخطط تقسيم المسجد الأقصى. وقال عباس: «هناك عدوان آخر على المسجد الأقصى المبارك، وهو التقسيم الزماني والمكاني، وهذا القرار لن يمر ولن نسمح بأن يمر، لا للإسرائيليين ولا لغيرهم، وبكل الوسائل الممكنة سنمنع ذلك، فالأقصى لنا والكنيسة لنا، وسنرفع علم فلسطين عليها».
واحتفى الفلسطينيون بقرار رفع العلم في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وأطلقت حركة فتح حملة «افرحي يا بلادي» وقامت بتوزيع أعلام على سائقي السيارات. ورفع فلسطينيون علمهم أمس على سياراتهم في شوارع الضفة التي تمر عبر الحواجز الإسرائيلية متحدين الجنود الإسرائيليين. وقال إياد عبد الله (40 عاما): «إنه يوم تاريخي، لقد استشهد كثيرون وهم يحاولون رفع العلم في الانتفاضة الأولى». وأضاف: «الذين جربوا كيف كان ممنوعا ويعتبر تهمة، يعرفون جيدا قيمة أن يرفع في الأمم المتحدة».
وطالما قتلت إسرائيل خلال سنوات الاحتلال وفي الانتفاضة الأولى التي انطلقت عام 1987 فلسطينيين كانوا يحاولون رفع العلم على أعمدة الكهرباء والأسوار العالية، واعتقلت آخرين كانوا يقتنونه في منازلهم بصفته «تهمة» جاهزة.
ورحب السياسيون الفلسطينيون بقرار رفع العلم على الأمم المتحدة.
وقال صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية: «هذا القرار الأممي انتصار للحرية والعدل والاستقلال ودحر للاحتلال والاستيطان والقهر».
وأضاف: «إن رفع علم فلسطين ليس مجرد مسألة رمزية وإنما تصويت ضد مخططات الحكومة الإسرائيلية في بناء المستوطنات والإملاءات وفرض الحقائق على الأرض وجميعنا يذكر معنى رفع العلم المصري على الضفة الشرقية من قناة السويس عام 1973 ومعنى ودلائل رفع علم أميركا في ايوجيما في المحيط الهادي أثناء الحرب العالمية الثانية. وهناك معنى كبير لرفع علم فلسطين ليصبح العلم 195 أسوةً بباقي دول العالم».
ودعا عريقات المجتمع الدولي لاستمرار العمل لتجفيف مستنقع الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وبعاصمتها القدس الشرقية على اعتبار ذلك المدخل الحقيقي لهزيمة الإرهاب والتطرف والاحتلال والاستيطان الاستعماري ولتحقيق الأمن والسلام والاستقرار للمنطقة وشعوبها.
واعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي هذا القرار إنجازا دبلوماسيا مهما يحمل دلالة رمزية كبيرة باتجاه الاعتراف بدولة فلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، واعترافا جديدا يؤكد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية. ومن المقرر أن يصدر مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية غدا حزمة من القرارات التي تتعلق بالتعامل مع الملف الفلسطيني وخطة التحرك التي تستهدف تنشيط وتفعيل دور الرباعية الدولية بعد انضمام كل من السعودية ومصر والأردن والأمين العام للجامعة حتى تساعد في الدفع بتصحيح مسار السلام.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.