حرب المقاطعة.. بين مد وجزر

الأوروبيون أعطوا الحملة زخما لافتا.. لكن تجارة إسرائيل معهم ما زالت تنمو

مسيرة في باريس تطالب بمقاطعة إسرائيل (إ.ب.أ)
مسيرة في باريس تطالب بمقاطعة إسرائيل (إ.ب.أ)
TT

حرب المقاطعة.. بين مد وجزر

مسيرة في باريس تطالب بمقاطعة إسرائيل (إ.ب.أ)
مسيرة في باريس تطالب بمقاطعة إسرائيل (إ.ب.أ)

لم يتضح بعد بشكل جلي إلى أي حد يمكن أن تكبد حملة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل خسائر فعلية على الأرض، لكن ذلك يبدو واحدا من طموح القائمين على الحملة المثيرة للجدل إلى جانب أهداف أخرى أكثر صعوبة.
وخلال الشهور القليلة الماضية ارتفع النقاش عاليا داخل إسرائيل وفي فلسطين وحول العالم، حول جدوى المقاطعة التي انطلقت عام 2005، في وقت يبحث داعموها عن رصد لآثارها الحقيقية.
ويمكن القول إنه لولا أن دخلت بعض دول الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، على خط المقاطعة الاقتصادية والسياسية والأكاديمية للمستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، لظلت الفكرة مجرد جعجعة بلا طحن، لكنها الآن تتحول إلى قضية تشغل إسرائيل، بعدما نجح المقاطعون في تسجيل أهداف مؤثرة في مرمى الدولة القوية، في مباراة لا يبدو أنها قصيرة الأمد.
وبعد نحو ثماني سنوات من إطلاق حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، والتي باتت معروفة بـ«BDS»، عبر أوسع تحالف في المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات، بدأت دول في الاتحاد الأوروبي مقاطعة المستوطنات الإسرائيلية تجاريا وأكاديميا، بعد نقاشات واسعة مع السلطة الفلسطينية التي بدأت هي الأخرى منذ عامين حربا على بضائع المستوطنات في الضفة الغربية.

خلال الأسبوعين الماضيين فقط، انسحبت ثلاث شركات أوروبية من مناقصة تقدمت لها العام الماضي لبناء موانئ في مدينتي حيفا وأشدود، داخل إسرائيل. وقبل ذلك أعلن البنك الألماني «دوتشه بنك» عن مقاطعته لبنك «هبوعليم» الإسرائيلي بسبب عمله في المستوطنات، بعدما أعلن ثاني أكبر صندوق تقاعد هولندي، وتقدر استثماراته العالمية بـ200 مليار دولار، سحب جميع استثماراته من البنوك الإسرائيلية التي تعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي الخطوة التي أقدم عليها كذلك صندوق التقاعد النرويجي الذي أوقف الاستثمار في شركتي «أفريكا يسرائيل» و«دينيا سيبوس»، وأكبر بنك في الدنمارك «دنسكا بنك» الذي حظر الاستثمار في بنك «هبوعليم» بسبب ضلوعه في تمويل الاستيطان.
كما انضمت جمعيات أكاديمية في الولايات المتحدة لمقاطعة إسرائيل أكاديميا، جنبا إلى جنب مع اتحاد المعلمين في آيرلندا واتحاد الطلبة الناطقين بالفرنسية في بلجيكا.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل قاطع علماء وفنانون، إسرائيل وامتنعوا عن زيارتها أو إقامة أي عروض فيها، ومن بينهم المغني الشهير روجر ووترز (فرقة بنك فلويد)، والكاتبة الكندية ناعومي كلاين، والأميركية أليس ووكر، والموسيقي ألفيس كوستيللو، والمخرج البريطاني كن لوتش الحائز على جازة «كان»، والكاتب البريطاني جون برغر، والفيلسوفة اليهودية الأميركية جوديث بتلر، إلى جانب فرقة «ذا بيكسيز»، والمغني الآيرلندي الشهير بونو، والمغنية الفرنسية فانيسا بارادي، ومغني الراب سنوب دوغ.
وكانت مفوضية الاتحاد الأوروبي وجهت ضربة قاصمة إلى إسرائيل، في يوليو (تموز) الماضي عندما حظرت على وكالاتها وعلى الصناديق التابعة للاتحاد منح هبات أو قروض لمؤسسات إسرائيلية تعليمية على صلة بالنشاطات الاستيطانية وحظرت مشاركتها في اتفاقية التعاون العلمي «هورزون 2020».

تأثير المقاطعة الحقيقي

يرى عمر البرغوثي، أحد مؤسسي حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) وناشط حقوق إنسان، أن المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل بدأت هذه الفترة تؤتي أكلها بشكل جلي وواضح ومؤثر، مضيفا في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إن حركة المقاطعة تحدث اختراقا كل يوم في المجتمع الإسرائيلي من خلال فلسفة الضغط والعزل لدولة الاحتلال في شتى المجالات، الثقافية والأكاديمية والاقتصادية والرياضية، بحيث بات النظام الإسرائيلي يعترف بأن حركة المقاطعة (BDS) قادرة على إيصاله إلى ذات العزلة الدولية التي تعرض لها نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا في الماضي».
ويدرك البرغوثي ورفاقه أن ذلك لا يبدو في متناول اليد على المدى القريب، موضحا: «نعمل مع حلفاء حول العالم يتبنون درجات مختلفة من المقاطعة. من المقاطعة التي تستهدف شركات بعينها لتورطها في الاحتلال إلى المقاطعة الشاملة، وكل ما بينهما».
وأطلقت الحملة هذا الأسبوع، بدءا من 24 فبراير (شباط) الحالي وحتى نهاية مارس (آذار) المقبل فعاليات أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي في الجامعات والمنظمات في شتى أرجاء العالم، في محاولة لحشد الدعم وتعزيز التنظيم لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.
ويدعوا البرغوثي العالم وبالذات المجتمع المدني الدولي والحركات الاجتماعية إلى «قطع العلاقات في جميع المجالات (الأكاديمية والثقافية والرياضية والعسكرية والاقتصادية) مع إسرائيل، كونها دولة احتلال وفصل عنصري، كما قاطع العالم جنوب أفريقيا خلال حقبة نظام الفصل العنصري».
ولا يوجد لدى حركة المقاطعة أرقام دقيقة لحجم الخسائر الإسرائيلية، وأكد البرغوثي أن «خسائر إسرائيل جراء المقاطعة لم يتم احتسابها بدقة بعد من قبل أي طرف، بما في ذلك الحكومة الإسرائيلية، فبعضها غير مرئي على المدى القريب، ولكنه مؤثر للغاية. مثلا، المقاطعة الأكاديمية والثقافية تؤثر في شعبية إسرائيل وبالتالي في رواج منتجاتها، وهذا عامل لا يتم التطرق إليه عادة في جرد حساب المقاطعة».
لكن جوناثان ميدفيد الرئيس التنفيذي لمؤسسة «أور كراود» التي تسعى لتقديم التمويل للشركات الإسرائيلية من خلال التمويل الجماعي سخر من الأمر برمته، بقوله: «المقاطعة تستخدم مثل بعبع أو قصة مخيفة تحكيها لطفل ليلا». وأضاف أن «الحقيقة أن إسرائيل قائدة عالمية في تكنولوجيا المياه والجيل التالي من الزراعة وأمن الإنترنت والابتكار في الرعاية الصحية وفي مجال الشركات الجديدة. فمن هو العاقل الذي سيقاطع كل ذلك؟». واختصر أوريل لين رئيس غرفة التجارة الإسرائيلية الأمر بقوله: «كل الحديث عن المقاطعات لم يلحق حتى الآن أي ضرر باقتصادنا»، غير أن الأمر لا يقاس بالنتائج الفورية، وربما ليس ماليا فقط.
وحذرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية زعماء إسرائيل من أن «كل هذه الحرب (المقاطعة) تشير إلى اتجاه واحد وهو أن إسرائيل تفقد شرعيتها في العالم». وبدا هذا القلق (فقدان الشرعية) واضحا على وجوه وتصرفات الوزراء الإسرائيليين، الذين انقسموا واختلفوا حول خطورة الحملة وطرائق مواجهتها.
وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزراء مثل وزير الاقتصاد نفتالي بينت المقاطعة والذين ينخرطون فيها أو يؤيدونها حتى في الدول الأوروبية «معادين للسلامية» جددا. وقال نتنياهو: «إنهم معادون للسامية وكلاسيكيون في لباس عصري»، بينما قال بينت: «السامية تغير وجهها الآن». وحاول نتنياهو تصوير ما يحدث بمحاولة لمقاطعة اليهود وليس إسرائيل. وقال إنه «أمر مرعب والأكثر خزيا أن يتحدث الناس في أوروبا عن مقاطعة اليهود».
غير أن وزيرة القضاء ومسؤولة ملف المفاوضات، تسيبي ليفني، كان لها رأي آخر، فلم ترَ في حركة المقاطعة «لا سامية جديدة»، بل قالت للوزراء في جلسة عاصفة: «إن من يربط معاداة السامية بالنقد الموجه ضد إسرائيل حول سياستها تجاه المستوطنات إنما يمس بالصراع ضد معاداة السامية ويبعد عنا دولا حليفة مهمة بسبب انتقادها للمستوطنات».
ووحده وزير المالية الإسرائيلي، يائير لابيد، كان محددا في وضع تصور للتهديد الاقتصادي، موضحا أن «خزانة الدولة درست مختلف السيناريوهات المتوقعة، قد تصل خسائرنا إلى 20 مليار شيقل (5.7 مليار دولار) في ميزان الصادرات السنوية. ويقدر البنك الدولي إجمالي الناتج القومي الإسرائيلي بما يقارب 260 مليار دولار في عام 2011».
ويبدو الرقم منطقيا إذا ما عرفنا أن حركة التجارة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي بلغت العام الماضي 36.7 مليار دولار بعد أن كانت 20.9 مليار في السنة السابقة.
لكن لابيد ينظر إلى الأمر من زوايا أكثر تخصصا. وقال لابيد أمام مئات من المهتمين بالأمن والاقتصاد الأسبوع الماضي: «عندما يسمع شعبنا تعبير (المقاطعة الأوروبية) فإن ما يخطر ببالهم أنهم لن يتمكنوا من الحصول على أجبان كاميمبرت أولا بأول، لكن الحقيقة لا تقتصر على ذلك»، مضيفا: «اقتصاد إسرائيل أكثر اهتزازا من أمنها. أي مقاطعة وإن كانت محدودة سترفع من تكاليف المعيشة وتؤدي إلى تخفيض الخدمات الحكومية».
ولم يكن لابيد يتحدث عن أرقام آنية، لكنه ربط هذه التوقعات بمصير مسيرة السلام، وقال: «إذا تعطلت المفاوضات مع الفلسطينيين أو انهارت ودخلنا في واقع المقاطعة الأوروبية، وإن كانت جزئية، فإن اقتصاد إسرائيل سيتراجع إلى الخلف، وسيشعر كل مواطن إسرائيلي بذلك في محفظته».

إلى أي حد يمكن أن يمضي
الاتحاد الأوروبي في مقاطعة إسرائيل؟
لا تبدو أوروبا موحدة في ما يتعلق بكيفية التعامل مع إسرائيل، إذ لم تتفق حتى على وضع ملصقات على السلع الإسرائيلية الواردة من المستوطنات توضح أصلها. وسئل مارتن شولتس، رئيس البرلمان الأوروبي، هذا الشهر خلال زيارته للقدس عما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيفرض عقوبات على إسرائيل إذا فشلت مفاوضات السلام، فأجاب: «لا توجد مقاطعة أوروبية».
وعلى الرغم من ذلك، فإن الإسرائيليين لا يشعرون بطمأنينة كافية، إذ يواصل مسؤولون أوروبيون تحذير إسرائيل من خطر أن تواجه عزلة اقتصادية عميقة إذا واصلت عمليات بناء المستوطنات اليهودية، وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري زاد الطين بلة عندما حذر هو الآخر في منتدى ميونيخ الدولي للأمن والسياسات الدفاعية الشهر الماضي من أنه إذا فشلت المفاوضات مع الفلسطينيين فسيتبين أن «ازدهار وأمن إسرائيل ليسا سوى وهم مؤقت فحسب»، مشيرا إلى أن حملة نزع الشرعية عن إسرائيل آخذة بالازدياد، في إشارة إلى الحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل بسبب سياسات الاحتلال.
ويمكن اختصار القلق الإسرائيلي في الغضب الكبير الذي ظهر بعد تصريحات كيري، إذ رد رئيس الوزراء الإسرائيلي على كيري دون أن يسميه في اليوم التالي، قائلا: «محاولات فرض المقاطعة الاقتصادية على إسرائيل غير أخلاقية وغير مبررة ولن تحقق أهدافها». وتابع: «أي ضغط لن يدفع بنا إلى التنازل عن المصالح الحيوية لإسرائيل وعلى رأسها أمن مواطني إسرائيل».
وندد وزير الشؤون الاستخباراتية الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، بتصريحات كيري ووصفه كمن «يصوب بندقية إلى رأس إسرائيل».
وقال وزراء آخرون إن كيري «مسيحاني متسلط ومهووس ومنفصل عن الواقع»، قبل أن ترد وزارة الخارجية الأميركية على الانتقادات التي وجهها وزراء إسرائيليون إلى كيري، قائلة في بيان: «الوزير كيري يتوقع من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني أن يصفا أفعاله وأقواله بشكل دقيق».
وأضاف بيان للخارجية الأميركية صادر عن الناطقة باسمها جين بساكي: «سجل كيري يثبت وقوفه إلى جانب دولة إسرائيل وسعيه للحفاظ على أمنها على مدى ثلاثة عقود».
كما أوضحت وزارة الخارجية الأميركية أن كيري يعارض بشدة فرض مقاطعة على إسرائيل، مشيرة إلى أنه كان قد حث نظراءه الأوروبيين في العام الماضي على عدم القيام بمثل هذه الخطوة.
وعمليا لا يوجد ما يشير إلى استجابة العالم للولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا إلى حركة المقاطعة كذلك.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه مقاطعة مؤسسات وشركات وبنوك لإسرائيل، فإنه يتواصل كذلك إقبال الشركات عليها. وتظهر أحدث بيانات بنك إسرائيل المركزي أن الاستثمار المباشر بلغ 10.51 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي ارتفاعا من 9.5 مليار في عام 2012، وزادت الصادرات لأوروبا بنسبة 6.3 في المائة العام الماضي. ولم تفصح إسرائيل عن توجهاتها لمحاربة حركة المقاطعة، سوى أن نتنياهو نقل المسؤولية من وزارة الخارجية إلى وزارة الشؤون الاستراتيجية، في جلسة للمجلس الأمني الإسرائيلي المصغر قبل أسبوعين، عقدت وسط تكتم شديد ودون الإفصاح عن أي نتائج.
وكان لافتا أن وزراء اليمين، وهم أفيغدور ليبرمان وزير الخارجية، ورئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، ونفتالي بينيت، وزير الاقتصاد، ورئيس حزب «البيت اليهودي»، ويوفال شتاينتز، وزير الشؤون الاستراتيجية عن «الليكود»، إضافة إلى منسقي العمليات في الضفة الغربية ورؤساء الشاباك والموساد، حضروا الجلسة بينما استبعد عن عمد وزراء الوسط واليسار ومنهم وزيرة القضاء ورئيسة حزب «الحركة»، تسيبي ليفني، ووزير المالية ورئيس حزب «هناك مستقبل»، يائير لابيد، ووزراء آخرون.
وامتنع الوزراء الإسرائيليون، الذين حضروا الاجتماع، عن إعطاء تفاصيل عن الجلسة والقرارات التي أخذت فيها، وكذلك الأسباب التي دعتهم إلى استثناء ليفني ولابيد وآخرين.
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن من بين الاقتراحات، التي وضعت على الطاولة، رفع دعوى قضائية في أوروبا وأميركا الشمالية ضد حركة المقاطعة، وتفعيل ضغط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة لتعزيز التشريعات في الكونغرس الأميركي ضد المقاطعة، إضافة إلى متابعة المنظمات المشجعة للمقاطعة استخباراتيا، وجمع معلومات عنها لاستخدامها ضدها. وهذه مؤشرات على أن المقاطعة بدأت تؤثر فعلا على إسرائيل، اقتصاديا ومعنويا، حتى وإن لم تعترف الحكومة بذلك. وفي الجلسة نفسها، طلب شتايتنز ميزانية إضافية بقيمة 100 مليون شيقل إسرائيلي لمواجهة دعوات المقاطعة الأوروبية.
وعقب البرغوثي: «(التخبط) هو دليل التأثير على مجتمع الاحتلال والفصل العنصري». ولكنْ ثمة وقت طويل قبل أن يتضح ما إذا كانت المقاطعة مجرد جعجعة، أو أنها ستحشر إسرائيل في عنق الزجاجة وتزيد من عزلتها. قد يكون ذلك مرتبطا بنجاح أو فشل المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي من المتوقع أن يكشف عن تفاصيلها كيري في الأسابيع المقبلة.

قائمة أبرز المؤسسات والشركات الغربية التي تقاطع إسرائيل

* النرويج: صندوق التقاعد الحكومي في النرويج الذي قام ببيع أسهمه في شركة «البيت معرخوت» الإسرائيلية.
- صندوق الاستثمار التابع للحكومة النرويجية، الذي قرر وقف الاستثمار في شركتي «أفريكا - يسرائيل» و«دانياسيبوس» الإسرائيليتين.
* ألمانيا: شركة القطارات الحكومية التي انسحبت من مشروع إقامة «قطار إسرائيل» الذي يمر من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
* بلجيكا: إلغاء الحكومة إقامة معرض «تل أبيب المدينة البيضاء»، الذي كان مقررا إقامته في العاصمة بروكسيل.
* أستراليا: أصدرت بلدية «مركيفيل» في مقاطعة سيدني قرارا بمقاطعة جميع الشركات التي تمارس التجارة مع إسرائيل.
* هولندا: إعلان شركة «فيتنس» للمياه في هولندا وقف التعامل مع شركة المياه الإسرائيلية «مكوروت».
- إعلان صندوق التقاعد الهولندي سحب استثماراته من البنوك الإسرائيلية.
* بريطانيا: قررت شبكة الأسواق التجارية الكبرى في بريطانيا فرض المقاطعة على جميع المنتجات التي تنتج في المستوطنات المقامة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين.
- قررت سلسلة متاجر «ماركس آند سبنسر» مقاطعة منتجات المستوطنات منذ عام 2007.
* آيرلندا: أعلنت منظمة العمال الآيرلندية المقاطعة على المنتجات أو الخدمات التي تصل من إسرائيل.
- قررت منظمة المعلمين في آيرلندا دعم فرض المقاطعة الأكاديمية على إسرائيل.
* كندا: تبنت منظمة عمال البريد سياسة المقاطعة على إسرائيل في جميع نشاطاتها.
- أعلنت الكنيسة البروتستانتية في فانكوفر عن انطلاق حملة لمقاطعة منتجات المستوطنات.
* الولايات المتحدة: انضمت المنظمة التعليمية الأميركية إلى المقاطعة الأكاديمية المفروضة على إسرائيل من قبل الكثير من الجامعات والنقابات.
- أعلن صندوق التقاعد الأميركي سحب استثماراته من إحدى الشركات التي قامت بيع جرارات زراعية للمستوطنات.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.