وزير خارجية مصر: ليس بين القاهرة والرياض سوى التوافق والرؤى المشتركة

شكري في حديث لـ {الشرق الأوسط}: نعمل للتحضير لزيارة خادم الحرمين الشريفين إلى بلادنا

سامح شكري
سامح شكري
TT

وزير خارجية مصر: ليس بين القاهرة والرياض سوى التوافق والرؤى المشتركة

سامح شكري
سامح شكري

نفى وزير الخارجية المصري سامح شكري وجود خلافات أو تمايزات في الرؤى بين القاهرة والرياض. وقال شكري في حديث خص به «الشرق الأوسط» بمناسبة وجوده في باريس للمشاركة في المؤتمر الدولي لحماية الأقليات الذي استضافته العاصمة الفرنسية أول من أمس إن «لكل من مصر والسعودية دورها وتناولها للأمور، وفي الوقت نفسه هناك تنسيق بيننا»، مضيفا أن القاهرة «تتعامل بشفافية مطلقة مع المملكة» التي تربطها بها «علاقات تتفوق على أي علاقات أخرى».
وفي موضوع القوة العربية المشتركة، امتنع وزير الخارجية المصري عن إعطاء تواريخ محددة لظهورها إلى النور، معتبرا طلب بعض الأطراف العربية تأجيل انعقاد مجلس الدفاع العربي المشترك دليل جدية في التعامل. أما في الموضوع السوري، فقد جدد شكري دعوته للقوى المؤثرة على المكونات السورية للدفع باتجاه الحل السياسي، معتبرا أن مصير بشار الأسد «يقرره السوريون»، وداعيا إلى العمل بورقة «جنيف 1» التي تنص على قيام حكومة انتقالية تتمتع بكافة الصلاحيات التنفيذية. وفيما يلي نص الحوار:
* شاركتم في المؤتمر الدولي لحماية الأقليات العرقية والدينية، هل تعتقد أنه ستكون له فائدة عملية على حياة الناس المعنيين به؟
- فائدة المؤتمر تكمن في أنه يبرز المخاطر المتصلة بالإرهاب ويزكي فكرة تضامن المجتمع الدولي من أجل محاربة التنظيمات الإرهابية والأعمال الإجرامية التي تقترفها. وتداول المؤتمر في موضوع المكونات الخاصة في المجتمعات في سوريا والعراق وذلك بسبب ضغوط العناصر الإرهابية. نحن في الواقع نفضل ألا نشير إلى مثل هذه المكونات إلا باعتبارها مكونات للنسيج الوطني.
* بكلام آخر، أنتم لا ترغبون في استخدام كلمة أقليات؟
- هذا صحيح. نحن في تجربتنا في مصر لدينا إخوة من المسيحيين المصريين الذين يرفضون أن يوصفوا بالأقلية لأنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني ولا تستطيع في مصر أن تفرق بين مسلم ومسيحي فكل ينعم بحقوق المواطنة ونرى أنه بالإشارة إلى الأقليات فإن ذلك يشكل نوعا من التفرقة الطائفية التي لا تفيد وإنما بالعكس تذكي التشرذم واستهداف التنظيمات الإرهابية لمكونات محددة أحيانا تكون هشة وضعيفة، ولكن يجب ألا ينظر إليها على أنها جزء لا يتمتع بالقدر نفسه من الحماية والاهتمام.
* هل سيكون لهذا المؤتمر بخلاصاته وخطة عمله تأثير ملموس على حياة الناس المعنيين به الذين عقد المؤتمر لأجلهم؟
- سوف ننظر إلى أي مدى ستتضافر الجهود الدولية لتوجيه الحماية. لكن الحماية المطلوبة يفترض أن تكون لكافة أفراد المجتمع الذي تعمل فيه هذه المنظمات الإرهابية والتي تستهدفه وبالتالي علينا أن ننظر إلى الأمر نظرة شاملة ولا نضع أنفسنا في مواضع ضيقة ونترك الساحة لهذه المنظمات بحيث تختار من تستهدفه ومن تتعامل معه.
* كان هناك نوع من التشويش في الإعلام المصري بخصوص زيارة كان سيقوم بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى مصر لدى عودته من الولايات المتحدة الأميركية. ما حقيقة الأمر؟ وهل لهذا التشويش أساس؟
- إطلاقا. هناك رغبة متبادلة للتواصل وللقاء على مستوى القيادتين. نحن نعمل، مصر والسعودية، للتحضير لزيارة مرتقبة لخادم الحرمين الشريفين إلى بلادنا.
* هل هناك تاريخ معين لتحقيق الزيارة؟
- لم يتحدد تاريخ بعينه وإنما بدأت الاستعدادات للزيارة من قبل الجانبين في إطار التواصل على المستويات القطعية المختلفة التي تشكل في مجملها أساس العلاقات المصرية السعودية وفي مناحيها المختلفة.
* يقال هنا وهناك بوجود تمايزات بين القاهرة والرياض إزاء جملة من المواضيع السياسية المتنوعة ذات العلاقة بأوضاع المنطقة ومن ذلك الموضوع السوري والتعاون مع «الإخوان» والعلاقة مع قطر وتركيا. هل يمكن أن توضح لنا حقيقة الأمر؟
- في اللقاء الذي جمعني بوزير خارجية السعودية عادل الجبير في القاهرة وفي بداية وصوله إلى موقع المسؤولية وكذلك عندما قمت بزيارة إلى السعودية، تم طرح هذا السؤال وكانت الإجابة من قبله ومن قبلي قاطعة وملخصها أنه ليس هناك إلا التوافق والرؤى المشتركة بين مصر والسعودية. ولكن هذا لا يعني أنه ليس لكل منا دوره وتناوله للأمور. وفي الوقت نفسه هناك تنسيق بيننا وهو ما يؤدي لبلورة كل منا لموقفه في ضوء المعطيات والخبرة والممارسة وبالتالي نحن نستفيد من الحوار والانفتاح والشفافية المطلقة التي نتعامل بها مع السعودية وهي تفوق أي علاقة أخرى. ونحن نتشاور ونحيط بعضنا البعض بكل خطوة نقوم بها بشكل واضح حتى يكون هناك تنسيق جدي لأن الهدف واحد فيما بيننا والمصلحة واحدة والمستقبل والمصير واحد.
* خصوصا أن زيارة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للقاهرة أرست أسس العلاقة الاستراتيجية بين القاهرة والرياض.. أليس كذلك؟
- كانت زيارته ناجحة للغاية وزيارتي للسعودية قبل أسبوع من زيارة سموه كانت أيضا عميقة في تناول القضايا الإقليمية والعلاقات الثنائية. ثم جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ومشاركته في تخريج طلاب الكلية الحربية دليلا على العلاقات وقوتها وتناولها لمناح مختلفة. والآن وقد بدأنا في التحضير المشترك للزيارة المرتقبة لجلالة خادم الحرمين، فهذا دليل على الاهتمام بحيث تأتي الزيارة بشكل منتج وتحد للأطر المختلفة وتجهيز يتناسب مع أهمية الحدث.
* هل سنرى قريبا ولادة القوة العربية المشتركة؟
- نحن نسعى دائما خاصة في حالة الاضطراب التي يشهدها العالم العربي لخروج هذه الفكرة إلى النور لما تؤدي إليه من سبيل رادع لأي أطماع وتهديد للأمن القومي العربي وخاصة أمن الخليج وهو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي العام. بعض الأطراف العربية ومن ضمنها السعودية طلبت تأجيل انعقاد مجلس الدفاع المشترك من أجل المزيد من البحث ونحن ننظر لذلك باعتباره تأكيدا للاهتمام بالموضوع والتعاطي معه بشكل مدقق.
* لكن هل هناك أفق زمني لذلك؟
- الحقيقة أننا لا نقيد أنفسنا بآفاق زمنية وإنما المهم هو التشاور وأن يتم الخروج بهذا المكون الهام لدعم الأمن القومي العربي بالشكل الذي يحقق المصلحة في نهاية الأمر.
* نعلم أن علاقتكم جيدة مع روسيا. الرئيس زار موسكو وأنت كذلك وهناك مشاورات دائما بين القاهرة وموسكو. كيف تنظر إلى قرار روسيا بتعزيز حضورها العسكري في سوريا وتوفير دعم إضافي للنظام السوري بالسلاح والعتاد وربما المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية؟ كيف تفهمون الموقف الروسي بعد التسريبات عن «تحول» في الرؤية الروسية ورغبة في لعب دور الوسيط والتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية؟
- يؤلمنا كثيرا ما يحصل في سوريا وما يتعرض له الشعب السوري من قتل وتدمير وتهجير وشرذمة. وهذا الوضع الذي نشهده في أووربا من هجرة جماعية ولجوء شيء مؤلم حقيقة لأي عربي. وفي الوقت نفسه، نرى أن الحل السياسي هو الوحيد القادر على الخروج من الأزمة ووقف النزاع المسلح. ولكن هناك العنصر الإرهابي ولا بد أن نتكاتف جميعا لمحاربة الوجود الإرهابي في سوريا. ولكن لا بد من الاعتماد على الحل السياسي القائم على محددات «جنيف 1» وتشكيل حكومة انتقالية تمثل كافة الأطياف السياسية السورية. ومصر قامت بعمل مع المعارضة الوطنية السورية التي لا يمكن اتهامها بأي شكل من الأشكال بأنها متورطة في أعمال إرهابية أو أنها في خدمة مصالح التطرف. وقد نظمنا اجتماعين لأطرافها وهي قبلت بالإطار السياسي للحل، وعلى كافة الأطراف في سوريا أن تتقبل الحل السياسي لوقف سيل الدماء.
* لكن كيف تنظرون إلى ما تقوم به روسيا من تعزيز عسكري؟ هل يمكن لهذا التطور أن يصب في الإطار الذي تتحدثون عنه؟
- نحن نتحدث إلى الطرف الروسي وندفع باتجاه الحل السياسي ونستمع لوجهة نظرهم التي يؤكدون فيها خيارهم السياسي. وبالتالي نحن نحث كافة الأطراف أن يؤكدوا للمكونات المختلفة في سوريا أهمية الحل السياسي وضرورة الانخراط فيه.
* وماذا عن الدور الإيراني؟
- لإيران القدرة على التأثير.
* هل ترون أنها تدفع باتجاه الحل السياسي؟
- أتصور أن ذلك هو المطلوب لأن عكسه هو الاستمرار في الحل العسكري والحل العسكري منبوذ لا بل إنه يعتبر مجرما في هذه الأوضاع لما يؤدي إليه من فقد الأرواح وانتهاك حقوق الإنسان. ولذا على كل طرف في المجتمع الدولي التزام أن يزكي الحل السياسي وأن يسعى لتحقيقه من خلال ما لديه من قوة تأثير على مختلف المكونات.
* أنتم تعلمون أن نقطة الخلاف الرئيسية هي مصير الرئيس الأسد. ما رؤية مصر؟ وهل أنتم قادرون على تقديم مخرج من هذه المعضلة؟
- مصر تتعامل وفقا لإرادة الشعب السوري الذي له أن يقرر من خلال حكومة انتقالية ممثلة لكافة أطياف الشعب ثم من خلال انتخابات حرة تتم تحت رقابة دولية وفي إطار تفعيل «جنيف 1». وندعو المكونات السياسية للتواصل لحل هذا النزاع والنظر إلى المستقبل. ماذا يأتي به المستقبل؟ هو أمر متروك لإرادة الشعب السوري.
* لماذا التأخير في التوصل إلى الموافقة على مقترحات المبعوث الدولي في ليبيا؟ وكيف يمكن التغلب من وجهة نظركم على العقد التي تعيق إخراج ليبيا من محنتها؟
- المبعوث الدولي وصل إلى نتائج إيجابية بفضل جهود الكثير من دول الجوار بما فيهم مصر عند التوصل إلى اتفاق الصخيرات. ثم قيل في إطار المفاوضات إن المجتمع الدولي سيفرض إرادته على الأطراف التي تنبذ الاتفاق. لكن للأسف لم نر شيئا من ذلك. المجتمع الدولي والشركاء الأوروبيون والولايات المتحدة الأميركية لم يقوموا بالضغوط المطلوبة على الجهات المتطرفة في طرابلس لتحفيزها للانضمام إلى الاتفاق.
* وما دور مصر في ذلك؟
- نحن ندعم الحل السياسي وجهود المبعوث الدولي وندعو لتنفيذ الاتفاق فيما بين الأطراف التي قبلته لأنه يفتح الطريق لدعم حكومة الوحدة الوطنية من قبل المجتمع الدولي حتى يتحقق الاستقرار للشعب الليبي إذ لا يمكن أن يستمر الوجود الإرهابي (في ليبيا) ولا فراغ الدولة التي من واجباتها الأولى أن تسيطر على المخاطر المترتبة على الإرهاب.



استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)

تحولت تداعيات محاولة هبوط طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية، الاثنين الماضي، من أزمة سياسية وعسكرية إلى مصدر خوف للسكان في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، بعدما أعقبتها حملات اعتقال واسعة وإجراءات أمنية غير مسبوقة في صنعاء والحديدة، بذريعة ملاحقة خلايا تجسسية وإرهابية، وسط مخاوف من أن يقود التصعيد إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية.

وأجبر الجيش اليمني طائرة تابعة لشركة الطيران الإيرانية «ماهان إير»، على الهبوط في مطار الحديدة، بعد أن اخترقت الأجواء اليمنية رغم التحذيرات التي أطلقتها السلطات اليمنية، واستهدفت القوات الجوية اليمنية مدارج الهبوط والإقلاع في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين الذين كانوا حشدوا أنصارهم لتنظيم استقبال استعراضي لوفدهم القادم من الأراضي الإيرانية.

وبينما أبدى سكان صنعاء والحديدة مخاوفهم من تبعات التصعيد الحوثي على حياتهم، شنت الجماعة حملات اعتقالات واسعة النطاق في المدينتين، طالت العشرات ممن لم يُكشف عن هوياتهم، بعد فرض حصار مطبق على المنازل والحارات التي جرت فيها الحملات.

وذكر شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أن عدداً من الحارات المحيطة بشارع تونس في مديرية الثورة، في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، شهدت استنفاراً وحصاراً استمرا قرابة يومين كاملين، وتسببا بحالة من الهلع في أوساط السكان، بعد أن نشرت أجهزة الأمن الحوثية عدداً كبيراً من عناصرها الملثمين وعرباتها المدرعة في المداخل وأقدمت على اقتحام منازل واعتقال عددٍ غير معروف من ساكنيها.

صورة لهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة التقطها أحد السكان (إكس)

وقيّدت عناصر الجماعة حركة تنقل أهالي الحارات التي نفذت فيها حملات الاعتقال، ولم تسمح بخروج أي شخص، في حين كان يجري احتجاز كل من يقترب منها أو يحاول الدخول إليها، ويجري التحقيق معه داخل العربات التابعة للحملة، قبل أن يقرّر قادة الحملة إطلاقهم أو اعتقالهم ومنعهم من التواصل مع أقاربهم.

مخاوف واعتقالات

كشفت مصادر مطلعة عن إجبار الجماعة الحوثية كل من أُفرج عنهم على التعهد بعدم الإفصاح، لأي كان، عمّا جرى خلال التحقيق معه، أو الكتابة والنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، متوعدة بملاحقتهم في حال مخالفة هذا التعهد.

ونقلت المصادر عن أحد الشهود أنه جرى احتجازه والتحقيق معه ساعات عدة بسبب مروره في شارع تونس ووقوفه للسؤال عن سبب الإجراءات الأمنية المشددة، ولم يتم الإفراج عنه إلا بعد استكمال التحريات بشأنه.

غبار ودخان في مطار صنعاء بعد ضربات للجيش اليمني رداً على خروق الحوثيين وإيران (أ.ف.ب)

وحسب ما نقلت المصادر عمن جرى احتجازهم والتحقيق معهم، فإن الجماعة تزعم أنها كانت بصدد ضبط خلايا إرهابية وتجسسية تنشط في الحي وتستعد لتنفيذ عمليات تستهدف شخصيات ومواقع أمنية وعسكرية.

وشهدت أغلب شوارع وأحياء صنعاء ومدينة الحديدة (غرب) إجراءات أمنية مشددة، وانتشاراً للعربات التابعة لأجهزة أمن الجماعة، وتكثيف أعمال تفتيش المارة والسيارات، وإغلاق بعض الشوارع والمنافذ.

ووفقاً لتقدير المصادر، فإن هذه الإجراءات ترتبط بمخاوف الجماعة من رد الجيش اليمني على التصعيد الذي أقدمت عليه الجماعة بدعم من النظام الإيراني، وذلك باختراق السيادة اليمنية وإرسال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء دون إذن من السلطات الشرعية.

كما شهدت مدينة الحديدة اعتقالات على نحو واسع النطاق طالت العشرات من السكان في عدد من الأحياء والشوارع المحيطة بالمطار، دون الكشف عن الأسباب والدوافع، في حين رجّح متابعون أن المستهدفين بالحملة ممن التقطوا صوراً بهواتفهم لهبوط الطائرة الإيرانية ونشروها في مواقع التواصل الاجتماعي.

الجماعة الحوثية نفَّذت حملات اعتقال وانتشار أمني بعد أزمة الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

وقال شاهد عيان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة كثفت من انتشارها في مختلف الشوارع والأحياء، خصوصاً جهة الشرق، بالقرب من المطار، وأوقفت العشرات لتفتيش هواتفهم.

حسابات التصعيد

قوبلت الإجراءات الحوثية والإيرانية بغضب واستنكار واسعين؛ لما تمثله من تعقيد للأزمة اليمنية وزيادة لمعاناة السكان في ظل تردي الأحوال المعيشية وتراجع المساعدات الإغاثية الدولية.

وتحدث سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفهم من أن تؤدي الخطوات التصعيدية الحوثية، والعمليات العدائية ضد منشآت حيوية في جنوب السعودية، إلى المزيد من التدهور الاقتصادي وأزمات في المواد والسلع الضرورية.

وفسّر مدرس وأكاديمي في جامعة صنعاء الأعمال التصعيدية الحوثية بمحاولة فرض شروط معقدة لأي تسوية سياسية متوقعة في المستقبل، حيث تحاول الجماعة تحسين وضعها التفاوضي بعدما واجهته من خسائر اقتصادية وعسكرية بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية رداً على عملياتها في البحر الأحمر والمواجهة التي اصطنعتها مع تل أبيب.

الجيش اليمني منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء بعدد من الضربات (أ.ف.ب)

وذهب الأكاديمي الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته؛ حفاظاً على سلامته، إلى أن الجماعة توجه رسائل اختبار لقياس ردات الفعل المحلية والإقليمية والدولية، وأن ثمة احتمالات لأن تكون تلقت توجيهات إيرانية بذلك، للحصول على مكاسب مزدوجة للطرفين في ظل التوتر الذي ما يزال قائماً في المنطقة.

وبيَّن الأكاديمي، أن قادة الجماعة الحوثية الذين يسيطرون على جامعة صنعاء، يتناقلون يومياً أحاديث عن لقاءاتهم بقيادات عليا أو تلقيهم اتصالات تحثهم على المزيد من التعبئة في أوساط الطلاب وموظفي الجامعة والأكاديميين.

وكشف عن استعدادات كبيرة كانت الجماعة تجريها لتنظيم حفل استقبال كبير لوفدها العائد من طهران في مطار صنعاء، قبل أن تضطر إلى إلغائه بعد تلقيها تحذيرات بعدم السماح بهبوط الطائرة فيه.

ويخشى اليمنيون أن يقود هذا التصعيد إلى مزيد من التشديدات الأمنية وتقييد الحريات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الإنسانية؛ ما يجعل المدنيين الطرف الأكثر تأثراً بأي مواجهة أو حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود اليمن.


تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع عودة التصعيد العسكري للحوثيين، بالتزامن مع تداعيات استئناف الحرب على إيران، التي بدأت تلقي بظلالها على حركة التجارة وإمدادات السلع إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من اتساع رقعة الجوع وتراجع قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة بسبب النقص الحاد في التمويل.

وقالت مصادر حكومية وأخرى تجارية لـ«الشرق الأوسط» إن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى البلاد، مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن مئات الحاويات لا تزال عالقة في موانئ إقليمية منذ أشهر نتيجة تعطل خطوط الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، في حين تتصاعد المخاوف من تأخر وصول شحنات جديدة وارتفاع إضافي في تكاليف النقل.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار السلع، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، في وقت يعاني فيه السكان أصلاً تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.

الحوثيون يصعّدون رغم التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الجولة الأولى من الحرب بأكثر من 20 في المائة، في حين كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد فرض الجماعة رسوماً جمركية مرتفعة على شحنات القمح والدقيق الواردة عبر الموانئ الخاضعة للحكومة، تجاوزت 100 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار الدقيق، وهو الغذاء الرئيسي لمعظم السكان، ولا سيما في المحافظات الجبلية.

تحذيرات أممية

وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع انعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقرير أممي حديث، فإن استمرار النزاع، وتراجع التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الواردات، عوامل تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من الفقر والجوع، ما لم تتوفر موارد إضافية تضمن استمرار برامج الإغاثة.

وأشار التقرير إلى أن 18.3 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع توقع انتقال مزيد من المديريات إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، ووصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية من الجوع.

كما أوضح أن 22.3 مليون شخص -يمثلون أكثر من ثلثي سكان اليمن- سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، بينهم 5.2 مليون نازح داخلياً، إضافة إلى المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

تمويل متراجع

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة، إذ لم يتجاوز ما جرى توفيره حتى نهاية مايو (أيار) 12.7 في المائة من إجمالي 2.16 مليار دولار تحتاج إليها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، الأمر الذي دفع وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها وحصر تدخلاتها بالحالات الأشد احتياجاً.

الأطفال والنساء يظلون الأكثر تضرراً من سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن الأطفال والنساء يظلون الفئة الأكثر تضرراً في اليمن، مع توقع إصابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 500 ألف يعانون سوء التغذية الوخيم، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة معرضات لسوء التغذية.

وأضاف التقرير الأممي أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية في اليمن أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، في وقت يزيد فيه استمرار تفشي الكوليرا والحصبة والدفتيريا، إلى جانب تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي.


العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.