الشرطة المدنية تنطلق من مركز نموذجي في عدن لمباشرة عملها في ضبط الأمن

ضباط إماراتيون يتولون العمليات والاتصالات.. وانخراط 4 آلاف شاب يمني في المؤسسة العسكرية

إحدى السيارات التي قدمتها الإمارات لشرطة عدن لحفظ الأمن ({الشرق الأوسط})
إحدى السيارات التي قدمتها الإمارات لشرطة عدن لحفظ الأمن ({الشرق الأوسط})
TT

الشرطة المدنية تنطلق من مركز نموذجي في عدن لمباشرة عملها في ضبط الأمن

إحدى السيارات التي قدمتها الإمارات لشرطة عدن لحفظ الأمن ({الشرق الأوسط})
إحدى السيارات التي قدمتها الإمارات لشرطة عدن لحفظ الأمن ({الشرق الأوسط})

أعلنت السلطة المحلية في محافظة عدن، جنوب اليمن، أن الشرطة المدنية باشرت عملها، أمس السبت 5 سبتمبر (أيلول) 2015م، لاستئناف الشرطة لمهامها، بعد الدعم الذي قدمته دولة الإمارات من معدات وسيارات، وذلك في عملية تهدف إلى أمن واستقرار المحافظة، التي تعيش وضعا استثنائيا، عقب تحررها من ميليشيات وقوات الحوثي وصالح، منتصف يوليو (تموز) المنصرم.
وقال المتحدث باسم السلطة المحلية في المحافظة، صلاح العاقل، لـ«الشرق الأوسط» إن الشرطة استأنفت نشاطها، من شرطة مدينة الشيخ عثمان، شمال شرقي عدن، وهي الشرطة النموذجية، لافتا في الوقت ذاته إلى أن الإمارات دعمت شرطة عدن، بأجهزة متكاملة، فضلا عن إسهامها في تأهيل عناصر شرطوية، خارج اليمن.
وذكر العاقل أنه سيجري توزيع ضباط إماراتيين، وبواقع ضابطين اثنين على كل قسم شرطة، يتولى أحدهما العمليات والآخر يكون مسؤولا عن الاتصالات، مضيفا أن شرطة النجدة والمرور عاودت نشاطها، خلال الأيام الثلاثة الماضية، لافتا إلى أن قيادة السلطة المحلية قامت يوم الخميس بتدشين عمل قوات النجدة وشرطة السير.
إلى ذلك، أشار العميد عباس صالح مقبل الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية اليمنية في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن البلاد تمر بمرحلة تاريخية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، إذ إن الحرب ما زالت قائمة، وخلفت آثارا جسيمة في البنية التحتية وفي النفوس، مضيفا أن معظم وحدات وألوية ومعسكرات الجيش والأمن انتهت، وكانت حصيلة ذلك أمنا مفقودا، وألغاما مزروعة، وكهرباء واتصالات منقطعة أو معدومة، وطرقا مخربة، ومياه شرب منعدمة، وأسعارا مرتفعة، والأهم من ذلك أن هوية الدولة مفقودة، لدرجة أنه لم يعد هناك رابط بين المواطن ودولته، لأن كل الأنظمة والقوانين والدستور المنظم لحياة المجتمع معطلة.
وبيّن العاقل أن «هذه الأشياء، بلا شك، ستكون عوامل سلبية تقف بوجه استعادة الأمن والاستقرار، باعتبار إشاعة الأمن والاستقرار المهمة الأولى، وأن الهدف يتوجب له أمن وجيش وطني مؤهل وحقيقي، ووحدات أمنية وطنية، ولاؤها لله وللوطن، وليس مثلما سبق في عهد الرئيس المخلوع وأقربائه وأتباعه، الذين بنوا للأسف جيشا وأمنا جهويا وفئويا وعائليا».
وأكد الخبير الأمني والعسكري أن أمام أجهزة الأمن والجيش الوطني مهام جسيمة، تتمثل أولا بتطبيع الحياة العامة، وتأمين عودة السكان إلى منازلهم، وبمساعدتهم قدر الإمكان على تمشيطها، من قبل الفرق الهندسية المعنية بالكشف والإزالة لهذه الألغام، من الطرقات العامة، والفرعية، والمنازل والمنشآت، التي تم دخولها والتمركز فيها، والمساعدة في إعادة كل الخدمات الضرورية بالتنسيق مع الجهات الأخرى الخدمية. وأردف: «المسألة التالية ينبغي إعادة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، والألغام والمتفجرات، والقنابل اليدوية والقواذف الصاروخية، ووسائل النقل الثقيلة والخفيفة، وأجهزة الاتصالات والمعدات الهندسية، وكل ما يخص القوات المسلحة والأمن والمنشآت الحكومية والخاصة، للاستفادة منها وتشغيلها مثلما كان سابقا، بالتنسيق مع القيادات العسكرية والأمنية والمدنية الحكومية وغير الحكومية.
واعتبر أن المسالة الرابعة تتمثل بالمشاركة الفعالة في دمج المقاومة بقوات الجيش الوطني، وهذا يجب أن تتبع فيه الإجراءات الصحيحة مثل الاستمارات الخاصة بالأفراد المراد دمجهم، ومحتواها السيرة الذاتية، لجميع الأفراد الذين سيتم دمجهم في الجيش والأمن، لافتا إلى أن هذه الإجراءات مهمة وأساسية لضمان إقامة جيش وطني حقيقي، وشطب من لا تتوفر لديهم الكفاءة والنزاهة والأهلية، من الانضمام إلى المؤسستين الأمنية والعسكرية.
ونوه بأن تأمين الحماية للمحافظات المحررة، مؤملا أن تساعد دول الخليج شقيقتهم اليمن في ما يخص التقنية والأجهزة والمؤن، وهذه المساعدة المطلوبة ضرورة في الوقت الراهن، كي يتم تطهير المحافظات من كل الخلايا النائمة، وكذا من الأفراد الموالين للحوثيين والرئيس المخلوع، ورصد كل القادمين إلى عدن والمحافظات الأخرى المحررة من الميليشيات الحوثية واتباع الرئيس الأسبق، خصوصا المنافذ البرية والبحرية والجوية، والتعامل مع هذه الفئات وفقا والإجراءات المتبعة في كل دول العالم.
وفي ذات السياق قال مسؤول البحث الجنائي بمحافظتي لحج والضالع سابقا، المحامي محسن ناجي محمد، لـ«الشرق الأوسط» إن أمن واستقرار المحافظات المحررة يلزمه عدد من الإجراءات الأولية، أهمها العنصر البشري المختص المؤهل للتعامل مع المسألة الأمنية، علاوة على إشراك المجتمع في المسألة الأمنية، باعتبارها عملية مشتركة ومتكاملة بين المواطن ورجل الشرطة.
وأكد القيادي الأمني الأسبق ضرورة عمل خطة أمنية، وتفعيل مراكز الشرطة، ووضع قيادات أمنية، من العناصر ذات الكفاءة والخبرة، وتحظى باحترام وقبول المجتمع، وتوزيع المدينة إلى مربعات أمنية، تسهل على الجهات الأمنية، ضبط الأمن وبسط نفوذ النظام والقانون، وتشكيل لجان أمنية في الأحياء السكنية من المواطنين، وتقوية شبكة المعلومات، ورصد وجمع المعلومات عن العناصر المشتبه بإخلالهم للنظام العام، باعتبار إحلاله وحفظه وحمايته من أي انتهاك، من صلب مهمة رجال الأمن.
وأضاف أن الأمن متعدد ومتشعب الاختصاصات والمهام، مشيرا إلى أن عدن خاصة والمحافظات الجنوبية المحررة لديها إرث كبير في العمل الأمني المؤسسي المجتمعي المعلوماتي، وعلى السلطات المحلية، إلى جانب المقاومة والجيش الوطني، الاستعانة بالضباط والجنود المتخصصين والمؤهلين الذين بمقدورهم، شغل مراكز الشرطة، والمراكز الحيوية العملياتية والمعلوماتية، علاوة على امتلاكهم المعرفة والقدرة على التعامل مع المشكلات الأمنية الحاصلة الآن، منوها بأن العامل البشري القادر على التعامل مع المصادر والمعلومات الأمنية، يعد من أولويات الحالة القائمة، ومن ثم يأتي دور التقنية والتأهيل والتدريب للمجندين الملتحقين، في مؤسسة الأمن. وكان محافظ عدن، نايف البكري، كشف عن وجود لواء عسكري سعودي وآخر إمارتي بكامل تجهيزاتهما العسكرية، في العاصمة اليمنية المؤقتة (عدن)، يعملان وفق استراتيجية واضحة لدعم الجهود العسكرية والأمنية، كذلك الحفاظ على الانتصارات التي تحققت في الآونة الأخيرة، من خلال إقامة حزام أمني على المدينة ومحفظاتها.
وقال البكري إن قرابة 400 ضابط وفرد من الشرطة انتشروا للقيام بجولات ميدانية وعمل الحزام الداخلي لمدينة عدن، إضافة إلى عودة أكثر من 300 ضابط وعسكري للعمل الميداني في مراكز الشرطة المؤهلة في العاصمة اليمنية، وذلك بعد أن خضعوا لدورة تدريبية وتأهيلية خلال الفترة الماضية، بينما أخضع نحو 357 فردًا لدورة تدريبية، تمهيدًا للالتحاق بالأجهزة الأمنية ومنها، البحث الجنائي، الدفاع المدني، والمرور، وسيكون داعما في الفترة المقبلة للقطاعات العسكرية.
وشددت محافظة عدن على أهمية وجود اللواء العسكري السعودي والآخر الإماراتي، في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد من ضعف في بعض الجهات، خصوصا أن المقاومة الشعبية بكل أطيافها تخوض معركة التحرير بالتعاون والتنسيق مع قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية، الذي قدم الدعم الكامل لإعادة الشرعية، لافتا إلى أن الحفاظ على الأمن وسلامة المواطنين يأتي ضمن أولويات التحالف العربي، وخصوصا من السعودية والإمارات اللتين قدمتا كل ما لديهما للحفاظ على مكتسبات البلاد. وبرزت ظاهرة حمل السلاح، وإطلاق الرصاص، وأعمال عنف واقتتال، في الآونة الأخيرة، جراء توافر السلاح، وبكمية كبيرة، باتت لافتة ومهددة للسكينة، وهو ما استدعى بتحرك عسكري سعودي إماراتي، وبإرسال لواءين مجهزين بأحدث الوسائل العسكرية إلى محافظة عدن وفق تأكيد محافظها الشاب نائف البكري. وفي غضون ذلك، التحق نحو 4000 ألف شخص من شباب اليمني الجنوبي الذين انخرطوا ضمن اللجان الشعبية بمؤسسة الأمن، في محافظة عدن الجنوبية، التي تعيش حراكا تنمويا وإغاثيا وأمنيا وعسكريا وخدميا وشعبيا، لاستعادة كثير من الخدمات واستتباب الأمن والاستقرار، في المدينة التي لم تعرف طوال تاريخها مثل هذا الفراغ الأمني الذي يعمل الآن على ملئه وشغله وبدعم ومساعدة الأشقاء في دول التحالف، وفي المقدمة السعودية والإمارات اللتين تشاهد أعلامهما في كل الأماكن والساحات والطرقات.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.