اليزمي: تأييد الملك لتوصياتنا حول الهجرة تعبير عن فهمه البعد الإنساني والحقوقي للظاهرة

رئيس المجلس المغربي لحقوق الإنسان يصرح لـ {الشرق الأوسط} بأن غالبية السوريين دخلوا البلاد عبر الجزائر

إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب
إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب
TT

اليزمي: تأييد الملك لتوصياتنا حول الهجرة تعبير عن فهمه البعد الإنساني والحقوقي للظاهرة

إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب
إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب

قال إدريس اليزمي، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب، إن التقرير الذي أصدره المجلس بشأن الهجرة وطالبي اللجوء، وإعلان المغرب عن سن سياسة جديدة للهجرة، شكلا مفاجأة للمجتمع المغربي وكذلك للمجتمع الأوروبي، وإنهما شكلا كذلك منعطفا بالنسبة للمسؤولين الأوروبيين، في التعامل مع هذا الموضوع. وأضاف اليزمي في حوار مع «الشرق الأوسط» أن تأييد الملك محمد السادس توصيات المجلس يعبر عن فهمه للبعد الإنساني والحقوقي لهذه الظاهرة، بالإضافة إلى أنها تدخل ضمن اهتمام الملك بتوطيد العلاقات مع الشعوب والدول الأفريقية الذي عبر عنه قبل نشر التقرير وبعده خلال زيارته الأخيرة لمالي، كما يعبر، من وجهة نظره، عن الإرادة الملكية لتوطيد دولة الحق والقانون، وأنه مسار مستمر بخطوات تدريجية.
وأوضح اليزمي أن المغرب أصبح دولة استقبال واستقرار للمهاجرين، «لهذا إذا كنا نطالب بالحقوق نفسها لمواطنينا في الخارج، فعلينا أن نظهر أن لدينا القدرة على استقبال الآخر، وقبول التعدد الثقافي واللغوي والديني، فحقوق الإنسان ليست سوقا ممتازة نأخذ منها ما نشاء ونترك ما نشاء». وأضاف أن المغرب اختار؛ دولة وشعبا، أن يتعامل مع حقوق الإنسان بجدية ومهنية وبالمقاييس الدولية.. وفي ما يلي نص الحوار.

> مباشرة بعد اطلاعه على تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان ترأس الملك محمد السادس اجتماعا مع كبار المسؤولين والوزراء أعطى خلاله تعليمات بسن سياسة جديدة للهجرة.. هل يعني ذلك أن وضعية المهاجرين الوافدين على البلاد وصلت لدرجة من الخطورة استدعت تدخل أعلى سلطة في البلاد؟
- أود أن أذكر أنها ليست المرة الأولى التي يطلع فيها جلالة الملك على تقارير المجلس، ويعبر عن تأييده لتوصياته، فقبل أشهر رفع المجلس أربعة تقارير إلى الملك محمد السادس، وعبر عن تأييده لما جاء فيها من توصيات. إن ترؤس الملك اجتماعا مع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، مباشرة بعد اطلاعه على تقرير المجلس، هي بالفعل المرة الأولى، التي يجري فيها ذلك، وهذا يعبر عن فهم الملك للبعد الإنساني والحقوقي لهذه الظاهرة، بالإضافة إلى أنها تدخل ضمن اهتمامه بتوطيد العلاقات مع الشعوب والدول الأفريقية، التي عبر عنها قبل نشر التقرير وبعده خلال زيارته الأخيرة لمالي، كما يعبر، من وجهة نظري، عن الإرادة الملكية الهادفة إلى توطيد دولة الحق والقانون، وهو مسار مستمر بخطوات تدريجية، ومحطة من بين المحطات، وتعبر كذلك عن المساندة الملكية لهذه المؤسسة الدستورية كباقي المؤسسات الأخرى.
> دعا الملك محمد السادس إلى التعامل مع المهاجرين بطريقة إنسانية والتزام بالقانون الدولي، مقرا في الوقت ذاته بأن بلاده لا يمكنها استيعاب كل المهاجرين الوافدين عليها، كيف يمكن المزاوجة بين البعدين الإنساني والأمني في التعامل مع قضايا الهجرة؟
- الفكرة الأساسية التي أكدها التقرير هو أن المغرب كان منذ قرون دولة استقبال للهجرة، وأصبح هناك اليوم، في إطار التحولات الجذرية التي تعرفها الهجرة على الصعيد العالمي، لا سيما الهجرة جنوب - جنوب، التي وصلت إلى 70 مليون مهاجر، وعي بأن المغرب بلد استقرار، خصوصا في ظل السياسة التي انتهجتها أوروبا لحماية حدودها.. فالمغرب يلعب دورا مهما في هذا الإطار؛ إذ أصبح الدولة الأولى الأكثر شراكة مع أوروبا في هذه السياسة، إذ قلصنا بشكل كبير أعداد المهاجرين غير الشرعيين نحو أوروبا، وفي المقابل، للمغرب، مثل باقي دول العالم، الحق في مراقبة حدوده وتحديد من له الحق في الإقامة الشرعية، وهو حق يضمنه القانون الدولي لحقوق الإنسان، وليس هناك ما يجبر دولة على تسوية الوضعية القانونية للأجانب الذين يوجدون في وضعية غير قانونية؛ إذ لا يوجد في المواثيق الدولية بما فيها اتفاقية حماية المهاجرين والعمال وعائلاتهم، ما يفيد بذلك، لكن لأي دولة الحق في تفعيل هذه الحقوق، والجديد في هذه السياسة هو أنه وفاء لروح الدستور ومنطوقه ولالتزاماتنا الدولية، ووفاء لعمقنا الجغرافي والجيو – استراتيجي، لا بد من هذه المقاربة الإنسانية التي كانت سارية المفعول. مثلا هناك أكثر من 10 آلاف طالب أغلبهم من أفريقيا يدرسون في المغرب، وما بين ستة وسبعة آلاف يتوفرون على منح مغربية، وما سنقوم به، من وجهة نظري، هو تعميق لهذه السياسة.
> يقال إن تحرك المغرب لسن هذه السياسة الجديدة تجاه المهاجرين جاء رد فعل على التقارير الحقوقية الأجنبية التي انتقدت أكثر من مرة طريقة التعامل مع المهاجرين خاصة المهاجرين الأفارقة، ما ردك؟
- بصراحة؛ بدا العمل على هذا التقرير منذ أيام أحمد حرزني الرئيس السابق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، أي قبل مايو (أيار) 2011، وكنت آنذاك عضوا في المجلس، واشتغلت برفقة حرزني على هذا التقرير، لأن هذا التحول الاستراتيجي للمغرب من دولة تصدير لليد العاملة إلى دولة استقبال، لم يبرز منذ أسبوعين. ثانيا، سنصدر في موازاة هذا التقرير الدراسة العلمية التي قمنا بها في إطار شراكة مع معهد البحث «جاك بيرك» بالرباط لأننا نرى أنه لا بد من دراسة علمية تكون بمثابة أرضية لهذا التقرير. أما بخصوص التقارير الدولية التي ذكرت، فتفاعل الدولة مع تقارير حقوقية دولية ظاهرة صحية وإيجابية، وتبرز انفتاح هذه الدولة على المجتمع المدني الوطني والدولي.
> أعلنت وزارات الداخلية والعدل والخارجية عن تشكيل عدد من اللجان المختصة لمباشرة تنفيذ السياسة المغربية الجديدة للهجرة بتنسيق مع مجلسكم.. متى تتوقعون أن تظهر النتائج العملية لهذه اللجان، وما دور المجلس في هذا الشأن؟
- بدأت هذه اللجان عقد اجتماعات، وهناك تنسيق وتشاور بينها وبين المجلس والحكومة في هذا المجال. بدأت تسوية وضعية اللاجئين الذين منحت لهم صفة لاجئ من قبل مكتب الرباط للمفوضية السامية للاجئين يوم الأربعاء الماضي، فقد جهزت وزارة الخارجية مقرا، وسيجري استقبال الأفواج الأولى للاجئين، وهناك جلسات عمل بين وزارتي الخارجية والداخلية، والمفوضية السامية للاجئين، وبدأ تدريب الأطر المغربية على استقبال الأفواج الأولى.
> ذكرتم أن المغرب يعاني من آثار السياسة الصارمة التي تعتمدها أوروبا لمراقبة حدودها الخارجية، وأعلن أكثر من مرة مسؤولون مغاربة؛ منهم سعد الدين العثماني وزير الخارجية، أن المغرب يرفض أن يلعب دور الدركي لأوروبا، ما مؤاخذاتكم على دول الاتحاد الأوروبي وأوجه التقصير التي تلاحظونها في تعاملهم مع قضايا الهجرة؟
- يمكن القول إن تقرير المجلس شكل مفاجأة للمجتمع المغربي وكذلك المجتمع الأوروبي، وشكل منعطفا بالنسبة للمسؤولين الأوروبيين. من قبل كانت السياسة الأوروبية للهجرة تؤكد على ثلاثة جوانب؛ أولا، أن يقبل المغرب عودة المغاربة الذين يوجدون في وضعية غير قانونية، والأجانب الذين مروا عن طريق المغرب، ووصلوا إلى أوروبا، بطريقة غير قانونية وجرى اعتقالهم. ثانيا، أن يساهم المغرب في حراسة الحدود الجنوبية لأوروبا. ثالثا، إنه إذا حقق المغرب نتائج إيجابية في هذين المجالين؛ فستفتح أوروبا باب الهجرة الشرعية لفئة من المغاربة، وتسهل عملية تسليم التأشيرة لبعض الفئات.. هذه هي روح السياسة الأوروبية ومضمون الشراكة من أجل الحركية، وهو إطار عام وليست اتفاقية تتضمن بنودا.. لكن مباشرة بعد صدور تقرير المجلس، بدأت اتصالات لمسؤولين أوروبيين على مستوى الرباط وبروكسل. ففي الأسبوع الماضي، عقدت عدة لقاءات في بروكسل، ويوم الأربعاء الماضي زار وفد أوروبي رفيع الرباط لمناقشة موضوع الشراكة من أجل الحركية، وانصب النقاش على الجوانب التقنية، لكن عند صدور التقرير ومساندة الملك له، وبدء الحكومة المغربية فعليا في تفعيل توصياته، ارتفع مستوى تمثيل الوفد، وترأسه المدير العام للجنة الأوروبية المكلفة الشؤون الداخلية، ستيفانو مانسيرفيسي، لأن موقف المغرب أصبح واضحا، فنحن نطالب بتغيير إطار الشراكة من أجل الحركية والأخذ بعين الاعتبار أن المغرب قرر نهج سياسة عمومية لإدماج المهاجرين وطالبي اللجوء، وأن لديه إكراهات اقتصادية واجتماعية، ونطالب الاتحاد الأوروبي بأن يساعدنا في مراقبة الحدود وفي سياسة الإدماج، وتقديم مساعدة مادية أيضا، لأنه لا يكفي تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين؛ بل لا بد من توفير ما يترتب على ذلك من سكن ودراسة وصحة وتكوين وعمل. وحسب المعلومات التي لدينا، فإن الاتحاد الأوروبي أخذ بعين الاعتبار هذه السياسة الجديدة للهجرة، خصوصا أن المغرب هو أول دولة من الجنوب على المستوى العالمي قررت بإرادتها سن سياسة لإدماج المهاجرين. ونجاح التجربة المغربية الذي يتطلب التعاون الدولي يمكن أن يشكل سابقة حسنة على المستوى العالمي، كما أنه لا بد من تعاون إقليمي، فالمغرب كان قد أعلن عن مبادرة للتعاون الأورو - أفريقي بدأت في 2006 تجمع بين دول الاتحاد الأوروبي ودول أفريقيا، وحدث ذلك بعد الأحداث التي عرفتها مدينة سبتة التي راح ضحيتها عدد من الأفارقة. ولا بد كذلك من تعاون دول الجوار، فيما يخص مراقبة الحدود، وشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات والخطر الإرهابي، وهي كلها عوامل تجعل التعاون المغاربي ضروريا ومستعجلا.
> قدرت تقارير إعلامية أجنبية عدد المهاجرين من ذوي البشرة السوداء في المغرب بما بين 15 و20 ألف مهاجر، هل هذه الأرقام صحيحة؟
- بصراحة لن تجدوا في تقرير المجلس أي رقم حول أعداد المهاجرين، حاولنا خلال الدراسة العلمية التي قمنا بها أن نعرف مصدر هذا الرقم المتداول، بيد أننا لم نتوصل إلى أي طريقة علمية لتأكيده، وللأسف بعض المنابر الإعلامية، وحتى بعض الدراسات العلمية بين قوسين، كررت هذا الرقم فأصبح متداولا. إن التجربة الدولية في مجال تسوية وضعية العمال التي جرت في عدة بلدان منها إيطاليا أو إسبانيا، وشاركت شخصيا في عدة تجارب في فرنسا منذ بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، أثبتت أن الطريقة الوحيدة التي تحدد عدد المهاجرين في أي دولة هي تسوية وضعيتهم القانونية، قد تكون هناك تكهنات، لكن هذا الرقم ليس له أي قاعدة علمية، قد يكون العدد أكثر أو أقل، وأرجح أن يكون أقل.
> أقر التقرير الذي أعده المجلس حول الأجانب وحقوق الإنسان، بتعرض المهاجرين للعنف من قبل قوات الأمن المغربية وسوء المعاملة والترحيل، ما حجم هذه السلوكيات؟
- لا يمكن الحديث عن سياسة ممنهجة في هذا الإطار، لكن الأكيد أنه كانت هناك عدة حالات سوء معاملة، وعمليات ترحيل إلى الحدود إما إلى الحدود المغربية – الجزائرية، أو المغربية - الموريتانية، وسبق أن تدخل المجلس أو لجانه الجهوية في الحسيمة أو وجدة أو الداخلة لتصحيح الوضع. هناك ظاهرة لا بد من أخذها بعين الاعتبار، وهو وجود شبكات للاتجار بالبشر، تنظم عمليات الهجوم على الحدود الإسبانية - المغربية، من خلال مدينتي سبتة ومليلية، وهي شبكات عنيفة جديدة، ومعروف وسط المجتمع المدني المغربي أن هذه الشبكات صعبة الاختراق.
كانت هناك دراسة شارك فيها مجلس الجالية المغربية في الخارج مع شبكة الباحثين الموريتانيين والبلجيكيين، بينت أن هذه الشبكات وبالأخص الآتية من نيجيريا خطيرة جدا وعنيفة، لذلك فإنه في بعض الحالات تجد قوات الأمن المغربية نفسها في وضعية الدفاع عن النفس. لكن هذا لا يلغي أنه كانت هناك انتهاكات لحقوق المهاجرين، لا سيما أن بعض الفئات محمية من قبل القانون الدولي كيفما كان وضعها القانوني، وهي فئة النساء والأطفال القاصرين.
> كيف تجري عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وهل صحيح أنهم يتركون على الحدود الجزائرية والموريتانية ليتدبروا أمرهم هناك؟
- بصراحة لم نراقب عمليات ترحيل المهاجرين بطريقة مباشرة، لأنه لا يعلن عنها مسبقا، وإحدى المشكلات التي واجهها المغرب وسيواجهها مستقبلا مثل عدة دول، هو أنه إما أن تكون لدى هؤلاء المهاجرين أوراق ثبوتية ويمزقونها، أو أنهم يهاجرون من دون أوراق؛ إذ أصبح بالإمكان أن يعبر مهاجرون حدود 10 دول من دون أوراق، وفي بعض الحالات عندما تكون بلد المهاجر في حرب أهلية أو يعاني سكانه من اضطهاد لسبب أو لآخر مثل ساحل العاج أو مالي التي عرفت أخيرا أزمات، يضطر مواطنو هذه الدول للهجرة من دون التمكن من أخذ أوراقهم الثبوتية.. وفي مثل هذه الحالات، حتى إذا توفرت للبلد الإمكانات والقرار السياسي والإدارة التي ستتكفل بترحيل هؤلاء المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية عن طريق الرحلات الجوية، فسنواجه مشكلة تحديد هويتهم وبلدهم، وهذه المشكلة تواجهها أوروبا منذ سنين، لذا فنحن دخلنا في ظاهرة عولمة الهجرة، وأحد مظاهرها أن المهاجرين يمزقون أوراقهم الثبوتية أو يهاجرون من دونها ومنهم الأطفال القاصرون.
> تتحدث تقارير إعلامية أجنبية عن تعرض المهاجرين لمعاملة عنصرية من قبل البعض.. هل وقفتم عند إعداد تقريركم على حالات من هذا النوع؟
- لدينا شهادات تثبت تعرض المهاجرين لمعاملة عنصرية، لكن ليس بالحجم الذي نجده في بلدان أوروبية؛ أي من طرف حركات سياسية عنصرية.. فما زالت هذه الحالات فردية، وأكيد أنك سمعت عن الشخص الذي يرفض تأجير منزله للمهاجرين، وعلق لافتة تفيد بذلك. لدي شهادات أصدقاء صحافيين من أفريقيا يقيمون في وضعية قانونية بالدار البيضاء، فرغم أن بعضهم متزوج من مغربيات، فإنهم يلقون صعوبات في إيجاد سكن.. لذا، فالتوصيات التي أوصى بها المجلس في تقريره ليست موجهة فقط إلى الحكومة، بل إلى الصحافة وأرباب العمل والنقابات والمجتمع المدني، لأنه سنصبح دولة استقبال واستقرار للمهاجرين، لهذا إذا كنا نطالب بالحقوق نفسها لمواطنينا في الخارج، فعلينا أن نظهر أن لدينا القدرة على استقبال الآخر، وقبول التعدد الثقافي واللغوي والديني، مثلما يوجد مسلمون في أوروبا شيعة وسنة.
نحن الآن عندما نتحدث عن الأدب الفرنسي أو الهولندي أو البلجيكي أو الإسباني، نجد كتّابا من أصل مغربي يشاركون في إغناء الثقافة والرواية في هذه البلدان، مثل نجاة بنهاشم، وهي من أكبر الكاتبات باللغة الكتالانية، إلى جانب الكتاب المعروفين مثل الطاهر بن جلون وعبد اللطيف العروي، وفؤاد العروي، وحاليا كل الكتاب الجدد في هولندا، الذين قاموا بثورة في الأدب الهولندي هم من أصل مغربي، بينهم عبد القادر بن علي وآخرون. قد نواجه إكراهات مرحلية، وحتى توترات، لكن مستقبلا هذا الوضع سيغني الثقافة المغربية. وحتى على المستوى المهني نجد عددا من الصحافيين الأفارقة يعملون في الإذاعات الخاصة، والصفحات الاقتصادية في الصحف اليومية بالفرنسية.
> أوصى تقريركم وسائل الإعلام المغربية بتغيير الصورة النمطية المتداولة عن المهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء، بيد أن هذه الصورة تشكل جزءا من الحقيقة، فكثير من هؤلاء أصبحوا يمارسون التسول أو يعملون باعة متجولين، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على المظهر العام في شوارع بعض المدن ومنها العاصمة الرباط، ناهيك بممارسة بعضهم النصب والاحتيال، كيف سيجري التعامل مع هذه الظواهر؟
- في كل فئة بشرية نجد ظواهر انحراف، فعلى سبيل المثال إذا أخذنا الإحصاءات الخاصة بالمساجين ببروكسل في بلجيكا، فسنجد أن مغربيا واحدا من أصل خمسة سبق أن سجن، في سن ما بين 14 و20 سنة، أي في فترة التحول من سن المراهقة إلى سن الشباب. الحل في مثل هذا الوضع الذي ذكرت هو تطبيق القانون بالمساواة، سواء في حق مغربي وأجنبي، ولا بد من الإشارة إلى أنه عند الحديث عن الهجرة، لا يوجد المهاجرون الأفارقة فقط.
> هذا يدفعني إلى سؤالك عن عدد المهاجرين العرب المقيمين في المغرب، وما جنسياتهم ودوافع إقامتهم في البلاد؟
- أود التذكير بأن لدينا ثلاث اتفاقيات للإقامة الحرة موقعة بيننا وبين السنغال والجزائر وتونس، وقعت في عقد الستينات من القرن الماضي، تسمح لمواطني هذه البلاد بالإقامة في المغرب، وحتى شغل مناصب أحيانا في الوظائف الحكومية. هذه الاتفاقيات وقعت إبان فترة الحصول على الاستقلال والطموح إلى الوحدة المغاربية والأفريقية. واليوم علينا استلهام هذه الاتفاقيات في السياسة الجديدة للهجرة، فلدينا حاليا مغاربة في السنغال ويمكنهم الاستقرار هناك. إذن لا بد من إعادة الروح في الاتحاد المغاربي وتقوية هذا النوع من الاتفاقيات بين الدول الأفريقية جنوب الصحراء، فحركية الأشخاص تساهم في التقدم الاقتصادي في العالم، وفي الاتحاد الأوروبي. وعندنا في مراكش وحدها أكثر من 10 آلاف متقاعد أوروبي، وهنالك جالية تونسية وجزائرية تقيم في المغرب منذ عشرات السنين، وأيضا هناك السوريون الذين يقيمون في شمال المغرب منذ أكثر من 30 أو 40 سنة، وهذا ما دفع طالبي اللجوء السوريين إلى المجيء إلى طنجة بسبب الأحداث الأخيرة.
> منذ اندلاع الأزمة في سوريا وصل للمغرب عدد من السوريين، هل لديكم إحصاءات عنهم وأين يوجدون، خصوصا أن كثيرا منهم يعيشون أوضاعا سيئة، ويتعامل المغاربة بتعاطف كبير مع هؤلاء لا سيما أن بعضهم يضطرون إلى التسول على أبواب المساجد في مدينة طنجة؟
- لا توجد لدينا إحصاءات عن أعداد السوريين الذي دخلوا المغرب في الفترة الأخيرة، ونعرف أن عدد اللاجئين السوريين (في الخارج) وصل إلى أكثر من مليونين حاليا، وهذا الأمر يعكس تطور إشكالية ما كان يعرف من قبل بـ«اللجوء السياسي»، فعندما تنشب حروب أهلية وصراعات سياسية مسلحة تتسبب في نزوح مئات الآلاف من النازحين، وهذا ما حدث عند اندلاع الحرب في أفغانستان، حيث رحل كثيرون من الأفغان إلى إيران وتركيا، وحاليا السوريون موجودون بكثرة في لبنان والعراق والأردن. وفي مصر هناك ما بين 200 إلى 300 ألف، وفي ليبيا هناك نحو 20 ألفا، وفي الجزائر 12 ألفا، وأعداد في تونس، وفي المغرب أيضا بدأت تبرز هذه الظاهرة، ففي رمضان الماضي سمعنا عن أشخاص يطلبون تقديم المساعدة الإنسانية لسوريين بعد صلاة التراويح في المساجد.
> كيف يصل السوريون إلى المغرب؟
- بما أنه لا توجد تأشيرة بين الجزائر وسوريا، فغالبيتهم يأتون عن طريق الجزائر، وبعدها يدخلون إلى المغرب عن طريق البر، وهذا الأمر يطرح ما بات يعرف عالميا بـ«الحماية المؤقتة»، أي إنه لا يمنح لهم اللجوء السياسي بل حماية مؤقتة في انتظار حل المشكلة السياسية في بلدهم، وبعد ذلك تجري عملية تنظيم عودتهم إليه. ولهذا طلب المجلس في تقريره من الحكومة المغربية توفير نوع من الحماية المؤقتة للسوريين.
> أوصى المجلس باتخاذ عدة تدابير لتحسين وضعية المهاجرين؛ منها منح بطاقة الإقامة للحاصلين على صفة لاجئين، وتسوية وضعية غير القانونيين، وحقهم في التجمع العائلي، والتكفل المادي والقانوني بالقاصرين والنساء المهاجرات.. هل الدولة المغربية لديها إمكانات مالية لتنفيذ هذه الإجراءات؟
- أنا أردد دائما أن حقوق الإنسان ليست سوقا ممتازة، نأخذ منها ما نشاء ونترك ما نشاء.. نحن اخترنا، دولة وشعبا، أن تعامل مع حقوق الإنسان بجدية ومهنية وبالمقاييس الدولية.. لدينا التزامات دولية وبعد جيو - استراتيجي لا بد من أخذه بعين الاعتبار، والمغاربة أيضا هاجروا نحو دول أخرى، واليوم في حكومة مالي وزير من أصل مغربي.. هناك إكراهات أكيدة، لذا نطالب بتعاون دولي وإقليمي إزاء هذه الإشكالية، وأخيرا لا يمكننا المطالبة بالمساواة في الحقوق لمهاجرينا، ولا نقوم نحن بالمثل.. ما نعيشه الآن هو نفسه ما عاشه الإيطاليون والإسبان قبل 30 عاما في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.. في تلك الفترة كان أقل من 50 ألف مغربي في إسبانيا، اليوم يشكلون أكبر جالية هناك، بعضهم يتسبب في مشكلات، لكن كثيرون ساهموا في تنمية البلد قبل الأزمة الأخيرة بشكل أساسي. بعد الحرب العالمية الثانية عندما بدأ المهاجرون يصلون إلى أوروبا لم تكن أوروبا غنية جدا، لذا فورشات التنمية المفتوحة حاليا في المغرب يمكن أن يساهم فيها المهاجرون كذلك.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.