ميليشيات ليبيا.. «دويلات» داخل الدولة

وزير العدل لـ «الشرق الاوسط»: جعلنا الوضع أكثر سوءا

أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ميليشيات ليبيا.. «دويلات» داخل الدولة

أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)
أحد المقاتلين في مدينة ورشفنة غرب العاصمة الليبية يستخدم مدفعا محمولا على شاحنة خلال صراعات شبه يومية تشهدها ليبيا (أ.ف.ب)

كان أنور، الذي شارك في القتال أثناء الثورة الليبية ضد نظام القذافي وأحد وجهاء مصراتة، أفضل مَن يلخص الوضع الراهن في ليبيا، حيث قال: «إذا كنت أنت الدولة ولديك بندقية واحدة، وكان مواطنوك يحملون عشر بنادق، إذا فأنت في مأزق». تطرق أنور إلى جوهر القضية الأكثر إلحاحا في ليبيا، وهي أنه على الرغم من مرور عامين ونصف العام على سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي؛ فإن الميليشيات المسلحة لا تزال أقوى من الدولة.
والحكومة الديمقراطية الوليدة لا تخضع فقط لسيطرة الميليشيات التي حاربت وانتصرت في ثورة عام 2011؛ بل إنها تعتمد عليها أيضا. ففي اليوم التالي غادرت طائرة تقل مجموعة من مقاتلي الثورة السابقين مطار مصراتة متوجهة إلى سبها، في الجنوب. لم يكن الرجال على متن الطائرة قادة في الجيش الوطني الذي أعيد تأسيسه بعد الثورة، لكن الحكومة طلبت منهم الذهاب إلى سبها لوقف أعمال العنف القبلية هناك. واعترف وزير العدل صلاح الميرغني بأن الحكومة الحالية «لا تملك جيشا قويا يستطيع السيطرة على البلاد»، ولذا أوكل الأمر إلى الميليشيات المحلية - ميليشيات مصراتة والزنتان وطرابلس، والعديد من الفصائل التابعة لها - لتشكل الذراع القوية للدولة.
هذا النظام الهش يجدي في بعض الأحيان، ففي العاصمة طرابلس تخضع حكومة التحالف الوطني العام الانتقالية لحماية ميليشيات مصراتة. فعندما أعطت ميليشيات الزنتان حكومة التحالف مهلة 72 ساعة للاستقالة في 18 فبراير (شباط) جاء الرد سريعا من ميليشيات مصراتة «إذا حاول الزنتانيون مهاجمة حكومة التحالف الوطني العام فسوف ندافع عنها».. وفي النهاية فشل الانقلاب.
وقال أنور: «انتخبنا التحالف الوطني العام في عملية ديمقراطية. وإذا أردنا أن نقيلهم فسوف يكون بهذه الأصابع»، رافعا أصبعه الذي لا تزال عليه آثار الحبر، في دلالة على إدلائه بصوته في الجولة الأخيرة من الانتخابات التي جرت في العشرين من فبراير.
لكن قوة هذه المجموعات المختلفة تقوض في كثير من الأحيان الديمقراطية أكثر من دفاعها عنها. وأكثر ما يثير القلق هو أن هذه الميليشيات، بما في ذلك ميليشيات مصراتة، ستحمي مدنها ومصالحها الخاصة قبل أن تحمي الحكومة المركزية. والتفسير المثير للمفارقة بشأن سرعة استجابة ميليشيات مصراتة للدفاع عن الحكومة هو أن قادة الحكومة مرتبطون آيديولوجيا، وأنهم ينتمون جميعا لجماعة الإخوان المسلمين. لكن أنور سارع إلى تفنيد هذا الزعم بالقول: «كثير من الناس يربطون مصراتة بالإخوان المسلمين، لكن تلك هي الذريعة التي استغلها القذافي عندما وصف المتظاهرين بالجرذان».
يتمتع أنور، رجل الأعمال الناجح والشخصية البارزة في مصراتة، باحترام واسع حتى أن جثة القذافي أحضرت إلى منزله لحفظها في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، عندما كانت فرق الطب الشرعي تشق طريقها نحو المدينة. وعلى مدى ثلاثة أيام، استضاف أنور أعدادا كبيرة من الليبيين الذين قدموا من شتى أنحاء ليبيا لمشاهدة الجثة بأنفسهم. وقال: «لم يصدقوا أنه مات حتى شاهدوا جثته». لكن أحد أقارب أنور شخصية نافذة في جماعة الإخوان المسلمين، وقال إنه لا يستطيع التخلص من الاتهامات بصلاته بهم. وهذا أحد الأمثلة على العصبية الإقليمية التي اجتاحت ليبيا منذ سقوط نظام القذافي.
في الوقت ذاته، نالت ميليشيات الزنتان نصيبها من الجدل والانتقادات، فقد تمكنت هذه الميليشيات - بقدر كبير من الحظ - من اعتقال ابن القذافي الأبرز، سيف الإسلام، أثناء محاولته الهرب إلى النيجر. وجاء اعتقاله بعد شهر من وفاة أبيه وأخيه المعتصم في المعارك على يد كتائب الثوار، لكن سيف الإسلام سيواجه مصيرا مختلفا. فقد مضى عامان ونصف العام ولا يزال محتجزا لدى ميليشيات الزنتان التي ترفض تسليمه للحكومة المركزية أو محكمة العدل الدولية لمحاكمته. وتقول ميليشيات الزنتان إنهم لا يثقون في أنه سيحاكم محاكمة عادلة لدى أي منهما، لكن الكثير من الليبيين خارج المدينة يزعمون أن هؤلاء يستغلون سجينهم «رفيع المستوى» ليكون ورقة تفاوض سياسية. ويقول أنور: «كان ينبغي عليهم قتله عندما أمسكوا به. كان ذلك سيحل كثيرا من المشكلات».
المشكلة لم تتوقف عند حد السلطات التي تتمتع بها الميليشيات الكبيرة فحسب، بل في وجود عدد كبير من المجموعات الصغيرة المتمردة، والتي تستطيع الوصول بحرية إلى الأسلحة التي تركت بعد الثورة. وهذا ما يشكل في الأغلب أكبر تهديد للأمن والاستقرار في ليبيا.. فالمكاتب الفسيحة والجدران المكسوة بالخشب في مبنى وزارة العدل في طرابلس تماثل المباني الحكومية في كل مكان في العالم، لكن ما يميزها عن نظيراتها الثقوب الغائرة التي تركتها آثار الرصاصات فيها. ويقول وزير العدل صلاح الميرغني مبتسما: «لم تطلق عليّ شخصيا». لكن الميرغني، بمكانته الرفيعة وسلوكه المهذب، لا يبدو الشخص الأنسب لملاحقة العناصر الوحشية في السياسة الليبية. وقال: «إذا قلت أي شيء، مجرد شيء في مؤتمر صحافي، فقد أحظى بزيارة ثانية. كان هذا مبنى إداريا عاديا، لكننا اضطررنا أخيرا إلى تشديد الحراسة. لكن على الرغم من ذلك فإن حضور عدد كبير من الأفراد لا يجدي معه الأمن نفعا؛ حيث يقومون باحتلال المكان وتصبح كواشف الأسلحة والحراس الشخصيون عاجزين عن العمل».
وتعرض مبنى وزارة العدل للاحتلال أكثر من مرة من قبل مجموعات مسلحة خلال العام الماضي، وفي العادة لا يحمل المعتدون أي ضغينة ضد وزير العدل تحديدا. في واحد من هذه الأحداث، أراد المهاجمون الضغط على التحالف للمسارعة في تمرير قانون يستثني أعضاء النظام السابق من تولي أي منصب في الحكومة الليبية الجديدة، وفي العديد من الحوادث الأخرى جلبت المجموعات والأفراد الأسلحة إلى وزارة العدل لتنفيذ مطالبهم الخاصة، والتي عادة ما تكون متعلقة بشكاوى اعتقال يعتقدون أنها غير شرعية.
بعد الثورة، جرى اعتقال آلاف الأفراد الذين واجهوا اتهامات بالقتال في صفوف قوات القذافي وأودعوا السجون التي تديرها الميليشيات، ولا يزال الكثير من هؤلاء المعتقلين يعانون في تلك السجون، وتثار شكوك حول موعد خضوعهم للمحاكمة أو حتى توجيه اتهامات إليهم.
ويقول الميرغني إن هذا الأمر هو «الإرث الناتج عن فترة حكم القذافي»، مما يبرهن على صعوبة التغيير. واعترف الميرغني قائلا: «لدينا إدارة ضعيفة جدا في هذا البلد، وهو ما ورثناه من النظام السابق، بل إننا جعلنا الأمر أكثر سوءا». ومع ذلك، ما زالت الجهود تبذل لإصلاح النظام القضائي.
وفي مصراتة، استثمرت الوزارة تسعة ملايين دينار لبناء أحد السجون الكبيرة الجديدة، واستبدال ستة معتقلات صغيرة منتشرة حول المدينة - حيث جرى إنشاء بعض منها من قبل المتمردين أثناء الثورة. ووافقت الميليشيات بالمدينة على تسليم السجناء، وجرى بالفعل نقل 840 سجينا منهم. وقال أحد السجناء الذي جرى نقله إلى السجن الجديد: «يبدو الوضع هنا أفضل بكثير، فهذا المكان مريح للغاية ونتلقى معاملة أفضل بكثير، فضلا عن السماح لعائلات السجناء بالمزيد من الزيارات». ومن المؤكد أن معاملة هؤلاء السجناء بدت أفضل من نظرائهم الذين ما زالوا محتجزين في أحد السجون القديمة.
ويقول أحد الشباب «عمل حراس هذه الوردية في النظام القضائي قبل اندلاع الثورة، ولذلك فهم يعرفون كيفية التعامل مع الأشخاص. وربما يكون ذلك الأمر هو السبب وراء السماح بزيارة السجناء في هذا الوقت. بيد أن الورديات الأخرى تكون فظيعة، حيث يقوم الحراس بحلق شعرنا كل يوم ومعاملتنا مثل الحيوانات». ويدان هذا السجين - مثل الكثير من أغلبية المعتقلين في مصراتة - بتهمة ولائه للقذافي. ولم يجر تحديد موعد لمحاكمة أي سجين من السجناء الذين تحدثنا معهم سواء في السجن القديم أو الجديد.
ويقر الميرغني - بكل وضوح قائلا: «نحتاج إلى المضي قدما بشكل سريع لإصلاح النظام القضائي الذي يواجه تعثرا في ليبيا»، وقال إنه كان يجري استعراض قضايا جميع السجناء في مصراتة قبل نقلهم، حيث أفرج بالفعل عن الكثير منهم. بيد أن مصراتة تعد حالة استثنائية، حيث إن الميليشيات هنا قوية وموالية للحكومة المركزية بشكل كبير، بالإضافة إلى قدرتها على الحفاظ على الأمن في المدينة. وقال أنور إن «هذا هو الدليل على أن الوضع في مصراتة ليس سيئا للغاية، فهناك خمسة بنوك في المدينة، يوجد بكل واحد منها مليونا دينار. وبينما يمتلك جميع الأشخاص السلاح، إلا أن هذه البنوك لم تتعرض لأي هجوم».
وفي الواقع، فإن الأسلحة موجودة في كل مكان في ليبيا. وفي مصراتة، زرنا أحد السجون حيث تقف أمامه على الأرض الترابية ست دبابات، مملوكة جميعا لشخص واحد. وتشير التقديرات إلى وجود 22 مليون قطعة سلاح من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة منتشرة في البلاد. بيد أن الشعب غير مستعد لتسليم تلك الأسلحة، حتى في المناطق الأكثر استقرارا بالبلاد، لأن الكثيرين منهم يخشون إمكانية قيام ثورة أخرى أو نزاع بين الأهالي. وفي أماكن مثل مصراتة وطرابلس، يبدو أن مسألة وجود السلاح تتسبب في حالة اضطراب بالبلاد، ولا يريد أي شخص أن يطلق النار على شخص آخر لديه نفس الأسلحة الثقيلة التي يمتلكها. ولكن في المدن الشرقية لبنغازي ودرنة، سقطت هذه الأسلحة في أيدي الجماعات المتشددة التي تعادي بشكل مباشر الدولة الجديدة، بالإضافة إلى المجرمين والإسلاميين. ولذلك، فبينما تكون الشوارع في طرابلس ومصراتة آمنة وهادئة نسبيا، يبدو أن الحكومة المركزية لديها سلطة محدودة للسيطرة على المناطق الشرقية التي تعاني الاضطرابات.
وكان الميرغني يستعد - في اليوم الذي التقيناه فيه - للسفر إلى بنغازي لتقديم العزاء إلى أسرة أحد المسؤولين القضائيين جرى اغتياله. ولم يكن هذا الحادث أمرا منفصلا عن المشهد، حيث تصاعدت وتيرة عمليات إطلاق النار وتفجير السيارات المفخخة خلال الشهور الأخيرة في بنغازي ودرنة. وكان اغتيال السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز في 11 سبتمبر (أيلول) 2012 مجرد حلقة من سلسلة العنف المثير للقلق بصورة متزايدة، حيث يبدو أن تلك العمليات تهدف إلى تقويض النظام القضائي الجديد لليبيا.
وتابع الميرغني حديثه قائلا: «من الواضح أن هذا الفعل جرى ارتكابه من قبل الإرهابيين، وأن السبب وراءه هو منع قيام دولة ذات سيادة بالشكل الملائم. إنهم يسعون لإرهاب النظام القضائي والقضاة ومهاجمة السجون. ومن المؤكد أنه في حال عدم وجود نظام قضائي يؤدي وظيفته بالشكل المناسب، فإن الكثير من الأمور الأخرى - بما في ذلك الأمن - لن تعمل بالصورة الملائمة. وبناء على ذلك، سيكون لدينا أشخاص معتقلون وسجناء تكتظ بهم معسكرات الاعتقال، فضلا عن التسبب في مشكلات أخرى».
وأوضح الميرغني أن هذا الأمر يعد مثل رواية «كاتش 22» الأميركية (التي لا توجد بها حلول ناجحة كاملة لأي الأطراف)، وعلى ما يبدو فإن هناك صعوبة للخروج من هذا المأزق. واختتم حديثه قائلا: «نحتاج إلى الاستقرار لتكوين حكومة، ولكي نخلق هذا الاستقرار فإننا نحتاج إلى وجود الحكومة».



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.