سلمان بن عبد العزيز.. جينات الحكم

تزامنًا مع زيارته التاريخية لأميركا

الملك الراحل  فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز
الملك الراحل فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز
TT

سلمان بن عبد العزيز.. جينات الحكم

الملك الراحل  فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز
الملك الراحل فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز

ما من شخصيّة معاصرة يستعيد السعوديون أسطورة دهائها ومناوراتها السياسية وما حالف خطواتها التوحيدية من حظّ وتوفيق، مثل شخصيّة مؤسس الدولة (الملك عبد العزيز 1883 - 1953) الذي كافح ثلاثة وخمسين عامًا من أجل توحيد بلاده، قضى نصفها في كرّ وفرّ، والنصف الثاني في بناء وتنظيم، واكتسب أبناؤه الستة والثلاثون معرفة وافية بتاريخه، وبالأحداث التي مرّت بالدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، والمراحل الثلاث التي اجتازتها، يضيفون إلى ذلك معرفة بجغرافيا الجزيرة العربية وبحاضرتها وباديتها وبموروثها من الشعر النبطي وبالتقاليد العربية، وحذقًا بمهارة القنص والفروسية ورقصة الحرب المتوارثة (العرضة) وهي مهارات تُـكتسب من خلال الهواية والممارسة منذ الصغر.
وقُدِر لابنه الخامس والعشرين سلمان - كغيره من إخوته - أن يُقارب في أسلوب حياته لمدرسة والده وعاداته، ويقترب من تاريخه، ويكتسب مهارة القيادة وهيبتها وإرث الاستحقاق للحكم من خلال فرص تراكميّة متنوّعة أُتيحت له عبر السنين، فكانوا جميعًا يشتركون بالاستعداد الفطري والشّبه في الملامح والعادات والتقاليد واللهجة والصوت، وهو أمر طبيعي بحكم الوراثة والبيئة التي نشأوا فيها والتربية المتجانسة التي تلقّوها قريبًا من والدهم، مما نتج عنه تقاربٌ في التكوين وتشابهٌ في نمط المعيشة وأسلوب الحياة. لقد تناول كثير من الباحثين - ومنهم فيلبي والزركلي والريحاني - بعضًا من ملامح شخصية الملك المؤسس، وظل الأبناء يستعيدونها في مجالسهم فخورين بأسلوبه الأبوي التربوي توجيهًا وممارسة، ويُقرّرون أن المدرسة الأولى التي تخرّجوا فيها كانت مدرسته، وروى بعضهم شيئا من ذكرياتهم معه، واقتصر أكثرهم على روايتها شفويًّا دون تسجيلها مصوّرة أو تدوينها مطبوعة.
كانت ولادة الملك سلمان في الرياض في مطلع عام 1936، وبدأت حياته السياسية والإدارية في منتصف الخمسينات نائبا عن أخيه الأمير الراحل نايف أمير منطقة الرياض آنذاك، وبعد عام تولّى إمارة الرياض بالأصالة مدة تربو على خمس سنوات انتهت باستقالته، ثم عاد بعد عامين في المنصب نفسه حاكمًا إداريًّا لمنطقة الرياض مدة تقارب خمسين عامًا، انتهت بتعيينه - بعد وفاة أخيه الأمير سلطان في أكتوبر (تشرين الأول) 2011 - وزيرا للدفاع ونائبا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء. وبعد رحيل ولي العهد الأمير نايف في يونيو (حزيران) 2012 اختير وليًّا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، ثم ملكًا على البلاد في يناير (كانون الثاني) 2015 خلفًا للملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.
من هنا، تتجلَى حصيلة خبراته الواسعة في شؤون الحكم المحلي، وكان - نتيجة مسؤوليّاته وموقعه الأُسَري وحنكته الذهنية، وبحكم موقعه أميرا للعاصمة والمنطقة المحيطة بها وسط البلاد - من أكثر أمراء المناطق التصاقًا بالملوك الستة السابقين الذين تعاقبوا على حكم المملكة العربية السعودية بدءًا بوالده الملك المؤسس عبد العزيز (المتوفّى سنة 1953) وقد جعلته المدة الطويلة التي أمضاها في هذا المنصب يرتبط في أذهان السعوديين بالخبرات الإدارية والتنموية والسياسية الواسعة التي اكتسبها في تلك الوظيفة، وبالنجاحات التي حققتها العاصمة على يديه، وبقربه من مركز صناعة القرار.
كانت الرياض العاصمة عندما تولّى مسؤولياتها بوصفه الحاكم الإداري لها، لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات المربّعة، ولما أسلمها لخلفه من بعده - أخيه الأمير الراحل سطّام - كانت قد تجاوزت في اتساعها الأضعاف، وزاد عدد سكانها في خمسين عامًا من نحو مائة ألف إلى خمسة ملايين بنسبة نموّ سنوي مذهلة، لكن العبرة لم تكن في نموها الجغرافي والسكاني فحسب، بل في الجوانب العمرانية والتنموية النوعية التي تحققت فيها، وبعدد المؤسسات التعليمية والصحية والاقتصادية والترفيهية والثقافية التي تضمّها، فضلاً عن وجود هيئة تطوير تشرف على المشروعات الكبيرة فيها، منذ أن انتقلت الهيئات الدبلوماسية من جدة إلى الرياض قبل ثلاثة عقود.
ويطلّ مكتب أمير منطقة الرياض في قصر الحكم في وسط العاصمة، الذي مكث فيه الملك سلمان نحو خمسة عقود، على ساحة «الصفاة» التي يطلق عليها في التراث العربي «القصبة» أي مقر الحاكم، وكان والده وأجداده يسكنون في هذه المنطقة التاريخية المحاطة بسور يديرون منها شؤون البلاد، وقد خرجت مساكنها عن دائرة السور في أواخر عهد الملك عبد العزيز، أما مزارعها فقد أُنشئت داخل السور وخارجه منذ قديم الزمان، وكانت الرياض قد اتخذها جده الإمام تركي عاصمة للدولة السعودية الثانية في أواخر القرن الثامن عشر بدلاً من العاصمة التاريخية (الدرعية) التي دمّرها الأتراك سنة 1818، واستمر القصر حتى الآن يعرف بقصر الحكم تُقام فيه المناسبات الوطنية الكبرى من عزاء أو بيعة أو معايدة أو نحوها، وشهد هذا القصر كل الاستقبالات والحكايات التاريخية التي ترويها سيرة الملك عبد العزيز، وإلى جوار قصر الحكم هذا يوجد حصن تاريخي يطلق عليه قصر «المصمك» كان يستخدم سكنًا للحاكم، يعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتكمن شهرته في أن شرارة استعادة الرياض انطلقت منه عام 1902 ويُوظّف الآن مَعْـلمًا تراثيًّا وسياحيا يحكي قصة استرداد الرياض وقيام الدولة في حقبتها الثالثة المعاصرة، كما سُمي المسجد الرئيسي الكبير المرتبط بالقصر باسم مؤسس الرياض الإمام تركي (الجد الثاني للملك عبد العزيز وحفيد مؤسس الدولة السعودية عام 1775) وقد جُدّدت هذه المنطقة التاريخية عام 1999 بمناسبة الذكرى المئويّة لتأسيس المملكة العربية السعودية.
وبالإضافة إلى كفاياته الذهنية ومواهبه القيادية ومعارفه التاريخية الواسعة، مكَنته المدة الزمنية التي أمضاها حاكمًا إداريًا للمنطقة من أن يعرف تفاصيلها، ويحفظَ تاريخ تطوّرها، ويصبح خازنًا لوثائق نموّها، وهي ميزة تحتسب لمدرسة الاستمرار في الوظيفة عند توافر الكفاية، ذلك أنه كلما فرغ من برنامج تكشّف ما في ذهنه من برامج قادمة، حتى صار مع الأيام محرك التنمية الرئيسي، على أن اختصاصه بهذه المنطقة، ما كان ليحصر معرفته فيها وحدها، فهو المحيط بقدر كبير من المعلومات عن بقية المناطق من جازان ونجران إلى الخفجي وعرعر ووادي السرحان.
لقد مكّنته جاذبية الشخصيّة وعلاقاته الواسعة في الداخل والخارج، من أن يحتفظ بسجل طويل من الصلات مع المواطنين في شرق المملكة وغربها ومن خليج الجزيرة إلى بحرها الأحمر، ناهيك عن صلاته الوثيقة مع العرب والأجانب، وهو أمر لا يحوزه إلا الندرة من الحكام وولاة الأقاليم في العالم، واستطاع طيلة فترة إمارته للرياض - التي أمضى فيها قصة عشق قلّ أن يتكرر مثلها في مدن عالمية شبيهة ومن خلال شخصيّته وأسلوب إدارته ومثابرته على اللقاءات والمواعيد والزيارات والضيافات وعبر معرفة الأُسر والقبائل وفروع البادية، وملازمة الملوك السابقين - استطاع أن يُكرّس كثيرًا من السمات التي كان يتبعها والده وإخوته في ممارسة الحكم، فأصبحت تطبيقات سلمان تُـذكّر بما كان يتمّ في ساحة قصر الحكم من بطولات واستقبالات، حتى لكأن الزائر لهذه المنطقة التاريخية اليوم يشاهد فيلما وثائقيًّا يروي قصصًا تعود إلى قرون مضت، يوم أن كانت ساحة الصفاة تعجّ بركائب الوافدين وبالتبادلات التجارية.
وفي عام 2011 غادر سلمان منصبه الذي أحبّه، ليبدأ بعد وفاة الأمير سلطان التدرّج صعودًا نحو المناصب الأكثر سياديّة، فأصبح وزيرا للدفاع نائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد ترك - كما سلف - وراءه رواية لا تمّحى فصولها مع معشوقته (الرياض) التي جاب بعض الدول والمدن في العالم - ومنها أتلانتا وبوسطن ونيويورك ولوس أنجليس ودالاس وواشنطن - ليعرض فيها تجربتها التنموية.
وفي تقدير الكثيرين في المجتمع، أن من أبرز صفاته التي أحبها الشعب فيه محافظته على طبائع تكاد تذبل في عصرنا الحاضر، ومنها مباشرة أعماله في ساعات الصباح المبكر، والتزامه الدؤوب بلقاء المواطنين والمقيمين مرتين في اليوم، ومرة في داره في الأسبوع، في تطبيق عملي وحَرفي لسياسة «الباب المفتوح» التي طالما افتخرت بها الأنظمة والتكوينات الخليجية كافة، وامتازت على غيرها بها.
وتقليد «الباب المفتوح» هذا، مظهر يلقي بالمسؤولية على الحاكم والمحكوم معًا في تبادل الرأي والمشورة في قضايا المجتمع، ثم أصبح المقياس الأول في تقويم المواطنين للاستعداد النفسي لحاكم المنطقة للتعرّف على أحوال الناس، والاختبار الأبرز لجاهزيته القيادية، فعندما يُطرح اسم أمير إحدى المناطق الإدارية السعودية الثلاث عشرة للتداول بين الناس يكون السؤال الأهم الذي يتصدر النقاش عنه هو عن مدى الأخذ بهذا المبدأ والحفاظ عليه، ويكون تطبيقه هو المعيار الأبرز في الحكم على قدراته ونجاحاته.
على الصعيد الثقافي، يرتبط المثقّفون بصلات وثيقة معه، حيث يجري على ألسنتهم لقب «صديق الإعلاميين» الذين تعوّدوا أن يتلقّوا اتصالات منه، تكون غالبا في ساعات الصباح المبكر بعد أن يكون قد سهر على قراءة كتبهم ليلاً أو اطَلع على مقالاتهم المنشورة صباحًا - فيبدي رأيه بما كتبوا، ثناءً أو نقدًا أو توضيحًا أو تعليقًا.
إن صحائف بالعشرات يمكن أن تضاف إلى سيرة الملك سلمان التي لم تكتب بعدُ ولم يسعَ إلى تدوينها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو عن المؤثرات التي صاغت فكره وشخصيّته وساعدت في تكوين مفاتيحها، وفي ظني أنها - بالإضافة إلى استعداده الفطري والذهني وإلى قراءاته العميقة في سيرة والده - تمثّلت في المنهج الفكري والسياسي المتقارب لإخوته الذين لازمهم طويلاً واطلع عن قرب على فكرهم السياسي وغرف من أساليبهم في معالجة الأمور الاجتماعية، فهو يجمع بين الفهم التنويري للتديّن، والتناغم المتوازن بين الثابت والمتغيّر، والتدرّج في الإصلاح والانفتاح، وترسيخ التقاليد المحافظة التي قامت عليها البلاد، ولو تأمّلنا فيها مليًّا لوجدنا أنها نبعت من مكوّنات شخصيّة والدهم الراحل، كما يمكن القول إنه بقدر ما كرّس عبر العقود تقاليد والده وقيَم الأسرة المالكة، فإنه أسس لأنماط متجدّدة من «البروتوكولات» الاجتماعية التي تستند إلى مخزون من التراث والأصالة في بيئة الجزيرة العربية.
وأما المقوّم الثاني، فهو رئاسته لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، المركز التوثيقي والبحثي الأول لحفظ تاريخ الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وسيرة مؤسسها والأسرة المالكة، فلقد يسّر له الاقتراب المباشر مع الدارة أن يمارس هوايته في ألا يترك كتابًا تطرّق كليًّا أو جزئيًّا إلى سيرة الملك المؤسس والدولة السعودية إلا وأحاط به أو علّق على ما فيه، حتى صار يحفظ تراث البلاد حفظًا علميًّا، يتتبع من خلاله ما كتب عنه، ويُفنّد أي التباسات تحيط بسيرة رجالاتها، ويُوجّه بإجراء البحوث حول أي غموض يحتاج إلى استقصاء، وأتاح له ولعه بالقراءة السريعة فرصة الإحاطة بما يرغب الاطلاع عليه سواءً من الكتب أو من المقالات، مشيرًا في هذا السياق إلى مكتبته الخاصة الثريّة بالكتب والوثائق، يتناوب موظفوها بين تنظيم محتوياتها والتنقّل بالقرب منه لتلبية متطلباته وكل أبنائه للقراءة أو للتنقيب عن معلومة.
هذه بضع إضاءات على سيرته أميرا، فماذا عسى أن يُقال عن بضعة أشهُر أمضاها ملكًا، وقد فاجأ المجتمع منذ يومه الأول بقرارات حاسمة تُعزّز الحزم، وتجسّد خبراته التراكمية، وتنبئ عن وعي بمحيطه وفهم لمجتمعه واستيعاب لواقعه العربي، وتفجّرت قريحته عن إصرار على تجديد كيان الدولة بدماء شابة، وعلى تحديث بيئة القضاء والتعليم ومفاصل الإدارة والخدمات بروح وثّابة وطاقات غير متثائبة، وعلى توجّه نحو تغيير المعادلة التقليدية وموازين القوة في الشرق الأوسط، وهو ما يبشر بأن السعودية أمام عهد جديد يرتكز على مبادئ الماضي وتباشير المستقبل.
ولا تكتمل هذه اللمحات دون الإشارة إلى سمات البعد الإنساني في شخصيّته، وهو شأن جدير بمقال مستقل، أستدعي منها ثلاث سِمَات ؛ أولها حجم الشفاعات الخفيّة والظاهرة التي يتوسّط بها لحل النزاعات بين الفرقاء، مما قد يُفضي نجاح الصلح فيها إلى درء القصاص فيما لو وصلت إلى منابر القضاء، وما كان المجتمع ليستجيب لمثل هذه الشفاعات لولا «الكاريزما» الرزينة التي اعتمرها في القلوب منذ أن تبوأ منصّة العاصمة في خمسينات القرن الماضي.
الثانية: سمة الوفاء وهي من أكثر المناقب الواضحة فيه، فمن طبعه أن يستذكر ما كان لأسرة من يقابله من دور في بناء البلاد، وقد أفادته قراءاته ومعرفته بالتاريخ في إنزال الناس منازلهم وفي تقدير جهودهم، وبخاصة فيما يتصل بتأسيس الدولة.
وأما الثالثة؛ فهي ما يتحلّى به من حب الدعابات المرحة التي يشعّ بها مُحيّاه حينما يستقبل عارفيه، وأحسب أن تلك الابتسامات الحميمة لم تكن لتُخفي حزنه الأبوي الدفين بفقد نجليه؛ فهد وأحمد في عامين متتاليين (2001 و2002).

* إعلامي وباحث سعودي



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.