سلمان بن عبد العزيز.. جينات الحكم

تزامنًا مع زيارته التاريخية لأميركا

الملك الراحل  فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز
الملك الراحل فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز
TT

سلمان بن عبد العزيز.. جينات الحكم

الملك الراحل  فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز
الملك الراحل فهد بن عبد العزيز في حديث مع الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والملك سلمان. ويظهر في الصورة الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز والأمير الراحل سطام بن عبد العزيز

ما من شخصيّة معاصرة يستعيد السعوديون أسطورة دهائها ومناوراتها السياسية وما حالف خطواتها التوحيدية من حظّ وتوفيق، مثل شخصيّة مؤسس الدولة (الملك عبد العزيز 1883 - 1953) الذي كافح ثلاثة وخمسين عامًا من أجل توحيد بلاده، قضى نصفها في كرّ وفرّ، والنصف الثاني في بناء وتنظيم، واكتسب أبناؤه الستة والثلاثون معرفة وافية بتاريخه، وبالأحداث التي مرّت بالدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، والمراحل الثلاث التي اجتازتها، يضيفون إلى ذلك معرفة بجغرافيا الجزيرة العربية وبحاضرتها وباديتها وبموروثها من الشعر النبطي وبالتقاليد العربية، وحذقًا بمهارة القنص والفروسية ورقصة الحرب المتوارثة (العرضة) وهي مهارات تُـكتسب من خلال الهواية والممارسة منذ الصغر.
وقُدِر لابنه الخامس والعشرين سلمان - كغيره من إخوته - أن يُقارب في أسلوب حياته لمدرسة والده وعاداته، ويقترب من تاريخه، ويكتسب مهارة القيادة وهيبتها وإرث الاستحقاق للحكم من خلال فرص تراكميّة متنوّعة أُتيحت له عبر السنين، فكانوا جميعًا يشتركون بالاستعداد الفطري والشّبه في الملامح والعادات والتقاليد واللهجة والصوت، وهو أمر طبيعي بحكم الوراثة والبيئة التي نشأوا فيها والتربية المتجانسة التي تلقّوها قريبًا من والدهم، مما نتج عنه تقاربٌ في التكوين وتشابهٌ في نمط المعيشة وأسلوب الحياة. لقد تناول كثير من الباحثين - ومنهم فيلبي والزركلي والريحاني - بعضًا من ملامح شخصية الملك المؤسس، وظل الأبناء يستعيدونها في مجالسهم فخورين بأسلوبه الأبوي التربوي توجيهًا وممارسة، ويُقرّرون أن المدرسة الأولى التي تخرّجوا فيها كانت مدرسته، وروى بعضهم شيئا من ذكرياتهم معه، واقتصر أكثرهم على روايتها شفويًّا دون تسجيلها مصوّرة أو تدوينها مطبوعة.
كانت ولادة الملك سلمان في الرياض في مطلع عام 1936، وبدأت حياته السياسية والإدارية في منتصف الخمسينات نائبا عن أخيه الأمير الراحل نايف أمير منطقة الرياض آنذاك، وبعد عام تولّى إمارة الرياض بالأصالة مدة تربو على خمس سنوات انتهت باستقالته، ثم عاد بعد عامين في المنصب نفسه حاكمًا إداريًّا لمنطقة الرياض مدة تقارب خمسين عامًا، انتهت بتعيينه - بعد وفاة أخيه الأمير سلطان في أكتوبر (تشرين الأول) 2011 - وزيرا للدفاع ونائبا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء. وبعد رحيل ولي العهد الأمير نايف في يونيو (حزيران) 2012 اختير وليًّا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، ثم ملكًا على البلاد في يناير (كانون الثاني) 2015 خلفًا للملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.
من هنا، تتجلَى حصيلة خبراته الواسعة في شؤون الحكم المحلي، وكان - نتيجة مسؤوليّاته وموقعه الأُسَري وحنكته الذهنية، وبحكم موقعه أميرا للعاصمة والمنطقة المحيطة بها وسط البلاد - من أكثر أمراء المناطق التصاقًا بالملوك الستة السابقين الذين تعاقبوا على حكم المملكة العربية السعودية بدءًا بوالده الملك المؤسس عبد العزيز (المتوفّى سنة 1953) وقد جعلته المدة الطويلة التي أمضاها في هذا المنصب يرتبط في أذهان السعوديين بالخبرات الإدارية والتنموية والسياسية الواسعة التي اكتسبها في تلك الوظيفة، وبالنجاحات التي حققتها العاصمة على يديه، وبقربه من مركز صناعة القرار.
كانت الرياض العاصمة عندما تولّى مسؤولياتها بوصفه الحاكم الإداري لها، لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات المربّعة، ولما أسلمها لخلفه من بعده - أخيه الأمير الراحل سطّام - كانت قد تجاوزت في اتساعها الأضعاف، وزاد عدد سكانها في خمسين عامًا من نحو مائة ألف إلى خمسة ملايين بنسبة نموّ سنوي مذهلة، لكن العبرة لم تكن في نموها الجغرافي والسكاني فحسب، بل في الجوانب العمرانية والتنموية النوعية التي تحققت فيها، وبعدد المؤسسات التعليمية والصحية والاقتصادية والترفيهية والثقافية التي تضمّها، فضلاً عن وجود هيئة تطوير تشرف على المشروعات الكبيرة فيها، منذ أن انتقلت الهيئات الدبلوماسية من جدة إلى الرياض قبل ثلاثة عقود.
ويطلّ مكتب أمير منطقة الرياض في قصر الحكم في وسط العاصمة، الذي مكث فيه الملك سلمان نحو خمسة عقود، على ساحة «الصفاة» التي يطلق عليها في التراث العربي «القصبة» أي مقر الحاكم، وكان والده وأجداده يسكنون في هذه المنطقة التاريخية المحاطة بسور يديرون منها شؤون البلاد، وقد خرجت مساكنها عن دائرة السور في أواخر عهد الملك عبد العزيز، أما مزارعها فقد أُنشئت داخل السور وخارجه منذ قديم الزمان، وكانت الرياض قد اتخذها جده الإمام تركي عاصمة للدولة السعودية الثانية في أواخر القرن الثامن عشر بدلاً من العاصمة التاريخية (الدرعية) التي دمّرها الأتراك سنة 1818، واستمر القصر حتى الآن يعرف بقصر الحكم تُقام فيه المناسبات الوطنية الكبرى من عزاء أو بيعة أو معايدة أو نحوها، وشهد هذا القصر كل الاستقبالات والحكايات التاريخية التي ترويها سيرة الملك عبد العزيز، وإلى جوار قصر الحكم هذا يوجد حصن تاريخي يطلق عليه قصر «المصمك» كان يستخدم سكنًا للحاكم، يعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتكمن شهرته في أن شرارة استعادة الرياض انطلقت منه عام 1902 ويُوظّف الآن مَعْـلمًا تراثيًّا وسياحيا يحكي قصة استرداد الرياض وقيام الدولة في حقبتها الثالثة المعاصرة، كما سُمي المسجد الرئيسي الكبير المرتبط بالقصر باسم مؤسس الرياض الإمام تركي (الجد الثاني للملك عبد العزيز وحفيد مؤسس الدولة السعودية عام 1775) وقد جُدّدت هذه المنطقة التاريخية عام 1999 بمناسبة الذكرى المئويّة لتأسيس المملكة العربية السعودية.
وبالإضافة إلى كفاياته الذهنية ومواهبه القيادية ومعارفه التاريخية الواسعة، مكَنته المدة الزمنية التي أمضاها حاكمًا إداريًا للمنطقة من أن يعرف تفاصيلها، ويحفظَ تاريخ تطوّرها، ويصبح خازنًا لوثائق نموّها، وهي ميزة تحتسب لمدرسة الاستمرار في الوظيفة عند توافر الكفاية، ذلك أنه كلما فرغ من برنامج تكشّف ما في ذهنه من برامج قادمة، حتى صار مع الأيام محرك التنمية الرئيسي، على أن اختصاصه بهذه المنطقة، ما كان ليحصر معرفته فيها وحدها، فهو المحيط بقدر كبير من المعلومات عن بقية المناطق من جازان ونجران إلى الخفجي وعرعر ووادي السرحان.
لقد مكّنته جاذبية الشخصيّة وعلاقاته الواسعة في الداخل والخارج، من أن يحتفظ بسجل طويل من الصلات مع المواطنين في شرق المملكة وغربها ومن خليج الجزيرة إلى بحرها الأحمر، ناهيك عن صلاته الوثيقة مع العرب والأجانب، وهو أمر لا يحوزه إلا الندرة من الحكام وولاة الأقاليم في العالم، واستطاع طيلة فترة إمارته للرياض - التي أمضى فيها قصة عشق قلّ أن يتكرر مثلها في مدن عالمية شبيهة ومن خلال شخصيّته وأسلوب إدارته ومثابرته على اللقاءات والمواعيد والزيارات والضيافات وعبر معرفة الأُسر والقبائل وفروع البادية، وملازمة الملوك السابقين - استطاع أن يُكرّس كثيرًا من السمات التي كان يتبعها والده وإخوته في ممارسة الحكم، فأصبحت تطبيقات سلمان تُـذكّر بما كان يتمّ في ساحة قصر الحكم من بطولات واستقبالات، حتى لكأن الزائر لهذه المنطقة التاريخية اليوم يشاهد فيلما وثائقيًّا يروي قصصًا تعود إلى قرون مضت، يوم أن كانت ساحة الصفاة تعجّ بركائب الوافدين وبالتبادلات التجارية.
وفي عام 2011 غادر سلمان منصبه الذي أحبّه، ليبدأ بعد وفاة الأمير سلطان التدرّج صعودًا نحو المناصب الأكثر سياديّة، فأصبح وزيرا للدفاع نائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد ترك - كما سلف - وراءه رواية لا تمّحى فصولها مع معشوقته (الرياض) التي جاب بعض الدول والمدن في العالم - ومنها أتلانتا وبوسطن ونيويورك ولوس أنجليس ودالاس وواشنطن - ليعرض فيها تجربتها التنموية.
وفي تقدير الكثيرين في المجتمع، أن من أبرز صفاته التي أحبها الشعب فيه محافظته على طبائع تكاد تذبل في عصرنا الحاضر، ومنها مباشرة أعماله في ساعات الصباح المبكر، والتزامه الدؤوب بلقاء المواطنين والمقيمين مرتين في اليوم، ومرة في داره في الأسبوع، في تطبيق عملي وحَرفي لسياسة «الباب المفتوح» التي طالما افتخرت بها الأنظمة والتكوينات الخليجية كافة، وامتازت على غيرها بها.
وتقليد «الباب المفتوح» هذا، مظهر يلقي بالمسؤولية على الحاكم والمحكوم معًا في تبادل الرأي والمشورة في قضايا المجتمع، ثم أصبح المقياس الأول في تقويم المواطنين للاستعداد النفسي لحاكم المنطقة للتعرّف على أحوال الناس، والاختبار الأبرز لجاهزيته القيادية، فعندما يُطرح اسم أمير إحدى المناطق الإدارية السعودية الثلاث عشرة للتداول بين الناس يكون السؤال الأهم الذي يتصدر النقاش عنه هو عن مدى الأخذ بهذا المبدأ والحفاظ عليه، ويكون تطبيقه هو المعيار الأبرز في الحكم على قدراته ونجاحاته.
على الصعيد الثقافي، يرتبط المثقّفون بصلات وثيقة معه، حيث يجري على ألسنتهم لقب «صديق الإعلاميين» الذين تعوّدوا أن يتلقّوا اتصالات منه، تكون غالبا في ساعات الصباح المبكر بعد أن يكون قد سهر على قراءة كتبهم ليلاً أو اطَلع على مقالاتهم المنشورة صباحًا - فيبدي رأيه بما كتبوا، ثناءً أو نقدًا أو توضيحًا أو تعليقًا.
إن صحائف بالعشرات يمكن أن تضاف إلى سيرة الملك سلمان التي لم تكتب بعدُ ولم يسعَ إلى تدوينها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو عن المؤثرات التي صاغت فكره وشخصيّته وساعدت في تكوين مفاتيحها، وفي ظني أنها - بالإضافة إلى استعداده الفطري والذهني وإلى قراءاته العميقة في سيرة والده - تمثّلت في المنهج الفكري والسياسي المتقارب لإخوته الذين لازمهم طويلاً واطلع عن قرب على فكرهم السياسي وغرف من أساليبهم في معالجة الأمور الاجتماعية، فهو يجمع بين الفهم التنويري للتديّن، والتناغم المتوازن بين الثابت والمتغيّر، والتدرّج في الإصلاح والانفتاح، وترسيخ التقاليد المحافظة التي قامت عليها البلاد، ولو تأمّلنا فيها مليًّا لوجدنا أنها نبعت من مكوّنات شخصيّة والدهم الراحل، كما يمكن القول إنه بقدر ما كرّس عبر العقود تقاليد والده وقيَم الأسرة المالكة، فإنه أسس لأنماط متجدّدة من «البروتوكولات» الاجتماعية التي تستند إلى مخزون من التراث والأصالة في بيئة الجزيرة العربية.
وأما المقوّم الثاني، فهو رئاسته لمجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، المركز التوثيقي والبحثي الأول لحفظ تاريخ الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية وسيرة مؤسسها والأسرة المالكة، فلقد يسّر له الاقتراب المباشر مع الدارة أن يمارس هوايته في ألا يترك كتابًا تطرّق كليًّا أو جزئيًّا إلى سيرة الملك المؤسس والدولة السعودية إلا وأحاط به أو علّق على ما فيه، حتى صار يحفظ تراث البلاد حفظًا علميًّا، يتتبع من خلاله ما كتب عنه، ويُفنّد أي التباسات تحيط بسيرة رجالاتها، ويُوجّه بإجراء البحوث حول أي غموض يحتاج إلى استقصاء، وأتاح له ولعه بالقراءة السريعة فرصة الإحاطة بما يرغب الاطلاع عليه سواءً من الكتب أو من المقالات، مشيرًا في هذا السياق إلى مكتبته الخاصة الثريّة بالكتب والوثائق، يتناوب موظفوها بين تنظيم محتوياتها والتنقّل بالقرب منه لتلبية متطلباته وكل أبنائه للقراءة أو للتنقيب عن معلومة.
هذه بضع إضاءات على سيرته أميرا، فماذا عسى أن يُقال عن بضعة أشهُر أمضاها ملكًا، وقد فاجأ المجتمع منذ يومه الأول بقرارات حاسمة تُعزّز الحزم، وتجسّد خبراته التراكمية، وتنبئ عن وعي بمحيطه وفهم لمجتمعه واستيعاب لواقعه العربي، وتفجّرت قريحته عن إصرار على تجديد كيان الدولة بدماء شابة، وعلى تحديث بيئة القضاء والتعليم ومفاصل الإدارة والخدمات بروح وثّابة وطاقات غير متثائبة، وعلى توجّه نحو تغيير المعادلة التقليدية وموازين القوة في الشرق الأوسط، وهو ما يبشر بأن السعودية أمام عهد جديد يرتكز على مبادئ الماضي وتباشير المستقبل.
ولا تكتمل هذه اللمحات دون الإشارة إلى سمات البعد الإنساني في شخصيّته، وهو شأن جدير بمقال مستقل، أستدعي منها ثلاث سِمَات ؛ أولها حجم الشفاعات الخفيّة والظاهرة التي يتوسّط بها لحل النزاعات بين الفرقاء، مما قد يُفضي نجاح الصلح فيها إلى درء القصاص فيما لو وصلت إلى منابر القضاء، وما كان المجتمع ليستجيب لمثل هذه الشفاعات لولا «الكاريزما» الرزينة التي اعتمرها في القلوب منذ أن تبوأ منصّة العاصمة في خمسينات القرن الماضي.
الثانية: سمة الوفاء وهي من أكثر المناقب الواضحة فيه، فمن طبعه أن يستذكر ما كان لأسرة من يقابله من دور في بناء البلاد، وقد أفادته قراءاته ومعرفته بالتاريخ في إنزال الناس منازلهم وفي تقدير جهودهم، وبخاصة فيما يتصل بتأسيس الدولة.
وأما الثالثة؛ فهي ما يتحلّى به من حب الدعابات المرحة التي يشعّ بها مُحيّاه حينما يستقبل عارفيه، وأحسب أن تلك الابتسامات الحميمة لم تكن لتُخفي حزنه الأبوي الدفين بفقد نجليه؛ فهد وأحمد في عامين متتاليين (2001 و2002).

* إعلامي وباحث سعودي



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.