السيارات بدون سائق تجتاح السوق الأميركية

الحكومة تدرس آالية التأمين واستخدامها على الطرق

تعتبر فيرجينيا واحدة من ولايات معدودة تسعى لاجتذاب صناعة تطوير السيارات ذاتية القيادة التي ربما تشهد ازدهارًا كبيرًا (أ.ب)
تعتبر فيرجينيا واحدة من ولايات معدودة تسعى لاجتذاب صناعة تطوير السيارات ذاتية القيادة التي ربما تشهد ازدهارًا كبيرًا (أ.ب)
TT

السيارات بدون سائق تجتاح السوق الأميركية

تعتبر فيرجينيا واحدة من ولايات معدودة تسعى لاجتذاب صناعة تطوير السيارات ذاتية القيادة التي ربما تشهد ازدهارًا كبيرًا (أ.ب)
تعتبر فيرجينيا واحدة من ولايات معدودة تسعى لاجتذاب صناعة تطوير السيارات ذاتية القيادة التي ربما تشهد ازدهارًا كبيرًا (أ.ب)

عندما تبدأ السيارات ذاتية القيادة في الانطلاق عبر شوارع نورذرن فيرجينيا هذا العام، فإنها لن تحتاج لتسجيل خاص، وكذلك لن يحتاج قائدوها لرخصة قيادة خاصة، وذلك لأنها أمام القانون، ستبقى سيارات عادية.
وتعتبر فيرجينيا واحدة من ولايات معدودة تسعى لاجتذاب صناعة تطوير السيارات ذاتية القيادة التي ربما تشهد ازدهارًا كبيرًا الفترة المقبلة. وإلى جانب عدد قليل من الولايات الأخرى، يميل المشرعون والمنظمون بالولاية للترحيب بالصناعة الناشئة - ويحرصون على عدم الوقوف في طريقها.
والملاحظ أن كاليفورنيا وفلوريدا وميتشيغان ونيفادا وضاحية كولومبيا سنت جميعها تشريعات لتقنين المركبات الإلكترونية، تبعًا لما ذكره «المؤتمر الوطني لتشريعات الولايات». ومن بين هذه الولايات، اثنتان أقرتا قوانين تفصيلية في هذا الصدد.
إلا أنه في ولايات مثل فيرجينيا وتكساس، يمكن أن تنطلق السيارات ذاتية القيادة على طرقها بفضل حجة منطقية بسيطة للغاية: القيام بذلك قانوني لأن القانون لا ينص على خلاف ذلك.
من جهته، قال بريانت والكر سميث، بروفسور القانون بجامعة ساوث كارولينا الذي ساعدت أبحاثه في تعزيز هذا التفسير للقانون: «من المحتمل أن تكون المركبات الإلكترونية قانونية، فهذا هو الافتراض الطبيعي».
وكانت هذه هي وجهة النظر التي أقرتها «غوغل» هذا الصيف عندما طرحت سيارات رياضية متعددة الأغراض طراز «لكسس» على طرق أوستن، وهي المرة الأولى التي تجري فيها الشركة العملاقة بمجال التقنية اختبارات خارج كاليفورنيا. من جهتهم، قال مسؤولو نقل في تكساس إنهم ليسوا مشاركين بالمشروع.
وفي اختبار عملي لهذه الحجة، أجرت شركة «ديلفي» اختبارًا على الطريق لنموذج أولي في رحلة عبر البلاد من سان فرانسيسكو إلى نيويورك، مع المرور عبر 15 ولاية، تفتقر جميعها إلى قوانين تتناول وضع السيارات ذاتية الحركة.
وقال جون أبسميير، مدير نشاطات «ديلفي» داخل «سيليكون فالي»، إن الشركة أخبرت الولايات المعنية بأن سيارتها ستمر عبرها قبل تنفيذ رحلة مارس (آذار).
وقال أبسميير: «قمنا بالتواصل مع جميع الولايات التي سنمر منها، لمجرد التنبيه إلى أننا سنقوم بهذه الرحلة»، وذلك طبقًا لما نقله عنه موقع «أرس تكنيكا».
وفي وقت لاحق من العام، ستبدأ السيارات ذاتية القيادة اختبارات على امتدادات لطريقي «إنتر ستيت 95» و«بيلتواي». كما خصصت فيرجينيا 70 ميلاً من الطرق العامة لاختبارات هذه النوعية من السيارات، وعرضت إعادة طلاء الطرق أو توفير خرائط عالية الوضوح لإجراء الاختبارات التي أجازها معهد فيرجينيا التقني للنقل، لكن يبقى بإمكان هذه السيارات إجراء اختبارات في أي مكان بالولاية، حسبما أعلنت ميرا بلانكو، التي تتولى إدارة شؤون الأبحاث الآلية بالمعهد.
ومن المعروف أن إجراء اختبارات قيادة على الطرق العامة في ظروف واقعية، مثل المرور المزدحم في نورزرن فيرجينيا، يعد خطوة محورية في إجازة ابتكارات جديدة قد تحقق أرباحًا كبيرة وتنقذ حياة الكثيرين، حسبما أفاد باحثون. وطبقًا لشركة «لوكس ريسرتش»، فإن سوق تقنيات السيارات الأوتوماتيكية قد تصل قيمتها إلى 87 مليار دولار بحلول عام 2030. وقد تقضي هذه التقنيات يومًا ما على السبب الأول وراء قتلى حوادث السيارات: الأخطاء البشرية.
في هذا الصدد، قالت بلانكو: «على الطرق الحقيقية تتعرف على مستواك الحقيقي، وعلى ما يحدث للناس عندما يقودون هناك؟».
ويتحدث مسؤولو تنظيم من ولاية فيرجينيا إلى أكاديميين ومسؤولين بالصناعة بخصوص ما إذا كانت الولاية بحاجة إلى قواعد جديدة، حسبما ذكرت براندي بروبيكر، المتحدثة الرسمية باسم قسم شؤون السيارات بالولاية. حتى الآن، لم ير المشرعون حاجة لذلك. ولم تناقش الجمعية العمومية بالولاية الأمر - بل ولم يتقدم أي مشرع بمشروع قانون بهذا الخصوص. أما رؤساء لجان النقل فأعربوا خلال مقابلات أجريت معهم عن اعتقادهم بأنه من المبكر سن قانون في هذا الشأن.
خوفًا من إمكانية إعاقة تطور هذه التقنيات، حرصت «غوغل» على حشد تأييد المشرعين بالولاية لفكرة عدم طرح أي مشروعات قوانين، حتى وإن بدت غير ضارة.
عام 2013 أعرب منظمون فيدراليون معنيون بالمرور عن هذا الحذر، حيث حثوا الولايات على الانتظار بالنسبة لتمرير قوانين تتعلق بالسيارات ذاتية القيادة حتى ترسخ التقنية جذورها بصورة أكبر. من جانبها، قالت الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة إن أبحاثها بهذا المجال «سيتم الكشف عنها خلال الشهور المقبلة»، لكنها لم تتخذ أي قرارات رسمية بعد.
يذكر أنه لم تمرر أي ولاية تشريعات لتقنين المركبات ذاتية الحركة منذ عام 2013، وبينما جرى اقتراح مشروعات قوانين داخل 16 ولاية هذا العام، فإن أيًا منها لم يجر تمريره.
وذكر سميث أنه: «بمجرد أن يصبح لديك أطر قانونية معينة يجري تنفيذها، ستصبح القواعد عبئًا أكبر. في الواقع، ليست هناك ضرورة لهذه الأنظمة التنظيمية، وربما تركز على الاتجاه الخطأ. وأعتقد أن هذا الرأي هو ما أسهم في هذا التحول باتجاه الاعتقاد بأننا لسنا في حاجة لهذا التشريع».
في تكساس، اقترح السيناتور بالولاية رودني إليس، عن الحزب الديمقراطي، تشريعًا يسمح بإجراء اختبارات قيادة ويمنح الولاية سبيلاً لتنظيم هذه السيارات. إلا أنه وصف القانون المقترح بأنه يرمي لاجتذاب هذه الصناعة نحو تكساس من خلال تنقية القوانين.
وأضاف: «قوانين تكساس تلتزم الصمت تجاه المركبات ذاتية القيادة، الأمر الذي يثير شكوكًا. بدلاً من الانتظار حتى العثور على إجابات عند طرح هذه التقنيات عبر طرقنا، أنادي بالتحرك قدمًا من خلال برنامج استكشافي رائد».
ومع ذلك، تخلى إليس عن مشروع القانون بمجرد إعلان «غوغل» وشركات تصنيع السيارات رفضها له، حسبما نقلت صحيفة «تكساس تريبيون» آنذاك. وفي غضون شهور، بدأت سيارات الاختبار التابعة لـ«غوغل» تظهر بمختلف أرجاء أوستن.
أما الولايات التي اختارت طريق القوانين الجديدة، فقد تعلمت الكثير في فترة قصيرة بعدما واجهت تساؤلات صعبة، مثل كيف يمكن للحكومة ضمان إجراء اختبارات آمنة من دون الإضرار بالابتكارات التقنية الجديدة؟
وجاءت إجابة فلوريدا في صورة قانون يسمح بالسيارات ذاتية القيادة، لكنه يلزمها بمتطلبات تأمين أعلى. وقال السيناتور بالولاية جيف برانديز، الجمهوري الذي تولى رعاية هذا القانون، إنه يرمي لاجتذاب هذه الصناعة عبر متطلبات بسيطة يمكن التخلي عنها بمجرد أن ترسخ التقنية الجديدة وجودها.
أما كاليفورنيا ونيفادا، فلا تطيقان الانتظار على ما يبدو.
يذكر أن كاليفورنيا تفرض على جهات تصنيع السيارات إجراء اختبارات قيادة بالاعتماد على سائقين يملكون سجلات قيادة نظيفة من التجاوزات، وتدريبهم وإخطار مسؤولي التنظيم بالوقت الذي يجبرون خلاله على غلق جهاز القيادة الآلية. أما نيفادا فتستلزم إجراء اختبارات مكثفة للسيارات ذاتية القيادة على مسارات خاصة والحصول على تراخيص خاصة قبل الخروج إلى الطرق.
وأوضح مسؤولو التنظيم أن صياغة مثل هذه القواعد كانت صعبة ومكلفة، نظرًا لأن الوكالات التابعة للولاية لا تتعامل عادة مع تصنيع السيارات أو التقنيات المتطورة.
جدير بالذكر أن أقسام شؤون السيارات بالولايات المختلفة عادة ما يتركز عملها على إصدار تراخيص لسائقين وتسجيل السيارات، بينما تتولى الحكومة الفيدرالية تنظيم مسألة سلامة السيارات ذاتها.
في نيفادا، التي كانت أول ولاية تمرر قانونًا بهذا الشأن، اضطر قسم شؤون السيارات لتخصيص قرابة نصف قسم الأبحاث على مدار أكثر من عام لدراسة تقنية القيادة الذاتية، حسبما صرح المتحدث الرسمي ديفيد فيرو.
أما قسم شؤون السيارات في كاليفورنيا، التي جرى بها تسجيل 78 سيارة ذاتية القيادة، فإن الولاية نجحت في تنمية خبرتها داخليًا بالاعتماد على حفنة من الموظفين ممن يملكون خلفية معرفية على صلة بمجال السيارات وأنظمة «سيليكون فالي».
ورغم أن قواعد الاختبارات التي أقرتها الولاية تعد الأكثر شمولاً على مستوى البلاد، فإن مسؤولي قسم شؤون السيارات ما يزالون يناضلون في مواجهة سؤال كيفية استخدام السيارات ذاتية القيادة بصورة يومية. وفي وقت سابق من العام، أخفق القسم في الالتزام بموعد نهائي لإقرار هذه القواعد.
* خدمة «واشنطن بوست»



ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجلت السعودية في ختام السنة المالية 2025 أداءً اقتصادياً لافتاً يعكس نجاح سياسات التحول الوطني وقدرة الاقتصاد على النمو المستدام، حيث كشفت النتائج المالية عن «توازن استراتيجي بين الإنفاق التوسعي الجريء، والحفاظ على رصانة المركز المالي».

وقد جسد ذلك العام محطة مفصلية في مسيرة «رؤية 2030»، إذ تُرجمت الأرقام إلى مشروعات حقيقية وخدمات متطورة لامست حياة المواطنين بشكل مباشر؛ «مما يعزز الثقة الدولية بمتانة الاقتصاد السعودي ومستقبله الواعد».

وعلى صعيد الموارد المالية، فقد «حققت المملكة نجاحاً استثنائياً في تنويع مصادر دخلها، حيث بلغت الإيرادات الإجمالية لعام 2025 نحو 1.111.826 تريليون ريال (ما يعادل 296.48 مليار دولار)».

وتبرز القوة الحقيقية لهذا الأداء في الصعود التاريخي للإيرادات غير النفطية التي وصلت إلى 505.282 مليار ريال (نحو 134.74 مليار دولار)، وهو ما يمثل «دليلاً قاطعاً على فاعلية الخطط الاقتصادية في تقليص الاعتماد على النفط، وخلق روافد مالية جديدة ومستقرة، تضمن استمرارية النمو الاقتصادي تحت مختلف الظروف العالمية».

وبشأن الإنفاق الحكومي، فقد كان عام 2025 عاماً لـ«الاستثمار في الإنسان والتنمية بامتياز»، حيث بلغ إجمالي المصروفات الفعلية 1.388.432 تريليون ريال (نحو 370.24 مليار دولار). وقد وجهت الحكومة هذه المبالغ الضخمة بـ«كفاءة عالية نحو القطاعات الحيوية التي تمس جودة الحياة، حيث تصدّر قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية قائمة الإنفاق بـ278.878 مليار ريال (74.36 مليار دولار)، تلاه قطاع التعليم بـ212.464 مليار ريال (56.65 مليار دولار)».

ويعكس هذا «الإنفاق السخي على الرعاية الصحية والتعليم الرؤية الحكيمة للقيادة السعودية التي تضع رفاهية المواطن وتمكينه في قلب أولوياتها الوطنية، عادّةً أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم للمستقبل».

ونتيجة لهذا التوسع المدروس في الإنفاق الرأسمالي وتسريع وتيرة المشروعات الكبرى، فقد سجلت الميزانية عجزاً سنوياً بلغ 276.605 مليار ريال (نحو 73.76 مليار دولار)، منها 94.847 مليار ريال (25.29 مليار دولار) في الربع الرابع وحده. وقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة هذا العجز، حيث مُوّل بالكامل عبر إصدارات دين احترافية دون المساس بالاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

أما عن الجدارة الائتمانية والاستقرار المالي، فقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة التدفقات النقدية والالتزامات المالية، حيث مُوّل العجز السنوي الناتج عن تسارع وتيرة المشروعات الكبرى، والبالغ 276.605 مليار ريال (73.76 مليار دولار) بالكامل عبر أدوات دين احترافية وأسواق رأس المال، دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

هذا الموقف المالي القوي «يبعث برسالة تفاؤل واضحة للقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد أن المملكة تمضي قدماً في مشروعاتها الكبرى بخطى ثابتة وقاعدة مالية متينة تضمن استمرار النهضة الشاملة التي تشهدها جميع مناطق المملكة».


البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)

أرجأ البرلمان الأوروبي التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حسبما أعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان.

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات تشريعية لإلغاء العديد من رسوم الاستيراد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السلع الأميركية، وهو بند أساسي في الاتفاقية التي أُبرمت في اسكوتلندا، نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وتتطلب هذه المقترحات موافقة البرلمان وحكومات الاتحاد الأوروبي.

وكان من المقرر أن تصوِّت لجنة التجارة في البرلمان، الثلاثاء، لكن تم تأجيل التصويت، في ثاني تعليق من نوعه من قبل مشرّعي الاتحاد الأوروبي.

وأوقف الاتحاد الأوروبي سابقاً العمل على الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته.

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ مما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب بعدها إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، غير أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.

وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية، الاثنين، إن ألمانيا تتوقع من الولايات المتحدة الرد سريعاً وبسياسة واضحة على قرار المحكمة العليا الذي ينص على أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس، دونالد ترمب، تجاوزت صلاحياته.

وأضاف المتحدث: «هناك حاجة لتحليل القرار، بما في ذلك مسألة أثره الرجعي على الرسوم الجمركية المفروضة بالفعل... نحن لا ننظر إلى هذا الأمر بهدوء أو بموضوعية، بل باهتمام بالغ. كما نتوقع من الجانب الأميركي الرد سريعاً وبسياسة واضحة تمكننا من الرد».


ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.