القاهرة: موقفنا ثابت من تفتيش منشآت إسرائيل النووية

حكومة نتنياهو غاضبة من الحملة المصرية

القاهرة: موقفنا ثابت من تفتيش منشآت إسرائيل النووية
TT

القاهرة: موقفنا ثابت من تفتيش منشآت إسرائيل النووية

القاهرة: موقفنا ثابت من تفتيش منشآت إسرائيل النووية

أكدت الخارجية المصرية لـ«الشرق الأوسط» أمس «ثبات» الموقف المصري الداعم لطلب إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للتفتيش، رغم ما سعت تل أبيب لـ«تسريبه» أمس عن مناشدتها للجانب المصري من أجل وقف هذا التوجه خلال المؤتمر السنوي لوكالة الطاقة الذرية في العاصمة النمساوية فيينا، الذي سيعقد بعد نحو أسبوعين، وسط تأكيدات لدبلوماسيين ومراقبين أن هذا الطلب سيكتسب «قوة كبيرة» هذا العام تحديدا نتيجة لعدة اعتبارات ترتبط بالتطورات الدولية الأخيرة.
وشددت مصادر دبلوماسية مصرية رسمية على ثبات موقف القاهرة في هذا الصدد، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا موضوع خارج النقاش أو التفاوض، لأن المسألة تتعلق بمستقبل المنطقة كلها وليس آراء شخصية أو فردية، وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمارس أنشطة نووية مبهمة خارج إطار أي رقابة دولية، خاصة بعد تفعيل الاتفاق النووي من قبل مجموعة 5+1 مع إيران، وهو ما يدفع المجموعة العربية إلى التشبث بمطالبها».
وعلق الناطق الرسمي باسم الخارجية المصرية المستشار أحمد أبو زيد لـ«الشرق الأوسط» قائلا إن «هناك مشروعات مصرية تطرح في الوكالة الدولية للطاقة الذرية كل عام في المؤتمر السنوي للوكالة، من بينها هذا الملف. ولا يوجد جديد في موقفنا المعروف بصدده»، مؤكدا أن «المشروعات التي تطرحها مصر والمجموعة العربية في الوكالة هي قرارات تصدر بشكل دوري، ويتم التشاور فيها ما بين الدول العربية قبل أن يتم طرحها».
وكانت تقارير إسرائيلية أمس أشارت إلى أن تل أبيب طالبت القاهرة بالكف عن مساعيها لدعم وإعداد مشروع قرار فرض رقابة دولية على منشآتها النووية أمام المؤتمر السنوي للوكالة الدولية. ونقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عمن سمتهم «المصادر الإسرائيلية رفيعة المستوى»، قولها إن وفدا إسرائيليا برئاسة إسحاق مولخو، مبعوث رئيس الحكومة، نقل هذه الرسالة خلال زيارته للقاهرة ولقائه بوزير الخارجية المصري سامح شكري قبل ثلاثة أسابيع.
وأشارت الصحيفة إلى أن المساعي المصرية، التي تقوم بها القاهرة منذ سنوات، تسببت في الشهور الأخيرة في «توتر في العلاقات بين البلدين»، ونقلت عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن «إسرائيل تشعر بالإحباط»، و«تتوقع أن تغير مصر سياستها في هذا الشأن، نتيجة التعاون الأمني والاستخباراتي الوثيق بين البلدين خلال الفترة الأخيرة».
وكانت مصر سعت إلى تقديم مشروع قرار في مؤتمر لحظر الانتشار النووي في الأمم المتحدة في نيويورك الذي عقد في مايو (أيار) الماضي، وطالبت بعقد مؤتمر لنزع الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وتقول المصادر الإسرائيلية إن «المساعي المصرية أُحبطت نتيجة الجهود الإسرائيلية والبريطانية والأميركية المشتركة».
في المقابل أكد مسؤولون كبار في الحكومة الإسرائيلية غضب رئيسها، بنيامين نتنياهو، على القيادة المصرية، وكشفوا أنها توجهت إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، طالبة منه التوقف عن محاولة دفع مشروع القرار الذي يدعو وكالة الطاقة النووية الدولية إلى فرض الرقابة على المنشآت النووية الإسرائيلية. ويأتي التوجه الإسرائيلي قبل أسبوعين من اجتماع الوكالة الدولية في فيينا، التي يفترض أنها ستبحث في الطلب المصري المدعوم من الدول العربية والكثير من دول العالم.
وقالت المصادر التي طلبت التكتم على هويتها، لكنها عممت موقفها على وسائل الإعلام، إن إسرائيل حولت هذه الرسالة إلى مصر بشكل مباشر، حيث قام وفد رفيع من مكتب نتنياهو، يضم المبعوث الخاص لرئيس الحكومة الإسرائيلية، المحامي يتسحاق مولخو، ومستشار الأمن القومي في ديوان رئيس الحكومة، المرشح لرئاسة «الموساد»، بزيارة إلى القاهرة لهذا الغرض قبل ثلاثة أسابيع. وقد التقى كوهين ومولخو مع وزير الخارجية المصري سامح شكري، ومسؤولين آخرين في الحكومة المصرية وناقشا معهم هذه المسألة.
المعروف أن الخارجية المصرية تدير هذه الخطوات ضد المشروع النووي الإسرائيلي منذ سنوات، في عهد الرئيس حسني مبارك، وذلك كجزء من سياسة مصر لمكافحة المشروع النووي الإسرائيلي. وحسب المصادر الإسرائيلية، فقد أدت الخطوات المصرية أخيرا إلى ظهور توتر بين إسرائيل ومصر.

وحول ما تسعى تل أبيب لترويجه من تواصلها مع الجانب المصري من أجل التراجع، يقول السفير الدكتور السيد أمين شلبي، المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، إن «هذه سذاجة من الجانب الإسرائيلي أن يطلب من مصر هذا الأمر، وهو يدرك أنه مطلب أساسي لمصر والمنطقة لتفادي الكوارث المحتملة من تهديدات نووية، وبشكل أساسي من البرنامج النووي الإسرائيلي المؤكد الذي تمتلك فيه تل أبيب ما بين 200 إلى 400 رأس نووي».
ورغم تأكيد الدبلوماسية المصرية أن هذا الملف يطرح بصورة دورية، فإن طرح الملف في هذا التوقيت من الإعلام الإسرائيلي، خاصة مع علم تل أبيب اليقيني بعدم تراجع مصر في هذا الملف، دفع بعض الدبلوماسيين والمراقبين إلى القول لـ«الشرق الأوسط» إنه قد يأتي في محاولة من تل أبيب لتشتيت الرأي العام الإسرائيلي الداخلي عن الهزة التي أصابت أسواق المال هناك بعد ساعات من الإعلان المصري الإيطالي عن أكبر كشف للغاز في منطقة البحر المتوسط، وهو الكشف الذي يصيب الأوساط السياسية بدورها بارتباك نتيجة تأثيره الكبير على خطط اقتصادية طموحة للجانب الإسرائيلي. ورفض المستشار أبو زيد، الناطق الرسمي للخارجية المصرية، التعليق على تحليلات الهدف الإسرائيلي من إثارة هذه النقطة في هذا التوقيت.
فيما رأى السفير أمين شلبي، أن هناك تخوفا حقيقيا هذا العام من الجانب الإسرائيلي من طرح الملف، خاصة بعد تفعيل اتفاق مجموعة 5+1 مع إيران. وقال: «بالتأكيد.. التوصل إلى اتفاق (مع إيران) من المفترض أن يفضي إلى فتح السبيل إلى إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، حيث لا يبقى في الواقع إلا إسرائيل كدولة تمتلك بشكل مؤكد أسلحة نووية». متابعًا: «نحن دعونا وخاطبنا الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو يدافع عن الاتفاق النووي مع إيران ويعتبر أنه يضمن أمن المنطقة، فقلنا إن أمن المنطقة لن يضمن بشكل كامل إلا أن يكون الوضع الأمني شاملا في المنطقة، بما فيها السلاح النووي الإسرائيلي». ويشير المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية إلى أن الطلب المصري والعربي «يكتسب أهمية خاصة في هذا العام». كما يؤكد الدكتور شلبي أن «إسرائيل تدرك تماما أن هذا اهتمام رئيسي لمصر منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، حينما تقدمت مصر بمبادرة إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل. ومصر منذ هذا الحين لا تكف عن إثارة هذا الموضوع في المنتديات والمحافل الدولية، وآخر تلك التجارب كانت في المؤتمر الأخير الذي عقد في نيويورك في أبريل (نيسان) الماضي لمؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي. وتقدمت مصر والمجموعة العربية بمشروع إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، لكن للأسف الشديد أحبطت أميركا المشروع المصري العربي وقبلها أحبطت المؤتمر الذي دعت إليه الأمم المتحدة في هلسنكي عام 2012 لإخلاء المنطقة من تلك الأسلحة».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.