طبقات حضارية سحيقة تخرج إلى الضوء

قراءة في رواية لحسن أوريد عن التراث الأمازيغي

حسن أوريد
حسن أوريد
TT

طبقات حضارية سحيقة تخرج إلى الضوء

حسن أوريد
حسن أوريد

أعترف بأني فوجئت بعنوان الكتاب: «سيرة حمار». بل وانزعجت وامتعضت شيئا ما وتشاءمت. وذلك لأن الحمار مرتبط في ذاكرتنا الجماعية بكل ما هو غبي وسلبي بل وقبيح. حتى شتائمنا قائمة على عبارات من نوع: أنت حمار! أو: يا إلهي كم هو حمار هذا الشخص!.. إلخ.. وذلك على عكس الحصان الذي يحظى بسمعة طيبة وراقية وشهمة. وبالتالي فلو كان عنوان الكتاب: «سيرة حصان» لما شعرت بالامتعاض والقرف والانزعاج. ولو أن المؤلف حسن أوريد ختم الرواية من دون أن يخلص البطل من حيوانيته ويعيده إلى إنسانيته لكنت قد حقدت عليه حقدا شديدا. بل ولربما كنت قد مزقت الكتاب. ولذلك ظللت ألهث وألهث في الصفحات الأخيرة حتى وصلت إلى غايتي ومقصدي في الصفحتين 117 - 118 حيث اغتسل البطل في العين المتفجرة فطهرته وعاد إلى آدميته بعد أن تخلص من حيوانيته التي مسخ إليها غصبا عنه. عندئذ اطمأن قلبي وسكنت ثائرتي وهدأت هوائجي. عندئذ ارتحت نفسيا وتنفست الصعداء. عندئذ قلت بأن حسن أوريد شخص طيب فعلا ويريد بنا الخير لا الشر. لولا النهاية السعيدة لفشلت الرواية. هذا شيء مؤكد. نحن لا نتعذب من أجل العذاب وإنما من أجل الوصول إلى نتيجة في نهاية المطاف. عندئذ يصبح العذاب مبررا ومقبولا. ورواية حسن أوريد مليئة بالألم، بالمشقات التي لا يتحملها إلا الحمار. إنها مليئة بالرعب والمخاطر، بل والمشاهد الجنسية والدموية البشعة أحيانا. فهناك مقاطع لا تحتمل ولا تطاق (صفحة 20. أو 30، أو - 44 - 45. مثلا، أو ص 64.، إلخ).. ولكن هنا ينبغي توضيح نقطة أساسية: وهي أننا نطابق بشكل عفوي وأوتوماتيكي بين الراوي السارد- والمؤلف. وحده الناقد المحترف يعرف كيف يفصل بينهما. ولكن ليس كل القراء نقادا محترفين. لا ريب في أن الكاتب يسقط على السارد أو البطل الكثير من أفكاره وهمومه ولكن لا توجد مطابقة أوتوماتيكية بين الطرفين. فالأنا الاجتماعية للمؤلف غير الأنا الإبداعية.
نعم إني أحب النهايات السعيدة للقصص ولكن بعد المرور بالمحن القاسية والتجارب المرة والأهوال. وهذا ما حصل في رواية سيرة حمار. ومن يستطيع أن يتحمل الأهوال والأثقال أكثر من الحمار؟ لقد خلق لذلك. من هنا أهمية الرواية وجاذبيتها. من هنا عمقها الفكري والفلسفي أيضا. إنها تجول بنا في عوالم حضارات منسية: حضارات سادت ثم بادت كما يقال، باستثناء الحضارة الأمازيغية بطبيعة الحال. فلا تزال حية ترزق لحسن الحظ. لا تزال منتعشة ومنعشة. ولكن من يعرف شيئا يذكر عن الحضارة الوندالية، أو القوطية، أو حتى الفينيقية والرومانية اللهم إلا إذا كان متخصصا في علم التاريخ؟ هذه الطبقة العميقة للشخصية المغربية، هذه الطبقة المنسية والمطموسة، هي التي يكشف عنها النقاب حسن أوريد بكل براعة واقتدار. وبأي لغة يكتب كل ذلك؟ بالعربية! لا بالفرنسية ولا بالأمازيغية. وأنها لعربية فصحى، أنيقة، مدهشة بطهارتها أكاد أقول بأصوليتها الأولى. نلاحظ أحيانا تأثير اللغة الدينية وعبقرية القرآن.
لقد أحسست بأني أكتشف قارة بأسرها وأنا أقرأ هذه الرواية المدهشة وغير المتوقعة. عوالم بأكملها كانت غائبة عني أو غير معروفة من قبلي. طبقات حضارية سحيقة كانت منسية فأخرجها الكاتب إلى ساحة الضوء ببراعة أدبية. لذلك كنت سأعنون المقال: حسن أوريد والحفر الأركيولوجي في الأعماق. أحسست بأني أكتشف الطبقات التحتية العميقة التي تربض تحت الطبقة السطحية الحالية. لا أقصد بذلك أن الطبقة العربية الإسلامية سطحية. معاذ الله! فعمرها يتجاوز الألف ومائتي سنة. وقد أضافت أمجادا على أمجاد. ثم إنها اختلطت بالطبقة الأمازيغية وانصهرت إلى درجة أنهما أصبحتا حضارة واحدة مشعة تجذبك جذبا فتعشقها عشقا ما إن تدخل بلاد المغرب الخالد. وأصلا لولا طارق بن زياد والأمازيغ لما كان فتح الأندلس وتشكل تلك الحضارة الرائعة التي أذهلت العالم ولا تزال محط إعجابه حتى اللحظة. وتاليا فحسن أوريد لا ينكر إطلاقا أهمية هذه الطبقة الحضارية المهيمنة حاليا وإلا لما نبغ بلغة الضاد وفيها كتب وأبدع. وإنما أقصد أنه لا ينبغي علينا احتقار الطبقات الحضارية السابقة عليها. لقد نسيناها أكثر مما ينبغي. وأنه لمفيد التذكير بها. بل ومن الضروري التذكير بها ونبشها من أعماق العصور.. فالشخصية المغربية تغتني بكل هذه الطبقات الحضارية التي توالت على مدار الأجيال كطبقات الأرض الجيولوجية.. وحذفها نهائيا يبتر الشخصية ويفقرها. الأدلجة الضيقة قضت على الفكر العربي ليس فقط في المغرب الكبير وإنما في المشرق أيضا بل وفي المشرق أكثر من المغرب. انظروا دمار الشرق حاليا. إنه ناتج أيضا عن الأدلجة العمياء. وينبغي أن يحاكم المثقفون يوما ما وليس فقط السياسيين. ففلسفة الإغريق وأدب الرومان وحكمة اللوبيين والتراث الأمازيغي العريق، كل ذلك يشكل ثروة إنسانية وثقافية وحضارية ما بعدها ثروة. فلماذا تحذف إذن؟ أليس من المفيد التذكير بالفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي كانت يوما ما مزدهرة في هذه الربوع؟ وهي الفلسفة التي تمزج بين الروح والعقل كما يقول النص. أليس من المفيد التذكير بفلسفة شيشرون وأشعار فيرجيل؟ وماذا عن ملحمة الانياذة وفلسفة مارك أورليوس أو حكمه؟ لماذا لا نستعيد كل ذلك بل وندخله في برامج التعليم؟ يقول الراوي أو الحاكي هذا الكلام الهام:
«لقد طوفت أرجاء عدة لأقول لكم أنا تأثرنا بحضارات عدة مثلما أثرنا فيها، وأن لا خطر يتهدد شخصيتنا العميقة من هذا التفاعل. إن الخطر كل الخطر، أن نختزل تلك الشخصية في جانب ونصدف عن التجربة الإنسانية التي أتيحت لنا من الحضارة الفرعونية فالإغريقية والرومانية وقبلها الفينيقية. إخوتي.. إننا لسنا طارئين على هذا الرصيد الإنساني، لسنا متسولين، هو جزء منا ونحن جزء منه. غن الأمم العريقة هي التي لا تخشى الانفتاح ولا تتأذى من التلاقح، أما تلك التي تروم ما تزعم من صفاء فيتهددها الذبول بله الفناء..» (ص 37).
هناك نقد اجتماعي هام في الرواية، بل ونقد عقائدي. ولكنه يتم عموما بطريقة رمزية من بعيد لا بطريقة وعظية فجة. من هنا فعاليته لمن يكتشفه أو يفهم بين السطور. فهناك فرق مثلا بين الحقيقة الحقيقية-والحقيقة الاجتماعية. يقول الكاتب بأنه «لو قال لساكنة مدينة (أليلي) الحقيقة لنفروا مني لأنهم أنسوا بحقيقة مزيفة وضعوها، وأكاذيب تواضعوا بشأنها ووجدوا فيها مصلحتهم» (ص 40). ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أننا على عكس ما نتوهم نعيش على الأكاذيب لا على الحقائق. ولكنها أكاذيب سوسيولوجية أو جماعية اجتماعية يؤمن بها العدد الأكبر من الناس إلى درجة أنها تتحول إلى حقائق غير قابلة للنقاش. ولذلك يميز علماء الابيستمولوجيا بين كلا النوعين من الحقيقة: الحقيقة الحقيقية-والحقيقة السوسيولوجية. ألم يصرخ نيتشه قائلا: آه أيتها الحقيقة يا أكبر كذبة في التاريخ! مثلا كانت البشرية طيلة قرون وقرون قبل كوبرنيكوس وغاليليو تعتقد أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. وكان ذلك يمثل حقيقة مطلقة. وقس على ذلك.. وفي مكان آخر يقول المؤلف بأن شيخ الجماعة لم يكن يؤمن بعقيدة الجماعة ولكنه كان يتظاهر بذلك لكي يظل مسيطرا عليها ثم للحفاظ على ثروته ومصالحه. وهنا تطرح مسألة العلاقة بين النخبة والشعب. فالنخبة مضطرة لأن تظهر إيمانها بالعقائد الشعبية رغم أنها تعرف بأنها خرافات وأوهام. وذلك لأن إغضاب الشعب أو الرأي العام شيء لا تحمد عقباه. من يتجرأ من المثقفين العرب حاليا على مواجهة أي واحد من شيوخ الفضائيات؟ إنه مهزوم سلفا. من هنا أهمية سقراط الذي كان يولّد الحقائق الحقيقية توليدا كما تولد القابلة المرأة الحامل. ولكن ليس كل الناس سقراط. ثم إنه دفع حياته ثمنا لهذا الانحراف عن العقائد الجماعية أو الشعبية إن لم نقل الشعبوية. وبالتالي فمسألة الحقيقة مطروحة بعمق في الرواية. وما معنى البحث عن الذات من دون البحث عن الحقيقة؟ يقول المؤلف في إحدى صفحاته الأكثر إضاءة:
«الناس تمر على الأشياء دون أن تلاحظ شيئا. الناس تحسب الحقيقة جامدة، تُلقن أو تُحفظ.. الحقيقة اكتشاف دائم، هي مدى مطابقة فكرة للواقع.. في مساجلات سقراط، يحسب الناس الحقيقة ما سمعوا أو لقنوا، فإذا أعملوا عقلهم وجدوا أن ما يعتقدون ليس الحقيقة. والمعتقدات هي الأفكار العامة التي يرتبط بها مجتمع، ولكن ليس بالضرورة الأفكار التي يمكن أن يتقدم بها، بل قد تصبح وزرا تصده عن الحركة. المعتقدات تملكنا، والأفكار ملك لنا» (ص 73).
يمكن اعتبار هذا الكلام تلخيصا للوضع العربي والإسلامي برمته. فمتى سننتقل من المرحلة الآيديولوجية إلى المرحلة الابيستمولوجية؟ هنا تكمن أزمة الفكر العربي. إنه لا يستطيع التمييز بين المعتقدات التي تملكنا والأفكار التي هي ملك لنا. وما دام لا يستطيع التمييز بين هذين الشيئين فسوف يظل يتخبط ويدور حول نفسه. مكانك راوح! أو حتى إلى الوراء در! أو كما قال نزار قباني: ويمشي إلى الوراء الوراء.. العالم العربي والإسلامي كله لا يمكن أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إلا إذا تجرأ على نقد المعتقدات التراثية التي تملكنا منذ مئات السنين. الموتى يتحكمون برقاب الأحياء وليس العكس. أما في المجتمعات الديناميكية المتقدمة فالعكس هو الصحيح: الأحياء هم الذين يتحكمون بالأموات. هذا لا يعني عدم احترام الأموات! ففي بعضهم أمجادنا..
«وقبيح بنا وإن قدم العهد
هوان الآباء والأجداد»..
كما يقول شاعرنا الكبير أبو العلاء المعري.
ولكنه يعني أن التكلس الفكري أو التحجر الديني يؤدي إلى تخلف الأمة. إنه يعني ضرورة موضعة الأموات ضمن حجمهم الطبيعي. إنه يعني الحق في غربلة التراث. فما توافق منه مع الحداثة وحقوق الإنسان والكرامة الشخصية نبقي عليه وما عارضه نشطبه ونلغيه دون أي تردد. الأموات ليسوا معصومين إلا عند الشعوب المتخلفة.. هل تقدمت أوروبا قبل نقد أمواتها وثوابتها اللاهوتية المسيحية أم بعد ذلك؟ ماذا فعلت (بعد سقراط وعلى أثره) شخصيات من نوعية ديكارت ومالبرانش وسبينوزا وفولتير وروسو وديدرو وكانط وعشرات غيرهم؟ تفكيك الثوابت المسيحية، تفكيك الانغلاقات التراثية والطائفية. لم تفعل شيئا آخر. ماذا فعل من تلاهم؟ تفكيك الانغلاقات الشوفينية والعنصرية. لذلك أقول بأننا مدعوون في السنوات القادمة إلى تفكيك الآيديولوجيا العربية المتكلسة والمتحنطة على محورين أساسيين: محور القومجية الشوفينية، ومحور الأصولية الطائفية والمذهبية. من دون ذلك لا حرية ولا تحرير.



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»