أعترف بأني فوجئت بعنوان الكتاب: «سيرة حمار». بل وانزعجت وامتعضت شيئا ما وتشاءمت. وذلك لأن الحمار مرتبط في ذاكرتنا الجماعية بكل ما هو غبي وسلبي بل وقبيح. حتى شتائمنا قائمة على عبارات من نوع: أنت حمار! أو: يا إلهي كم هو حمار هذا الشخص!.. إلخ.. وذلك على عكس الحصان الذي يحظى بسمعة طيبة وراقية وشهمة. وبالتالي فلو كان عنوان الكتاب: «سيرة حصان» لما شعرت بالامتعاض والقرف والانزعاج. ولو أن المؤلف حسن أوريد ختم الرواية من دون أن يخلص البطل من حيوانيته ويعيده إلى إنسانيته لكنت قد حقدت عليه حقدا شديدا. بل ولربما كنت قد مزقت الكتاب. ولذلك ظللت ألهث وألهث في الصفحات الأخيرة حتى وصلت إلى غايتي ومقصدي في الصفحتين 117 - 118 حيث اغتسل البطل في العين المتفجرة فطهرته وعاد إلى آدميته بعد أن تخلص من حيوانيته التي مسخ إليها غصبا عنه. عندئذ اطمأن قلبي وسكنت ثائرتي وهدأت هوائجي. عندئذ ارتحت نفسيا وتنفست الصعداء. عندئذ قلت بأن حسن أوريد شخص طيب فعلا ويريد بنا الخير لا الشر. لولا النهاية السعيدة لفشلت الرواية. هذا شيء مؤكد. نحن لا نتعذب من أجل العذاب وإنما من أجل الوصول إلى نتيجة في نهاية المطاف. عندئذ يصبح العذاب مبررا ومقبولا. ورواية حسن أوريد مليئة بالألم، بالمشقات التي لا يتحملها إلا الحمار. إنها مليئة بالرعب والمخاطر، بل والمشاهد الجنسية والدموية البشعة أحيانا. فهناك مقاطع لا تحتمل ولا تطاق (صفحة 20. أو 30، أو - 44 - 45. مثلا، أو ص 64.، إلخ).. ولكن هنا ينبغي توضيح نقطة أساسية: وهي أننا نطابق بشكل عفوي وأوتوماتيكي بين الراوي السارد- والمؤلف. وحده الناقد المحترف يعرف كيف يفصل بينهما. ولكن ليس كل القراء نقادا محترفين. لا ريب في أن الكاتب يسقط على السارد أو البطل الكثير من أفكاره وهمومه ولكن لا توجد مطابقة أوتوماتيكية بين الطرفين. فالأنا الاجتماعية للمؤلف غير الأنا الإبداعية.
نعم إني أحب النهايات السعيدة للقصص ولكن بعد المرور بالمحن القاسية والتجارب المرة والأهوال. وهذا ما حصل في رواية سيرة حمار. ومن يستطيع أن يتحمل الأهوال والأثقال أكثر من الحمار؟ لقد خلق لذلك. من هنا أهمية الرواية وجاذبيتها. من هنا عمقها الفكري والفلسفي أيضا. إنها تجول بنا في عوالم حضارات منسية: حضارات سادت ثم بادت كما يقال، باستثناء الحضارة الأمازيغية بطبيعة الحال. فلا تزال حية ترزق لحسن الحظ. لا تزال منتعشة ومنعشة. ولكن من يعرف شيئا يذكر عن الحضارة الوندالية، أو القوطية، أو حتى الفينيقية والرومانية اللهم إلا إذا كان متخصصا في علم التاريخ؟ هذه الطبقة العميقة للشخصية المغربية، هذه الطبقة المنسية والمطموسة، هي التي يكشف عنها النقاب حسن أوريد بكل براعة واقتدار. وبأي لغة يكتب كل ذلك؟ بالعربية! لا بالفرنسية ولا بالأمازيغية. وأنها لعربية فصحى، أنيقة، مدهشة بطهارتها أكاد أقول بأصوليتها الأولى. نلاحظ أحيانا تأثير اللغة الدينية وعبقرية القرآن.
لقد أحسست بأني أكتشف قارة بأسرها وأنا أقرأ هذه الرواية المدهشة وغير المتوقعة. عوالم بأكملها كانت غائبة عني أو غير معروفة من قبلي. طبقات حضارية سحيقة كانت منسية فأخرجها الكاتب إلى ساحة الضوء ببراعة أدبية. لذلك كنت سأعنون المقال: حسن أوريد والحفر الأركيولوجي في الأعماق. أحسست بأني أكتشف الطبقات التحتية العميقة التي تربض تحت الطبقة السطحية الحالية. لا أقصد بذلك أن الطبقة العربية الإسلامية سطحية. معاذ الله! فعمرها يتجاوز الألف ومائتي سنة. وقد أضافت أمجادا على أمجاد. ثم إنها اختلطت بالطبقة الأمازيغية وانصهرت إلى درجة أنهما أصبحتا حضارة واحدة مشعة تجذبك جذبا فتعشقها عشقا ما إن تدخل بلاد المغرب الخالد. وأصلا لولا طارق بن زياد والأمازيغ لما كان فتح الأندلس وتشكل تلك الحضارة الرائعة التي أذهلت العالم ولا تزال محط إعجابه حتى اللحظة. وتاليا فحسن أوريد لا ينكر إطلاقا أهمية هذه الطبقة الحضارية المهيمنة حاليا وإلا لما نبغ بلغة الضاد وفيها كتب وأبدع. وإنما أقصد أنه لا ينبغي علينا احتقار الطبقات الحضارية السابقة عليها. لقد نسيناها أكثر مما ينبغي. وأنه لمفيد التذكير بها. بل ومن الضروري التذكير بها ونبشها من أعماق العصور.. فالشخصية المغربية تغتني بكل هذه الطبقات الحضارية التي توالت على مدار الأجيال كطبقات الأرض الجيولوجية.. وحذفها نهائيا يبتر الشخصية ويفقرها. الأدلجة الضيقة قضت على الفكر العربي ليس فقط في المغرب الكبير وإنما في المشرق أيضا بل وفي المشرق أكثر من المغرب. انظروا دمار الشرق حاليا. إنه ناتج أيضا عن الأدلجة العمياء. وينبغي أن يحاكم المثقفون يوما ما وليس فقط السياسيين. ففلسفة الإغريق وأدب الرومان وحكمة اللوبيين والتراث الأمازيغي العريق، كل ذلك يشكل ثروة إنسانية وثقافية وحضارية ما بعدها ثروة. فلماذا تحذف إذن؟ أليس من المفيد التذكير بالفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي كانت يوما ما مزدهرة في هذه الربوع؟ وهي الفلسفة التي تمزج بين الروح والعقل كما يقول النص. أليس من المفيد التذكير بفلسفة شيشرون وأشعار فيرجيل؟ وماذا عن ملحمة الانياذة وفلسفة مارك أورليوس أو حكمه؟ لماذا لا نستعيد كل ذلك بل وندخله في برامج التعليم؟ يقول الراوي أو الحاكي هذا الكلام الهام:
«لقد طوفت أرجاء عدة لأقول لكم أنا تأثرنا بحضارات عدة مثلما أثرنا فيها، وأن لا خطر يتهدد شخصيتنا العميقة من هذا التفاعل. إن الخطر كل الخطر، أن نختزل تلك الشخصية في جانب ونصدف عن التجربة الإنسانية التي أتيحت لنا من الحضارة الفرعونية فالإغريقية والرومانية وقبلها الفينيقية. إخوتي.. إننا لسنا طارئين على هذا الرصيد الإنساني، لسنا متسولين، هو جزء منا ونحن جزء منه. غن الأمم العريقة هي التي لا تخشى الانفتاح ولا تتأذى من التلاقح، أما تلك التي تروم ما تزعم من صفاء فيتهددها الذبول بله الفناء..» (ص 37).
هناك نقد اجتماعي هام في الرواية، بل ونقد عقائدي. ولكنه يتم عموما بطريقة رمزية من بعيد لا بطريقة وعظية فجة. من هنا فعاليته لمن يكتشفه أو يفهم بين السطور. فهناك فرق مثلا بين الحقيقة الحقيقية-والحقيقة الاجتماعية. يقول الكاتب بأنه «لو قال لساكنة مدينة (أليلي) الحقيقة لنفروا مني لأنهم أنسوا بحقيقة مزيفة وضعوها، وأكاذيب تواضعوا بشأنها ووجدوا فيها مصلحتهم» (ص 40). ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أننا على عكس ما نتوهم نعيش على الأكاذيب لا على الحقائق. ولكنها أكاذيب سوسيولوجية أو جماعية اجتماعية يؤمن بها العدد الأكبر من الناس إلى درجة أنها تتحول إلى حقائق غير قابلة للنقاش. ولذلك يميز علماء الابيستمولوجيا بين كلا النوعين من الحقيقة: الحقيقة الحقيقية-والحقيقة السوسيولوجية. ألم يصرخ نيتشه قائلا: آه أيتها الحقيقة يا أكبر كذبة في التاريخ! مثلا كانت البشرية طيلة قرون وقرون قبل كوبرنيكوس وغاليليو تعتقد أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. وكان ذلك يمثل حقيقة مطلقة. وقس على ذلك.. وفي مكان آخر يقول المؤلف بأن شيخ الجماعة لم يكن يؤمن بعقيدة الجماعة ولكنه كان يتظاهر بذلك لكي يظل مسيطرا عليها ثم للحفاظ على ثروته ومصالحه. وهنا تطرح مسألة العلاقة بين النخبة والشعب. فالنخبة مضطرة لأن تظهر إيمانها بالعقائد الشعبية رغم أنها تعرف بأنها خرافات وأوهام. وذلك لأن إغضاب الشعب أو الرأي العام شيء لا تحمد عقباه. من يتجرأ من المثقفين العرب حاليا على مواجهة أي واحد من شيوخ الفضائيات؟ إنه مهزوم سلفا. من هنا أهمية سقراط الذي كان يولّد الحقائق الحقيقية توليدا كما تولد القابلة المرأة الحامل. ولكن ليس كل الناس سقراط. ثم إنه دفع حياته ثمنا لهذا الانحراف عن العقائد الجماعية أو الشعبية إن لم نقل الشعبوية. وبالتالي فمسألة الحقيقة مطروحة بعمق في الرواية. وما معنى البحث عن الذات من دون البحث عن الحقيقة؟ يقول المؤلف في إحدى صفحاته الأكثر إضاءة:
«الناس تمر على الأشياء دون أن تلاحظ شيئا. الناس تحسب الحقيقة جامدة، تُلقن أو تُحفظ.. الحقيقة اكتشاف دائم، هي مدى مطابقة فكرة للواقع.. في مساجلات سقراط، يحسب الناس الحقيقة ما سمعوا أو لقنوا، فإذا أعملوا عقلهم وجدوا أن ما يعتقدون ليس الحقيقة. والمعتقدات هي الأفكار العامة التي يرتبط بها مجتمع، ولكن ليس بالضرورة الأفكار التي يمكن أن يتقدم بها، بل قد تصبح وزرا تصده عن الحركة. المعتقدات تملكنا، والأفكار ملك لنا» (ص 73).
يمكن اعتبار هذا الكلام تلخيصا للوضع العربي والإسلامي برمته. فمتى سننتقل من المرحلة الآيديولوجية إلى المرحلة الابيستمولوجية؟ هنا تكمن أزمة الفكر العربي. إنه لا يستطيع التمييز بين المعتقدات التي تملكنا والأفكار التي هي ملك لنا. وما دام لا يستطيع التمييز بين هذين الشيئين فسوف يظل يتخبط ويدور حول نفسه. مكانك راوح! أو حتى إلى الوراء در! أو كما قال نزار قباني: ويمشي إلى الوراء الوراء.. العالم العربي والإسلامي كله لا يمكن أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إلا إذا تجرأ على نقد المعتقدات التراثية التي تملكنا منذ مئات السنين. الموتى يتحكمون برقاب الأحياء وليس العكس. أما في المجتمعات الديناميكية المتقدمة فالعكس هو الصحيح: الأحياء هم الذين يتحكمون بالأموات. هذا لا يعني عدم احترام الأموات! ففي بعضهم أمجادنا..
«وقبيح بنا وإن قدم العهد
هوان الآباء والأجداد»..
كما يقول شاعرنا الكبير أبو العلاء المعري.
ولكنه يعني أن التكلس الفكري أو التحجر الديني يؤدي إلى تخلف الأمة. إنه يعني ضرورة موضعة الأموات ضمن حجمهم الطبيعي. إنه يعني الحق في غربلة التراث. فما توافق منه مع الحداثة وحقوق الإنسان والكرامة الشخصية نبقي عليه وما عارضه نشطبه ونلغيه دون أي تردد. الأموات ليسوا معصومين إلا عند الشعوب المتخلفة.. هل تقدمت أوروبا قبل نقد أمواتها وثوابتها اللاهوتية المسيحية أم بعد ذلك؟ ماذا فعلت (بعد سقراط وعلى أثره) شخصيات من نوعية ديكارت ومالبرانش وسبينوزا وفولتير وروسو وديدرو وكانط وعشرات غيرهم؟ تفكيك الثوابت المسيحية، تفكيك الانغلاقات التراثية والطائفية. لم تفعل شيئا آخر. ماذا فعل من تلاهم؟ تفكيك الانغلاقات الشوفينية والعنصرية. لذلك أقول بأننا مدعوون في السنوات القادمة إلى تفكيك الآيديولوجيا العربية المتكلسة والمتحنطة على محورين أساسيين: محور القومجية الشوفينية، ومحور الأصولية الطائفية والمذهبية. من دون ذلك لا حرية ولا تحرير.
طبقات حضارية سحيقة تخرج إلى الضوء
قراءة في رواية لحسن أوريد عن التراث الأمازيغي
حسن أوريد
طبقات حضارية سحيقة تخرج إلى الضوء
حسن أوريد
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





