لبنان: الحكومة تلغي «مناقصات النفايات».. وقرار حاسم لرئيسها في جلسة الغد

وزير الشؤون: إذا تكرر التعطيل لا حاجة لبقاء الحكومة

زجاجات ماء فارغة تحتاج لإعادة تدوير وضعت قرب نصب ساحة الشهداء بينما تستمر الاحتجاجات ضمن حملة «طلعت ريحتكم» (رويترز)
زجاجات ماء فارغة تحتاج لإعادة تدوير وضعت قرب نصب ساحة الشهداء بينما تستمر الاحتجاجات ضمن حملة «طلعت ريحتكم» (رويترز)
TT

لبنان: الحكومة تلغي «مناقصات النفايات».. وقرار حاسم لرئيسها في جلسة الغد

زجاجات ماء فارغة تحتاج لإعادة تدوير وضعت قرب نصب ساحة الشهداء بينما تستمر الاحتجاجات ضمن حملة «طلعت ريحتكم» (رويترز)
زجاجات ماء فارغة تحتاج لإعادة تدوير وضعت قرب نصب ساحة الشهداء بينما تستمر الاحتجاجات ضمن حملة «طلعت ريحتكم» (رويترز)

على وقع استمرار التحركات الشعبية المطالبة بإيجاد حلّ لـ«ملف النفايات»، قرّرت الحكومة اللبنانية إلغاء المناقصات التي كان قد أعلن عنها وزير البيئة محمد المشنوق أول من أمس ووصفها الناشطون بـ«الصفقة» التي كرّست المحاصصة بين الأطراف السياسية، بينما طلب رئيس الحكومة تمام سلام بإزالة الجدار الإسمنتي الذي وضعته القوى الأمنية الاثنين للفصل بين مقر الحكومة وساحة الاعتصام بوسط بيروت.
وقد شهدت الجلسة انسحاب وزراء فريق «8 آذار»، من «التيّار الوطني الحر» و«الطاشناق»، وقال وزير الزراعة (عن حزب الله)، حسين الحاج حسن، إنّ الوزراء انسحبوا «لأنّ كثيرا من الفرقاء مصرون على عدم الاستماع لمطلب الشراكة الحقيقية»، في حين قال وزير الخارجية جبران باسيل: «انسحبنا من الجلسة اعتراضًا على مسرحية تجري لحل مشكلة النفايات».
وحول جلسة الحكومة، عزا وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، رفض مجلس الوزراء للمناقصات التي رسا عليها ملف النفايات، إلى «ارتفاع الأسعار، والحاجة إلى شرح مفصّل عن الآلية التي ستعتمد في المعالجة». ورأى درباس في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «المسألة برمتها تعبّر عن عمق الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان». وقال: «عندما تكون الدولة بكاملها مشلولة من الفراغ في رئاسة الجمهورية إلى شلّ المجلس النيابي ومجلس الوزراء، لن يكون باستطاعة حكومة معطلة أن تعالج أزمة البلاد». واتهم «التيار الوطني الحر» وحزب الله من دون أن يسميهما بـ«الاستقواء على جميع الفرقاء السياسيين، ليأخذوا كل ما يريدون، لكن لن نمكنهم من ذلك، لأنهم إذا نالوا مرادهم وتسلموا السلطة سيأخذون لبنان إلى حرب جديدة». وعن سبب انسحاب وزراء عون وحزب الله من الجلسة، أوضح درباس أن «انسحابهم جاء اعتراضًا على قرار الحكومة بتخصيص 100 مليون دولار لإنماء منطقة عكار، والتذرع بأن هذا المبلغ هو محاولة رشوة لعكار مقابل طمر النفايات فيها، لكن رئيس الحكومة كان واضحًا بأنه إذا قبلت عكار استيعاب جزء من النفايات على أرضها ضمن ضوابط وشروط صحية وبيئية ولمدة لا تتجاوز ستة أشهر، فهذا كرم أخلاق منها، وإذا رفضت تكون أخذت حقها بهذا المبلغ لمشاريع إنمائية تحتاج إليها». ولفت درباس إلى أن «رئيس الحكومة دعا إلى جلسة لمجلس الوزراء الخميس (غدًا) فإذا اتخذت فيها قرارات منتجة كان به، وإذا تكرر التعطيل فلا حاجة لبقاء حكومة معطلة، وكل الخيارات تصبح مطروحة بما فيها الاستقالة».
وفي كلمة له، الأحد الماضي، كان سلام قد هدّد بالاستقالة إذا لم تكن جلسة يوم غد الخميس منتجة. وكان وزير الإعلام رمزي جريج قد أعلن بعد انتهاء جلسة الحكومة يوم أمس عن اعتماد اقتراح وزير البيئة عدم الموافقة على نتائج المناقصات وتكليف اللجنة الوزارية البحث في البدائل ورفعها إلى مجلس الوزراء، وذلك بعد الاستماع إلى عرض وزير البيئة لنتائج المناقصات، الذي أفاد بأن النتائج تضمنت أسعارا مرتفعة مما يقتضي عدم الموافقة على هذه النتائج.
ونقل جريج عن سلام قوله خلال الجلسة: «إن أضرار أزمة النفايات ليست محصورة بطائفة أو بمنطقة أو بفئة أو بحزب وإنما هي حالة وطنية شاملة تتطلب علاجا فوريا بعيدا عن كل الصراعات والاختلافات والتباينات». مضيفا: «وللوصول إلى معالجة سريعة تزيل الوضع الضاغط لهذا الملف، طرح دولة الرئيس اقتراحا بتخصيص منطقة لبنانية عزيزة ومحرومة هي منطقة عكار بقيمة مائة مليون دولار، تقدم على مدى ثلاث سنوات من خلال الهيئة العليا للإغاثة، بغية تنفيذ مشاريع إنمائية من شأنها تعزيز هذه المنطقة ورفع المستوى المعيشي فيها».
وقال سلام: «إذا اتخذنا قرارا بتقديم هذا الدعم الضروري وباشرنا فورا اعتماد المشاريع التنموية نستطيع في ظل ذلك أن نتواصل مع أهل عكار لمساعدتنا على إيجاد حل سريع لموضوع النفايات».
ورأى منظمو حراك «طلعت ريحتكم» الذين كانوا قد نظموا تحركا لهم خلال انعقاد جلسة الحكومة أمس في إلغاء المناقصات خطوة إيجابية بانتظار الخطوات التالية. وفي هذا الإطار، قال رئيس الحركة البيئية اللبنانية بول أبي راشد: «هذا مطلبنا وتحقيقه أمر إيجابي لأنه يخدم لبنان واللبنانيين، لكن اليوم مهمتنا هي رصد الخطوة التالية التي ستقوم بها الحكومة، لا سيّما أننا تعودنا أن تأتينا في كل مرة بحلول أفشل من التي سبقتها». وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «سنرى ما إذا كانوا سيتعاونون مع خبراء وجمعية بيئية وتقديم مبادرات إيجابية أم سيتبعون السياسة نفسها، وعندما سيبنى على الشيء مقتضاه».
وفي ما يتعلّق بما طرح حول إعطاء منطقة عكار 100 مليون دولار مقابل نقل النفايات إليها، قال أبي راشد: «هل سيعطون أهالي المنطقة مائة مليون دولار مقابل صحتهم والماء والهواء؟»، مؤكدا: «هم لا يزالون على موقفهم الرافض لهذا الأمر، ونحن كحراك لن نقبل أن تكون عكار ضحية، بل التأكيد على أن تكون ضمن حلّ شامل في كل المناطق اللبنانية بحيث تتم معالجة النفايات بطريقة سليمة».
وبعد اجتماع «تكتل التغيير والإصلاح» اعتبر باسيل أنّ أزمة النفايات افتعلت وتستعمل في السياسية من أجل الاستفادة مجددا من أموالها، لافتا إلى أن «ما نشهده حركة سياسية تجارية للمحاصصة».
وأضاف: «لا المناقصات مقبولة بنتائجها ولا الحل بترحيل النفايات إلى عكار مقابل 100 مليون مقبول ولذلك غادرنا الجلسة». ورأى باسيل أن هناك استباحة «لصلاحية رئيس الجمهورية بتوقيع المراسيم العادية من قبل رئيس الحكومة وبعض الوزراء»، مضيفا: «لا نقبل أن نكون في مجلس وزراء تؤخذ فيه القرارات من دون توافق».
وفي ظل المعلومات التي تشير إلى احتمال اتخاذ «التيار الوطني الحر» قرارا بالعودة إلى التحركات في الشارع، قال عضو التكتل النائب ناجي غاريوس لـ«وكالة الأنباء المركزية»: «لسنا بعيدين من الشارع الذي يشكل تعبيرا صادقا مكشوفا يسمح بالاعتراض على من أوصل البلاد إلى الوضع المأسوي الذي تعيشه»، مضيفا: «وزراؤنا لم يعلقوا مشاركتهم في الحكومة، بل انسحبوا لأن النقاشات لم تعد مجدية»، معتبرا أن «الوضع القائم والإخفاقات المتراكمة قد تقول إن الوقت حان للنزول إلى الشارع، فلا رؤية لدى أي طرف لأي مشكلة».
ورأى «حزب الله» أن «أزمة النفايات هي وجه من وجوه الفساد المستشري والمتراكم خلال العقدين الأخيرين. وقال في بيان له: «كنا نتمنى لو تبدأ معالجة ملف النفايات الحساس بطريقة إيجابية، إلا أننا وللأسف صُدمنا بالأرقام المالية الفضيحة في العروض المقدمة»، داعيا إلى «إيقاف مهزلة التداعيات السلبية لأزمة النفايات لمصلحة الحلول المعقولة والتي تعالج المرحلة الانتقالية ثم الخطة الاستراتيجية طويلة الأمد، مؤكدا أن «حق التظاهر السلمي والاعتراض البنّاء حق مشروع».
من جهتها، اعتبرت كتلة المستقبل، أنّ حرية التعبير حق لكل اللبنانيين على أن يمارس تحت سقف الدستور بما لا يمس بحرية الآخرين». وبعد اجتماعها الأسبوعي اعتبرت الكتلة أنّ «استغلال المظاهرات السلمية واستعمالها منصة من قبل بعض الأحزاب للاعتداء على كرامات وممتلكات الناس هو أمر مستنكر ومرفوض»، مؤكدة دعمها للحكومة في ضوء التهديدات وفي ظل الشغور الرئاسي وضرورة استمرارها في تحمل مسؤولياتها وفق الدستور.
ودعا منظمو حراك «طلعت ريحتكم» الذين ينتمون إلى مجموعات وهيئات مدنية وبيئية وطلابية، للاعتصام السادسة مساء في ساحة رياض الصلح، بوسط بيروت، بينما لا يزال موعد المظاهرة الأكبر يوم السبت المقبل. وفي هذا الإطار، أكد وزير الداخلية نهاد المشنوق أنه أعطى تعليماته بالسماح للمتظاهرين بمواصلة تحركهم «ما دام هذا التحرك سلميًا، وتحت سقف القانون، في أي مكان في لبنان».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.