بدأت التحركات التي يشهدها وسط بيروت قبل أيام برفع مطلب حلّ أزمة النفايات، لتصل إلى طرح شعارات سياسية كبرى تهدد استقرار لبنان السياسي والأمني، فيما يبدو أن هذه القضية هي «القشة التي قصمت ظهر البعير، وهي قصة نفايات سياسية» وفق ما وصفها رئيس الحكومة تمام سلام يوم أمس.
وإذا كانت مشكلة النفايات مسألة محقّة لأن ضررها يصيب كل لبناني، فإن الشعارات التي رفعها المتظاهرون أمس، من مطلب استقالة الحكومة وصولاً إلى إسقاط النظام، تبدو أقرب إلى المستحيل ليس لعدم أحقيتها بل لأنها ستؤدي إلى إخلال بالتوازنات السياسية للمعادلة اللبنانية الدقيقة جدًا.
وبغضّ النظر عن مدى صوابية شعارات المتظاهرين في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، فإن الذهاب بعيدًا في هكذا مطالب يعني ملامسة للخطوط الحمراء التي ينذر تخطيها بانفجار سياسي لن تقتصر شظاياه على استقالة أو تطيير حكومة تمام سلام التي لوّح بها هو شخصيًا، فمخاطر مثل هذا القرار تدفع نحو فراغ سياسي ودستوري شامل، لن يكون بالإمكان بعده إنتاج حكومة أو سلطة سياسية في لبنان إلا بـ«اتفاق دوحة جديد» لا تبدو ظروفه ناضجة في هذه المرحلة، وعندها قد تأخذ الأمور منحى أكثر خطورة، وفق ما تشتهي أطراف لبنانية، ومنها «حزب الله» الذي ما زال يطمح إلى استبدال اتفاق الطائف بمؤتمر تأسيسي ينسف الصيغة اللبنانية ويقود إلى معادلة جديدة ليس الآن مكانها ولا أوانها.
لا يختلف اثنان على أن ما يحصل اليوم في شوارع بيروت هو نتيجة تراكمات سياسية خاطئة، وما عجزت السياسة عن تحقيقه بفعل التوازنات الدقيقة، استطاعت النفايات إيصال لبنان إليه. فالأزمة البيئية التي بدأت قبل أكثر من شهر مع إقفال مطمر الناعمة (جنوب بيروت) أمام شاحنات النفايات، وتكديس أكوامها في شوارع العاصمة بيروت ومدن وقرى جبل لبنان آخذة بالتفاقم، والمؤسف أن الحلول المؤقتة التي لجأت إليها الحكومة ووزارة البيئة وبلدية بيروت، وأفضت إلى تجميع النفايات في عقارين تابعين لبلدية العاصمة في مرفأ بيروت، استنفدت بامتلاء العقارين بجبال النفايات والتلويح بإعادة المشكلة إلى شوارع بيروت وضواحيها. وما زاد الطين بلّة، قرار وزير البيئة محمد المشنوق القاضي بتأجيل فضّ دفاتر المناقصات التي تقدم بها عدد من الشركات من أجل جمع النفايات وتدويرها وتصنيعها، لأسبوع جديد، أي من الثلاثاء الماضي إلى يوم غدٍ الثلاثاء (قبل أن يقدمه وزير البيئة إلى اليوم الاثنين تحت ضغط الشارع)، وهو ما دفع بالتجمع الشبابي الذي يطلق على نفسه اسم «طلعت ريحتكم» إلى التصعيد والنزول إلى الشارع والتظاهر ضدّ الحكومة والطلب باستقالتها وصولاً إلى مطلب إسقاط النظام، الذي لم يتبنَّه منظمو المظاهرة، واتهموا أشخاصًا محازبين باستغلال حركتهم السلمية لطرح هذا الشعار السياسي الخطير.
غير أن أزمة النفايات التي قد تفجّر أزمة حكم عميقة بعد مطالبة رئيس الحكومة تمام سلام بالاستقالة، وتلويح الأخير في مؤتمره الصحافي بورقة الاستقالة وإلقاء كرة النار في أحضان معطلي الحكومة وقراراتها إذا لم تكن جلسة مجلس الوزراء المقررة يوم الخميس المقبل منتجة، وتقرّ ثلاثة بنود أساسية، الأول حسم أزمة النفايات، والثاني تأمين رواتب موظفي المؤسسات العسكرية والأمنية وموظفي الدولة، والثالث إقرار المراسيم المتعلقة بالقروض والهبات الممنوحة للبنان من الصناديق العربية والدولية. جرت مواجهتها بمواقف سياسية لتطويق تداعيات أي تصعيد. وقوبلت صرخة تمام سلام وتلويحه بالاستقالة، بإعلان رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري دعمه لسلام، وردّه على مطلب المتظاهرين بالقول: «إن إسقاط الحكومة يعني إسقاط آخر معقل شرعي ودخول لبنان في المجهول، ونحن لن نسمح بانهيار لبنان ومؤسساته الشرعية». وبإشادة من الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط بـ«جرأة سلام وصبره ودعم بقاء الحكومة وتفعيلها». ومناشدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع سلام أن «لا يستقيل وأن يبقى متمسكًا بالشرعية إلى حين انتخاب رئيس للجمهورية». لكن الردّ التصعيدي لم يتأخر من رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، اللذين حذرا من إدراج أي بند على جدول أعمال مجلس الوزراء، وتلويحهما بالنزول إلى الشارع ردًا على ما سمياه «أزمة الكهرباء والمياه والنفايات واستئثار الأكثرية الحاكمة بالسلطة وضرب الشراكة الوطنية»، علمًا بأن وزير الكهرباء والماء تابع لفريق عون في الحكومة.
أمام هذه المعادلة يبدو أن خيار استقالة الحكومة سيدخل لبنان في فراغ سياسي ودستوري شامل، فبعد 15 شهرًا على الشغور في موقع رئاسة الجمهورية، وأكثر من سنة على شلّ المجلس النيابي وإقفال أبوابه أمام التشريع بفعل الشروط العونية التي تقدم إقرار قانون الانتخابات الجديد وقانون استعادة الجنسية للمغتربين اللبنانيين على أي شيء آخر تصبح البلاد بلا حكومة، وعندها تسقط آخر المؤسسات الدستورية في لبنان.. وإذا ما استقالت الحكومة يعني أن لبنان دخل في المجهول، وشرّع أبوابه على كل المخاطر السياسية والأمنية، ويكون بذلك أمام خطر الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي، خصوصًا عندما يصبح موظفو الدولة أول ضحايا استقالة الحكومة. وأكثر من ذلك، لن يكون بالإمكان تأليف حكومة جديدة، فالدستور يوجب إجراء استشارات نيابية ملزمة يدعو إليها ويجريها رئيس الجمهورية، وهذا متعذّر بغياب رئيس الجمهورية، كما يستحيل إقرار أي قانون، فأي قانون يقرّه البرلمان يحتاج إلى مرسوم تطبيقي تصدره الحكومة ليأخذ طريقه إلى التنفيذ، وبالتالي فإن استقالة الحكومة تدخل لبنان في نفق طويل لا أحد يتكهّن بنهاية له، فالوصول إلى صيغة حلّ جديدة قد يحتاج إلى أشهر طويلة وربما إلى سنوات.
10:43 دقيقه
الاستقالة المرجحة لحكومة سلام تسقط آخر المؤسسات الدستورية
https://aawsat.com/home/article/436611/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AC%D8%AD%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9
الاستقالة المرجحة لحكومة سلام تسقط آخر المؤسسات الدستورية
استحالة قانونية لتأليف بديل عنها وصيغة الحل قد تستغرق سنوات
- بيروت: يوسف دياب
- بيروت: يوسف دياب
الاستقالة المرجحة لحكومة سلام تسقط آخر المؤسسات الدستورية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




