زيباري: الأزمة السورية انتقلت كليا إلى مجلس الأمن وخرجت من سيطرة المنطقة

وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري
وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري
TT

زيباري: الأزمة السورية انتقلت كليا إلى مجلس الأمن وخرجت من سيطرة المنطقة

وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري
وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري

على الرغم من مشكلاته الداخلية، يتمتع العراق وخصوصا وزير خارجيته هوشيار زيباري بعلاقات جيدة مع أطراف «متنازعة» ولكنها متحالفة معه، مثل الولايات المتحدة وإيران، مما يجعله قادرا على مد الجسور بين الطرفين وتوصيل رسائل غير مباشرة بينهما.
وراقب وزير الخارجية العراقي بتمعن التطورات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأسابيع الماضية والتي وصلت ذروتها خلال وجود الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني، مؤكدا أن العراق يمكن أن يلعب دورا لجمع الطرفين. وأوضح زيباري الذي التقته «الشرق الأوسط» في نيويورك حيث يشارك في أعمال الدورة الـ68 للجمعية العامة أن إيران ستلعب دورا في جهود التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، قائلا إن الولايات المتحدة قدمت ضمانات لطهران في ذلك. وفي ما يلي أبرز ما جاء في الحوار:
على الرغم من مشكلاته الداخلية، يتمتع العراق وخصوصا وزير خارجيته هوشيار زيباري بعلاقات جيدة مع أطراف «متنازعة» ولكنها متحالفة معه، مثل الولايات المتحدة وإيران، مما يجعله قادرا على مد الجسور بين الطرفين وتوصيل رسائل غير مباشرة بينهما.
وراقب وزير الخارجية العراقي بتمعن التطورات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأسابيع الماضية والتي وصلت ذروتها خلال وجود الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني، مؤكدا أن العراق يمكن أن يلعب دورا لجمع الطرفين. وأوضح زيباري الذي التقته «الشرق الأوسط» في نيويورك حيث يشارك في أعمال الدورة الـ68 للجمعية العامة أن إيران ستلعب دورا في جهود التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، قائلا إن الولايات المتحدة قدمت ضمانات لطهران في ذلك. وفي ما يلي أبرز ما جاء في الحوار:
* ما أولويات العراق بالنسبة للاجتماعات الجمعية العامة هذا الأسبوع؟
- لأول مرة يحضر العراق الجمعية العامة وهو متحرر من كافة قيود وأحكام الفصل السابع، منذ عام 1991 إلى الآن. نشعر براحة في المشاركة بأعمال هذه الدورة السنوية لأننا تخلصنا من كل العقوبات والأحكام التي كانت تؤزم واقعنا كلية. أولوياتنا هنا حقيقة نفس أولويات كل الدول الأخرى، هناك أزمات المنطقة وهو الموضوع الطاغي على هذه الدورة. وظاهر أيضا في الكلمات التي سمعناها، ومنها الأزمة السورية وإيران والقضية الفلسطينية. والعراق بالتأكيد جزء من هذه المنطقة ويتأثر بها. ونجري النقاشات والحوارات مع الأطراف الدولية، فلدينا لقاء مع نائب الرئيس الأميركي (جو) بايدن ومع الوفد الروسي والتقينا مع الوفد الكويتي والتركي والقطري، ولدينا لقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومع البريطانيين وكثيرين آخرين. وعلى رأس أولوياتنا الأمن والاستقرار لأن وضع العراق أيضا متأثر بما يحصل حوله وخصوصا تداعيات الأزمة السورية والصراع الأميركي - الإيراني. كلها أزمات تؤثر علينا مباشرة، فلذلك نحاول أن يكون لدينا دور في تهدئة هذه القضايا.
* هناك كثير من اللقاءات حول سوريا خلال هذا الأسبوع وخصوصا اللقاءات الثنائية والمشاورات، فما المنتظر من مجلس الأمن؟
- حاليا الأزمة السورية انتقلت كليا إلى مجلس الأمن وخرجت من سيطرة وإرادة دول المنطقة. حتى الدول العربية لم تعد مؤثرة في لعب دور حاسم بسبب الإخفاقات. وبعض الدول العربية هي التي أخفقت في هذا الدور مع بداية الأزمة ولذلك الأمور الآن مطروحة في مجلس الأمن. وبعد استخدام السلاح الكيماوي في 21 أغسطس (آب) الماضي، والتحقيقات التي تلتها وانتظار تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي، صدر قرار من مجلس الأمن يلزم الحكومة السورية بتنفيذ التزاماتها في وضع مخزونها والسيطرة عليها وتدميرها بقرار دولي ملزم تحت الفصل السابع، أو إشارة إلى الفصل السابع، للامتثال بهذا الاتفاق. حاليا هناك محادثات مكثفة في مجلس الأمن للاتفاق على صيغة القرار ولكن حتى اليوم لم يكن هناك أي توافق. الموضوع الآخر هو وجود جهود لعقد مؤتمر «جنيف 2»، ولكن السؤال هل القرار الكيماوي من المفروض أن يصدر أولا ومن ثم يجري الحديث عن «جنيف - 2»، أم أن المسارين متلازمان، يعني لا يتقاطعان. التوجه العام أن القرار الكيماوي يسير ولكن الجهود لعقد مؤتمر جنيف أيضا تسير قدما. واجتماع يوم الجمعة هناك اجتماع مهم بين الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ووزير الخارجية الروسي لافروف ووزير الخارجية الأميركي جون كيري والمبعوث الأممي - العربي الأخضر الإبراهيمي لبحث ترتيبات عقد مؤتمر جنيف في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) أو بداية نوفمبر (تشرين الثاني) في حال حدث اتفاق.
* هل ترون إمكانية نجاح المسار السياسي في سوريا مع كل ما يدور من قتال على واقع الأرض؟
- نحن ندعم الجهود الرامية لعقد «جنيف 2» ونحن كنا من المساهمين والمشاركين في «جنيف 1». وهذه الجهود، على الأقل مع بدء العملية، لن تؤدي إلى نتائج نهائية، ولكن الهدف جمع الطرفين الحكومة السورية والمعارضة. وحتى الآن لا نعلم من هي الأطراف التي ستدعى إلى الاجتماع وسابقا كانت الآلية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ودول جوار سوريا أو رئاسة القمة العربية. لم تحسم المشاركة بعد ولكن على الأكثر ستشمل دول جوار سوريا التي تتأثر مباشرة بهذا الموضوع وهناك طرح لدعوة السعودية وإيران، ولكن الترتيب الجديد غير معروف بعد. المعارضة السورية وافقت على المشاركة والحكومة السورية سابقا أعلنت عن مشاركتها. وسيكون هناك اجتماع أولي بحضور هذه الأطراف ولكن المؤتمر الأساسي هو بين الأمم المتحدة وطرفي النزاع، هم الذين من المفروض أن يتباحثوا لآلية إجراء انتخابات وكتابة الدستور وإطلاق عملية سياسية. ولكن هناك صعوبات جدية، مثلا من يمثل النظام، سؤال حول بقاء الرئيس (السوري بشار الأسد) خلال العملية، من يضمن الالتزام بالاتفاق، هل هناك حاجة لقوات سلام دولية لتأمين عملية وقف إطلاق النار إذا تم الاتفاق عليها، وهل النظام سيكون لديه السيطرة على القوات الأمنية والمسلحة أم لا. هذه أسئلة ناقشناها مع الجانب السوري والأطراف السورية. وخلال هذه الدورة في الجمعية العامة سيتم التوصل إلى بعض التفاهمات، لأن احتمالات الضربة العسكرية تراجعت بعد الاتفاق الروسي - الأميركي وحاليا الأنظار متجهة إلى نزع السلاح الكيماوي من النظام وهذه ستستغرق وقتا حسب تجربتنا في العراق وممارسات النظام مع المفتشين وفرق التفتيش وتوفير المعلومات واحتمال إخفائها.
* حسب تجربة العراق أيضا، يمكن أن يبقى النظام حتى وإن كان ضعيفا بعد نزع السلاح؟
- ممكن ذلك.
* أشرتم إلى مشاركة إيران في «جنيف 2».. هل تتوقعون ذلك؟
- حقيقة هناك نماذج عدة، هل الأمم المتحدة مثلا تتحدث معهم مباشرة ضمن آلية مشتركة، أو يكونون طرفا من هذه المجموعة؟ وقد زار مساعد الأمين العام للأمم المتحدة جيف فيلتمان طهران مؤخرا، وسألتقيه هنا في نيويورك. وباعتبار إيران طرفا مؤثرا في العملية، لا يمكن القفز على دورهم. الأمم المتحدة أعطتهم ضمانة بأن يكون لهم صوت ودور أيضا.
* العراق عرض سابقا وساطة بين الولايات المتحدة وإيران، كيف رأيتم التبادلات بين الطرفين خلال اجتماعات الجمعية العامة وهل يمكن أن تلعبوا دورا في التقريب بينهما؟
- بسبب علاقاتنا الجيدة مع الولايات المتحدة وإيران، العراق له دور بوصفه جسرا للتواصل والتفاهم لأن من مصلحتنا الوطنية أنه يجري تسوية للملف النووي الإيراني. فإذا كانت دولة في العالم يجب أن تكون متحسسة من هذا الموضوع أكثر من أي دولة أخرى فهي دولة العراق، بسبب التاريخ والإرث والجغرافيا والتهديد الوجودي لنا. وكان لنا دور في نقل رسائل بين الطرفين، واستضفنا اجتماعات مهمة جدا على مستوى السفراء والمدراء السياسيين من خلال آلية الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا وإيران لبحث الملف النووي. ولدينا معرفة جيدة بمواقف الطرفين والمقترحات المطلوبة. والرسائل التي سمعناها خلال الفترة الماضية منذ انتخاب الرئيس روحاني وتغيير الوفد التفاوضي الإيراني، لقد اتخذوا سلسلة من الإجراءات (في طهران) كلها كانت رسائل مطمئنة بأن القيادة الإيرانية الجديدة جادة في مسألة التفاوض حول هذا الموضوع، من الشفافية والتخصيب والسماح لفرق التفتيش والالتزام بمعاهدة عدم الانتشار، كلها قضايا فنية وتفصيلية وقد جرت مفاوضات أولية. والتقينا بكاثرين أشتون (ممثلة الاتحاد الأوروبي للقضايا الخارجية) والتي التقت بوزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، وسألنا الطرفين اللذين قالا إن اللقاء كان إيجابيا ووديا ولكن في تقديري من المبكر جدا توقع اختراق في هذا الموضوع. مسألة الثقة مهمة، كما أن الفريق التفاوضي الإيراني فريق جديد ولا نتوقع أن يتخذوا خطوات كبيرة جدا. وكي ألخص القضية، السؤال هو من سيتحرك أولا، أو من سيتخذ الخطوة الأولى. والمباحثات بين هذه المجموعة وإيران وصلت إلى مرحلة شبه نهائية ولكن يحتاجون من يتحرك أولا. الإيرانيون يقولون لن نصنع السلاح النووي ولدينا فتوى من المرشد يحرم ذلك وسنستخدم الطاقة النووية فقط لأغراض سلمية وهذا حق لا يمكن التصرف به.. ويريدون رفع العقوبات من أجل التقدم، الجانب الآخر يرى أنه من الضروري إثبات ذلك وأن تكون هناك عمليات تفتيش وغيرها من ضمانات. هناك طرح لإعطاء بعض المساعدات مثل إعطاء قطع غيار للطائرات المدنية وتخفيف بعض العقوبات المعينة ولكن هذه القرارات في مجلس الأمن مما يعني أن هناك حاجة موافقة من مجلس الأمن. والأمر ليس سهلا ولن يحسم من خلال التصريحات الإيجابية وسيحتاج إلى الوقت.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.