في يوم واحد.. سلطات الاحتلال تهدم 39 مبنى للفلسطينيين

مصادر إسرائيلية اعتبرته تطهيرًا عرقيًا وتمهيدًا لضم 60 % من أراضي الضفة الغربية

في يوم واحد.. سلطات الاحتلال تهدم 39 مبنى للفلسطينيين
TT

في يوم واحد.. سلطات الاحتلال تهدم 39 مبنى للفلسطينيين

في يوم واحد.. سلطات الاحتلال تهدم 39 مبنى للفلسطينيين

في يوم واحد، هدمت قوات الجيش الإسرائيلي 39 مبنى للفلسطينيين في منطقتين تقعان في ضواحي القدس الجنوبية وفي غور الأردن، اللتين تسعى لتطهيرهما من الفلسطينيين وإحلال المستوطنات اليهودية.
وقد بدأت هذه العملية أمس في ساعات الظهر الحارقة، إذ هدمت 22 مبنى، بينها أكواخ للسكنى وحظائر في أربعة مجمعات بدوية بالقرب من مستعمرة معاليه أدوميم، شرق القدس المحتلة. ومن جراء ذلك فقد 79 شخصا، بينهم 49 ولدا، المأوى لهم ولمواشيهم. وحسب معطيات الأمم المتحدة فإن ذلك يعتبر أكبر عدد من الفلسطينيين الذين يفقدون في يوم واحد بيوتهم في الضفة الغربية منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2012. وتم تنفيذ عمليات الهدم في مجمعات السعيدي، بالقرب من بلدة الزعيم، وبئر المسكوب، ووادي سنيسل، وأبو فلاح في منطقة الخان الأحمر. ويسكن في هذه المجمعات نحو 400 شخص.
وقال المحامي شلومو ليكر، الذي يمثل عائلات من بير المسكوب، إنه تم هدم المباني خلافا للمتعارف عليه، لأن الإدارة المدنية لم ترد بعد على الاعتراضات التي قدمها على أوامر الهدم. وكتب ليكر في الاعتراضات أنه تم إصدار أوامر الهدم قبل سبع سنوات.
ويقدر بأنه لم يتم تنفيذها حتى اليوم لأن الإدارة المدنية فهمت بأنه لا يمكن هدم المباني ما دام لم يتم طرح اقتراح بديل وملائم للسكان. وحسب المحامي فإنه لا يذكر حالة سابقة قامت خلالها السلطات بهدم المباني قبل الرد على الاعتراضات بشأنها، والسماح لأصحابها باتخاذ الإجراءات القانونية.
يشار إلى أن إسرائيل لا تشمل المجمعات البدوية القائمة في المنطقة «ج» في الضفة، في خرائطها الهيكلية، وتتعامل معها كمشروع للتطهير العرقي وتخطط للمنطقة كما لو أنها لليهود فقط. وترفض كل الطلبات التي يتقدمون بها لاستصدار تراخيص بناء حسب القانون الاحتلالي الذي تفرضه إسرائيل، ولذلك يضطر السكان الفلسطينيون إلى بناء الخيام والأكواخ دون تراخيص. وقامت إسرائيل في السنوات الأخيرة بتسريع هدم المباني وتعمل على تجميع البدو في بلدات ثابتة، بعيدة عن موطنهم الحالي وليس جغرافيا فحسب، بل أيضًا من حيث العادات وتقاليد المعيشة.
وبالإضافة إلى عمليات الهدم في منطقة القدس، هدمت الإدارة المدنية، في اليوم نفسه، أمس، 17 مبنى في قرية فصايل في غور الأردن، التي يعيش فيها 1700 شخص. ويقوم جزء من هذه القرية في المنطقة «ب» والقسم الآخر في المنطقة «ج». وكانت البيوت التي تم هدمها تؤوي 48 نسمة، بينهم 31 قاصرا. وجاء في بيان صدر أمس للمنظمة «بتسيلم» حول عملية الهدم أنه منذ الخامس من شهر فبراير (شباط) هدمت الإدارة المدنية 31 منزلا و26 بناية أخرى في المجمعات الفلسطينية في غور الأردن، خصوصا في منطقتَي معاليه أدوميم وجنوب جبل الخليل. ويستدل من معطيات دائرة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، «أوتشا» و«بتسيلم» أنه بين الأول من يناير (كانون الثاني) هذه السنة، وحتى الثامن عشر من أغسطس (آب) الحالي، هدمت إسرائيل 331 بناية للفلسطينيين في المناطق «C» - لا يشمل القدس الشرقية – وفقد 457 شخصا بيوتهم، بينهم 263 طفلا 167 نسمة، بينهم 101 قاصر، المأوى جراء عمليات الهدم هذه.
وفي إطار العداء للجمعيات الإسرائيلية التي تتضامن مع الفلسطينيين وتعتبر الهدم جرائم تسيء لسمعة إسرائيل وتعمق العداء العربي لها، كشف النقاب عن عمليات مطاردة لها من السلطات، فقد تبين أن هناك طاقما خاصا في شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي يسمى طاقم «نزع الشرعية»، يتولى هذه الأيام تعقب عشرات تنظيمات اليسار الأجنبية التي تعمل من أجل نزع شرعية إسرائيل، لكن هذا الطاقم لا يشمل في المعلومات التي يجمعها نشاطات تنظيمات المقاطعة التي تجري داخل إسرائيل. ويتم التصديق على كل عملية تعقب لهذه التنظيمات من قبل ضابط رفيع. ويدعي الجيش أنه لا يقوم بجمع معلومات عن النشطاء الإسرائيليين الذين تربطهم علاقة بنشاطات المقاطعة داخل إسرائيل، وإنما يتعقب التنظيمات الأجنبية. ولكن الجمعيات الإسرائيلية ونشطاءها يؤكدون أنهم يتعرضون للملاحقة. وقالوا إن جهاز الشاباك يجمع معلومات حول الإسرائيليين الناشطين في هذه الحركات. وأبلغوا عن قيام امرأة من الشاباك تطلق على نفسها اسم «رونا»، بمحاولة إجراء اتصالات معهم. وقالت المستشارة الإعلامية للقائمة المشتركة رعوت مور في الماضي إنه تم التحقيق معها من قبل رونا حول أسطول الحرية إلى غزة، ومواقفها من حركات المقاطعة والجيش والصهيونية.
وفي ذات السياق حذرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أمس في افتتاحيتها من مغبة هذه الممارسات، خصوصا عمليات الهدم. وقالت إن الجيش لم يرتدع عن تشريد 74 شخصا، بينهم 48 طفلا، مع مواشيهم، في ظل الحر القاسي في منطقة القدس ومثلهم في غور الأردن. وأضافت: «هذه المجتمعات بعيدة جغرافيا، وبشكل خاص بعيدة عن اهتمام وأنظار غالبية الجمهور الإسرائيلي، الذي يبدو أنه يصدق الحجة بأن هذه المباني بنيت دون ترخيص وأن كل ما يجري هنا هو تنفيذ للقانون. ولكن هذا ليس تنفيذا القانون، بل على العكس. هذا انتهاك صارخ لمبادئ العدل والقانون الدولي، التي تلزم القوة العسكرية المحتلة على احترام حقوق السكن والمعيشة للسكان الأصليين في الأراضي المحتلة، وتمنعها من نقلهم من أماكن إقامتهم بالقوة. لقد تم تشييد هذه المباني دون تراخيص، لأن إسرائيل رفضت وترفض إعداد خرائط هيكلية للمجتمعات الفلسطينية التي تعيش اليوم في ما يسمى المنطقة (C). الغرض من عمليات الهدم المتواصلة واضح: الضغط على البلدات البدوية للموافقة على خطط تركيزهم بشكل منتظم، ودفعهم مع بقية الفلسطينيين من المنطقة C إلى مناطق A وB، الخاضعة للسلطة الفلسطينية. وبالتالي تحرير مساحة أكبر لبناء وتوسيع المستوطنات، وهكذا يمكن لإسرائيل الادعاء في النهاية بأنه ما دام عدد قليل جدا من الفلسطينيين يعيشون في نحو 60 في المائة من مساحة الضفة الغربية مقابل عدد كبير من الإسرائيليين، فإنه يحق لها ضم هذه المنطقة».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.