في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إصابته بالسرطان.. عمر كارتر تسعون سنة. وتولّى الرئاسة لفترة واحدة من أربع سنوات (1977 - 1981)، بعد الرئيس جيرالد فورد، وقبل الرئيس رونالد ريغان. وكان كارتر قد نشر أخيرا كتابه رقم 31 بعنوان «حياة كاملة: تأملات في التسعين»، وما يستحق الذكر أن شقيقه بيلي وشقيقتيه توفوا بسرطان البنكرياس، وكذلك والده، بينما توفيت والدته بسرطان الثدي
عام 2007، خلال مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، تحدث كارتر عن إصابات عدد من أفراد عائلته بالسرطان. وفي إجابة عن سؤال من الصحيفة عن توقعه إصابته هو بالسرطان، قال: «أنا متدين جدا، أنا أؤمن بالقضاء والقدر، وصار عمري 82 سنة».
وفي بداية هذا العام، خلال مقابلة مع تلفزيون «بي بي إس»، قال كارتر إن كل أفراد عائلته كانوا يدخنون السجائر، لكنه لم يفعل ذلك أبدا، ولهذا استبعد أن يصاب بالسرطان مثلهم. ثم قال إنه يذهب إلى الطبيب من وقت لآخر لإجراء فحوص. وأضاف: «يجري لي فحص دم كامل، وكشف طبي شامل». إلا أنه عندما ذهب الشهر الماضي إلى الطبيب لإجراء عملية في الكبد، قال له الأطباء إنه مصاب بالداء.
في نفس يوم إعلان كارتر، دعا الرئيس باراك أوباما لشفائه. وقال أوباما إنه اتصل به مساء ذلك اليوم، واطمأن على صحته. وأضاف البيان الذي أصدره البيت الأبيض باسم أوباما: «ميشيل وأنا نتمنى الشفاء العاجل والكامل للرئيس كارتر. أفكارنا وصلواتنا مع روزالين كارتر (زوجة الرئيس الأسبق) والأسرة بأكملها، وهم يواجهون هذا التحدي بنفس النعمة والتصميم الذين أظهروه مرات عديدة في الماضي». ثم خاطب أوباما كارتر قائلا: «جيمي، كنت دائما قوي التصميم والعزيمة. ونحن، وبقية أميركا، معك». وحسب بيان كارتر، سيكشف هو، في هذا الأسبوع، تفاصيل مرضه.
* مزارع الفول السوداني
ولد جيمس إيرل «جيمي» كارتر، الرئيس الـ39 للولايات المتحدة، في أول أكتوبر (تشرين الأول) 1924 في بلدة بلينز، بولاية جورجيا في ما يسمى «الجنوب الأميركي العميق»، لعائلة ظلت تعيش وتزرع القطن جيلا بعد جيل في الولاية. ولم تبدأ العائلة زراعة الفول السوداني، الذي اشتهر به كارتر، إلا لاحقا. ولقد استخدم جدود كارتر العمال الزراعيين الزنوج في مزارع القطن، ودافعوا عن ذلك، وعارضوا الحكومة الفيدرالية عندما منعت تجارة الرقيق، وشارك أحد جدوده، واسمه ووكر كارتر، سنة 1860 في الحرب الأهلية مع قوات الجنوب ضد الحكومة الفيدرالية.
إلا أن عائلة غوردي، التي انحدرت منها ليليان كارتر، والدة جيمي، كانت أكثر ليبرالية من عائلة كارتر. وكان على رأس هذه العائلة جيمس غوردي، والد ليليان، ربما لأنه تخرج في مدرسة ثانوية، وعمل موظفا في مكتب بريد بولاية جورجيا، واعتاد على الاختلاط بالزنوج كزبائن، وليس كعبيد أو مزارعين مثلما تعودت عائلة كارتر. وبالفعل، ورثت ليليان هذه الميول الليبرالية، وظهر ذلك عليها منذ صغرها، وترسخت فيها هذه النزعة في ما بعد. فأولا، عندما كان عمرها عشرين سنة تطوعت للعمل ممرضة مع القوات الأميركية خلال الحرب العالمية الأولى. وثانيا، اختلطت، بحكم وظيفتها كممرضة، مع مرضى من السود. وثالثا، تفوقت على والدها، وألغت التفرقة العنصرية داخل المنزل، وسمحت للخدم والخادمات السود بأن يدخلوا المنزل من الباب الأمامي، لا من الباب الخلفي. وشجعتهم ليتحدثوا مع أفراد العائلة (حول فنجان قهوة مثلا).
فعلت ليليان كل هذا حتى قبل أن يتزوجها إيرل كارتر، والد جيمي. وواصلت هذه السيرة الليبرالية عندما انتقلت إلى بيت زوجها، على الرغم من أن زوجها لم يتحمس لها في البداية. وكتبت ليليان في كتاب مذكراتها «خطابات إلى عائلتي»: «لم يتعود إيرل (زوجها) على أن يأتي إلى المنزل من العمل، ويرى زنوجا يجلسون ويشربون قهوة مع أي امرأة بيضاء، ناهيك عن أن تكون زوجته». وأضافت: «أعتقد أن إيرل كان أول رجل أبيض يقبل ذلك في كل ولايات الجنوب. كانت ولايات الجنوب مختلفة في تلك الأيام».
* جيمي كارتر.. المتديّن
تلقى كارتر علومه الجامعية في الأكاديمية البحرية الأميركية في آنا بوليس، أحد أعظم المعاهد العسكرية والجامعية في العالم، وتخرج فيها عام 1946 والتحق بسلاح البحرية، ولاحقا درس الفيزياء النووية بكلية يونيون، وهي من الجامعات الخاصة الراقية بولاية نيويورك.
في كتاب كارتر «أم غير عادية» (صدر عام 2008)، قال الرئيس الأسبق إن أمه علمته «حب الناس رغم اختلاف ألوانهم، وحب الله (حسب تعاليم الكنيسة المعمدانية المحافظة، كنيسة العائلة منذ أجيال وأجيال)». وتابع أنها كانت تدرّس الأطفال (ومعهم هو) الكتاب المقدس في كنيسة بلدته بلينز كل يوم أحد. ثم تدرّسه هو مرة أخرى، في البيت. وكبر كارتر، وصار هو نفسه مدرّسا في الكنيسة نفسها، حاملا الكتاب نفسه الذي استعملته والدته. ثم، بعد أن ترك البيت الأبيض، وعاد إلى بلينز، ظل يفعل نفس الشيء بنفس الكتاب.
أيضا كتب كارتر في كتاب «مصدر قوة: قراءة الكتاب المقدس لتقوية الإيمان» عبارات: «غرست والدتي، ربما أكثر من أي شخص آخر، في حب الله، والإخلاص في ذلك. وأثّرت، بذلك، على كل حياتي. لم أترك الصلاة، سرا أو جهرا. ولم أصلّ فقط خلال الأزمات، بل عندما كنت في البيت الأبيض كنت أصلي مرات كثيرة أثناء اليوم».
* سنوات البيت الأبيض
وعام 2002، في مقابلة مع مجلة «تايم»، قال كارتر إن قوة إيمانه هي أساس اهتمامه بحقوق الإنسان، ورفع الظلم، والانتخابات النزيهة في دول العالم الثالث. كذلك قالت «تايم»، في عام 2002، عندما نال كارتر جائزة نوبل للسلام: «غير كارتر، لم يصلح رئيس أميركي بعد البيت الأبيض مثلما أصلح وهو في البيت الأبيض». بل صار كارتر أول رئيس أميركي يفوز بهذه الجائزة بعد مغادرته البيت الأبيض (فاز بها ثيودور روزفلت وباراك أوباما، ولكن أثناء وجودهما). وعموما، كانت من أبرز معالم رئاسة كارتر:
أولا: ساعد على إطلاق سراح الرهائن الأميركيين في السفارة الأميركية في طهران (اعتقلهم شباب الحرس الثوري بعد الثورة التي قادها آية الله الخميني عام 1979). لكن لسوء حظه تأخر إطلاق سراحهم حتى تولّى ريغان الرئاسة رسميا يوم 20-1-1981.
ثانيا: كان أول رئيس أميركي يهتم بنظافة البيئة اهتماما واضحا. بعد كارثة قناة لاف (ولاية نيويورك) عندما ملأت فضلات كيماوية القناة، أسس كارتر «سوبر فند» (صندوق التمويل العملاق) للصرف على نظافة البيئة. وعندما رفعت منظمة «أوبك» سعر النفط، وضع كارتر أول خطة أميركية للاقتصاد في صرف البترول والطاقة.
ثالثا: قاد المفاوضات التي أدت إلى اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل. والتي لا تزال سارية المفعول، وهي خصصت لمصر ولإسرائيل ما بين مليارين وثلاثة مليارات دولار كل سنة.
رابعا: في عام 1980 أمر المنتخب الأولمبي الأميركي بمقاطعة أولمبياد موسكو احتجاجا على غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان.
* فلسطين
اتهم نقاد كثيرون كارتر والرئيس المصري أنور السادات، بحجة تقديمهما تنازلات كبيرة لرئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن، في كامب ديفيد، على حساب حل القضية الفلسطينية. وربما لهذا السبب، بعد مغادرة البيت الأبيض، اهتم كارتر كثيرا بأمر فلسطين. ولقد تأكد هذا مرات كثيرة، منها في 2006 عندما أصدر كتاب: «فلسطين: سلام لا تفرقة عنصرية»، وأثار الكتاب ضجة كبيرة في الولايات المتحدة، وانتقدته منظمات يهودية كثيرة. ووصفته صحيفة «واشنطن بوست» بأنه «شاكوش في شكل كتاب» (ضربا لإسرائيل)، ووصفته صحيفة «لوس أنجليس تايمز» بأنه «هجوم مباشر على إسرائيل، وستكون له نتائج كبيرة».
وفي شجاعة لم يسبق أن أبداها رئيس أميركي قبله في هذا المجال، قال كارتر في كتابه، أولا: «ليست المستعمرات الإسرائيلية في الضفة وغزة إلا نظام تفرقة عنصرية. يحتل شعبان نفس الأرض، لكنهما مفصولان فصلا كاملا. الشعب الأقوى يحتل أرض الشعب الأضعف، ويحرمه من حقوقه الإنسانية، لكن الشعب المحتل يقاوم».
ثانيا: «صار استعمار إسرائيل المتواصل لأرض الفلسطينيين عقبة رئيسية نحو سلام كامل في الأرض المقدسة». ثالثا: «لا ينتقد أحد سياسة إسرائيل أو يدينها، إلا نادرا، وذلك بسبب قوة جماعات سياسية واقتصادية ودينية أميركية».
وصار واضحا أن كتاب كارتر لم يفعل سوى أن كشف جرحا قديما بين المسيحيين واليهود في أميركا - وهو جرح تاريخي وديني وثقه العهد القديم والعهد الجديد. إذ تعرّض كارتر ليس فقط لانتقادات وهجمات من اليهود الأميركيين الجمهوريين أو المحايدين من يهود أميركا، بل هاجمه أيضا يهود من حزبه، الحزب الديمقراطي. ومن ذلك قول ستيفن إسرائيل، عضو الكونغرس (من ولاية نيويورك): «لا يمثل هذا الكتاب الحزب الديمقراطي. إنه يمثل رأي كاتبه». كما قال آرون ميلر، المستشار اليهودي الأسبق في وزارة الخارجية: «أشك في أن كتاب كارتر سيغيّر السياسة الأميركية نحو إسرائيل. لكن، لا أشك في أن كثيرا من الناس سيقرأونه». وقال ديفيد هاريس، مدير تنفيذي اللجنة الأميركية اليهودية: «نعم لجهود كارتر لتحقيق السلام عندما كان رئيسا (اتفاقية كامب ديفيد) لكن، من الآن فصاعدا، لن يقدر كارتر على أن يكون وسيطا نزيها».
* حقوق الإنسان
في عام 1980، استغل رونالد ريغان، المرشح الرئاسي الجمهوري اليميني المحافظ، يومذاك ما اعتبره «تساهل» كارتر مع المعسكر الشيوعي وهزم كارتر في الانتخابات الرئاسية بفارق كبير. إلا أن كارتر كان أول رئيس يعلن أن الحرب الباردة والمواجهة مع الشيوعية ونشر الديمقراطية قضايا أخلاقية أكثر منها قضايا موازين قوى وتحالفات.
لقد كان الرؤساء الأميركيون قبله يركزون على «احتواء» الدول الشيوعية، ويبررون «التحالف مع الشيطان» لإلحاق الهزيمة بالشيوعية. غير أن كارتر قال إنه لا يستطيع من أجل التغلب على الشيوعية أن يتحالف مع حكام ديكتاتوريين ربما لا يقلون ظلما لشعوبهم عن الحكام الشيوعيين. ولهذا السبب انتقد بقوة رؤساء ديكتاتورات مثل الجنرال أوغوستو بينوشيت رئيس تشيلي، والجنرال ألفريدو ستروسنر رئيس باراغواي، وانتقد آناستازيو سوموزا رئيس نيكاراغوا، وانتقد حكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا.
حتى فساد السياسيين باسم الدين انتقده كارتر، كما فعل بعد انتخابات زيمبابوي سنة 1979 التي فاز فيها الأسقف آبيل موزوريوا، المتساهل مع بقايا المستعمرين البيض اليمينيين، على المرشح اليساري روبرت موغابي، ويومذاك لم تكن الانتخابات نزيهة. كذلك ضغطت الولايات المتحدة، ومعها بريطانيا، من أجل إجراء انتخابات أخرى شفافة ونزيهة، وفعلا أجريت الانتخابات وفاز بها موغابي، قبل أن يتنكر الأخير للديمقراطية التي مهدت له طريق الحكم ويتحوّل إلى حاكم متسلط.
حتى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، نظر إليها كارتر نظرة أخلاقية أكثر منها استراتيجية. وقبل أن يلقي خطابه، يوم التوقيع على الاتفاقية، أمسك بيدي الرئيس المصري السادات ورئيس وزراء إسرائيل بيغن، ودعاهما للصلاة معه. ثم بدأ خطابه بآية من الإنجيل (العهد الجديد) تقول: «الرحمة للذين يحققون السلام. سيكون هؤلاء أبناء الله (أكثر قربا إلى الله)».
ولم يقلل كارتر اهتمامه بحقوق الإنسان بعد خروجه من البيت الأبيض، بل على العكس أصبح «مركز كارتر» الذي أسس في جامعة إيموري العريقة والثرية في ولاية جورجيا معقلا مرموقا لحملات عالمية لمراقبة الانتخابات، وتبني المفاوضات، وعقد الندوات، وتوقيع الاتفاقيات. وفي شجاعة تفوق شجاعة أي من سابقيه، قابل الرئيس الكوري الشمالي كيم ايل سونغ، والرئيس الكوبي فيديل كاسترو، وقادة النضال من أجل الحقوق المدنية وضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عندما كان نيلسون مانديلا لا يزال سجينا.
كذلك أشرف كارتر عبر مركزه على انتخابات في هايتي والضفة الغربية وقطاع غزة والسلفادور وموزمبيق، كما توسط لوقف الحروب الأهلية في إثيوبيا وإريتريا والسودان.
وبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، وبداية حروب جورج بوش الابن ضد الإرهاب، عارض كارتر غزو العراق، وكتب بعد الغزو بشهور قليلة: «ستمضي سنوات كثيرة قبل أن يعود الاستقرار إلى المنطقة».

