مؤتمر إسلامي بالقاهرة يحذر من «فتاوى العنف» ويبحث مواجهة الفكر المتطرف

أكثر من 50 عالمًا يطالبون بتشريع يقصر الإفتاء على المختصين وإنشاء مركز عالمي لتفنيد الفكر التكفيري

مفتي مصر شوقي ابراهيم عبد الكريم يلقي كلمته في المؤتمر الاسلامي بالقاهرة أمس (أ ف ب)
مفتي مصر شوقي ابراهيم عبد الكريم يلقي كلمته في المؤتمر الاسلامي بالقاهرة أمس (أ ف ب)
TT

مؤتمر إسلامي بالقاهرة يحذر من «فتاوى العنف» ويبحث مواجهة الفكر المتطرف

مفتي مصر شوقي ابراهيم عبد الكريم يلقي كلمته في المؤتمر الاسلامي بالقاهرة أمس (أ ف ب)
مفتي مصر شوقي ابراهيم عبد الكريم يلقي كلمته في المؤتمر الاسلامي بالقاهرة أمس (أ ف ب)

حذر مؤتمر إسلامي عالمي عقد بالقاهرة أمس، من خطورة الفتوى من دون علم.. ومن فتاوى العنف التي تدعو إلى تأجيج نيران الفتن بين أبناء الوطن الواحد. وأوصى المؤتمر بإقرار تشريع قانوني مصري يقصر الفتوى على علماء دار الإفتاء والأزهر من المتخصصين، وإنشاء مركز دولي لتحليل وتفكيك وتفنيد الفتاوى التكفيرية والشاذة خاصة في مجال العنف.
وشارك في المؤتمر 50 عالما ومفتيا من 30 دولة. وقال رئيس الحكومة المصرية، إبراهيم محلب في الكلمة التي ألقاها نيابة عنه محافظ القاهرة جلال السعيد، إن «مصر تخوض حربا ضارية ضد فتاوى العنف وضد أشباه العلماء الذين يتجرأون على الفتوى بغير علم»، بينما شدد شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، على أن «الفتوى السليمة ترغب الناس في الالتزام بالشرع وصحيح الدين»، مشددا على أن التساهل في فتاوى التكفير يحلل الدماء المعصومة.
ويرى مراقبون أن «مؤتمر القاهرة محاولة من الدولة المصرية للرد على إرهاب جماعة الإخوان المسلمين وفتاوى التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتهم (داعش)»، بعد أن أصبحت الفتوى سلاحا مشرعا في تبرير العنف وإراقة دماء الأبرياء. وبدأت بأحد فنادق القاهرة أمس، فعاليات المؤتمر الدولي للإفتاء تحت عنوان «الفتوى إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل» الذي تعقده دار الإفتاء المصرية، ويدور حول خطورة «الفتوى من دون علم» على الدول والعلاقات بينها. وأقيم المؤتمر تحت رعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ويحضر فعالياته التي تستمر على مدار يومين، شيخ الأزهر، وعلماء من العالم العربي والإسلامي. ويبحث المؤتمر في مدونة لمواجهة الفكر المتطرف.
وقال السعيد، خلال مشاركته في المؤتمر، إن «البعض يتخذ الدين وسيلة لتحقيق مصالح سياسية.. ومصر تستمد قوتها من قوة المؤسسات الدينية بها، وإن دار الإفتاء استطاعت في توصيل الوجه السمح للإسلام في كل المحافل الدولية من خلال علاقتها بالدول الأخرى»، مضيفا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفتوى دون علم تؤدي إلى الفساد في الأرض». وتشهد مصر، منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان التي أعلنتها السلطات «تنظيما إرهابيا»، فتاوى من أعضاء التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة تبيح التفجير والقتل وأعمال العنف والترويع المسلح.
وقالت مصادر في دار الإفتاء، إن «مفتي مصر الدكتور شوقي علام، سوف يطلق في نهاية أعمال المؤتمر مبادرة لإنشاء مركز عالمي لفتاوى الجاليات الإسلامية، وسوف يتم تدشينه بمشاركة مختلف دول العالم وبتأييد مطلق من مختلف المفتين من الدول الإسلامية، فضلا عن المطالبة بإقرار تشريع قانوني يقصر الفتوى على المتخصصين». وأكد شيخ الأزهر أن «عنوان مؤتمر الفتوى بالغ الدلالة على المشكلات التي تعاني منها الفتوى حاليا في العالم العربي»، مشيرا إلى أن بعض الذين يتجرءون على الفتوى الآن لا يكلفون أنفسهم في البحث عن أصل المعلومة التي يقدمونها.
وأضاف الطيب أن «التساهل في فتوى التكفير أدى إلى انتشار الإرهاب وحالات القتل واستباحة الدماء، وأن هناك بعض القضايا التي تشغل الناس على الرغم من أحكام الإسلام فيها واضح ولا يحتاج إلى نقاش على غرار تولي المرأة منصب القضاء وغيرها من المناصب».
وانتقد الطيب فتاوى تحريم التحف والتماثيل والتكسب من التصوير وتدمير آثار ذات قيمة فنية باسم الإسلام، قائلا: «بعض المعنيين بالإفتاء يصادرون بالتحريم المطلق، على الرغم من أن المحل محل بحث»، مضيفا أن تحريم صناعة التماثيل في صدر الإسلام معلل بما استقر عليه من أنها كانت تعبد من دون الله، وكان من المحتم تحريمها من باب سد الذرائع، لكن ما هي علة التحريم الآن بعد أن استقر الإسلام وتلاشت عبادة التماثيل مع التوحيد؟ إذ لم نسمع أن مسلما عكف على عبادة تمثال.
وكان تنظيم داعش قد أفتى مطلع مايو (أيار) الماضي، بهدم الآثار ومنع دراسة علومها باعتبارها تخالف القرآن الكريم، وسبق هذه الفتوى هدم التنظيم للآثار التاريخية في سوريا والعراق، وكان أشهرها هدم مدينة نمرود الآشورية. وتصف القاهرة فتوى «داعش» وأفعاله ضد التراث بـ«المنحرفة والشاذة». وأوضح الطيب أن الفتاوى المتشددة شغلت المسلمين عن أخذ مكانتهم بين الأمم، لافتا أنه لا تزال هناك فتاوى بنيت على أعراف انتهت، وأن الفترة القادمة لا بد أن ترتب فيه الأولويات لمجابهة الواقع وتحدياته حتى تؤسس لواقع صالح لكل مكان وزمان.
من جانبه، قال مفتي مصر: شوقي ابراهيم عبد الكريم «نأمل في أن يكون المؤتمر بداية موفقة في إعادة المرجعية الوسطية للفتوى، وتحقيق التعاون مع الجهات والهيئات والمؤسسات العلمية الدولية، التي تعمل في مجال الإفتاء لتوحيد الرؤى والجهود في هذا المجال، بهدف الاجتماع على كلمة سواء في أمر الفتوى»، موضحا أن ««هناك تحديات كبيرة يعيشها المسلمون في مختلف بلدان العالم، في ظل انتشار موجات التطرف والإرهاب التي تشوه ديننا الحنيف، وفي ظل ظهور أناس موتورين ينتزعون الكلام النبوي من سياقه، ويحملونه على المعاني والمحامل التي لا يحتملها اللفظ النبوي وفق قواعد الاستنباط الصحيحة، ويخلعون عليه ما وقر في نفوسهم من غلظة وعنف وشراسة وانفعال، مع جهل كبير بأدوات الفهم، وآداب الاستنباط، ومقاصد الشرع الشريف وقواعده».
في غضون ذلك، من المقرر أن يوصي المؤتمر بإنشاء مركز عالمي لفتاوى الأقليات، بإنشاء مركز عالمي لفتاوى الجاليات المسلمة، وهو مركز بحثي يهتم بدراسات متخصصة في المسائل المستحدثة متعددة الأبعاد التي يحتاج الإفتاء فيها إلى معارف ومعلومات من مجالات علمية وبحثية متعددة. وأكد إبراهيم نجم، مستشار مفتي مصر، أن دار الإفتاء تسعى لإنشاء هذا المركز العالمي ليكون همزة وصل بين المجتمعات الإسلامية والأقليات والجاليات المختلفة بدول العالم، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن «الفكرة تلقى قبولا واسعا من حضور المؤتمر وسوف تشارك بعض دول العالم في إنشاء المركز لخدمة الجاليات والأقليات الإسلامية»، موضحا أن الأقليات الإسلامية في حاجة ماسة للمبادرات التي تقدم تنويرا وفكرا إسلاميا يخدمهم ويعطي الرؤية الشرعية الصحيحة للفتاوى والآراء المبنية على دليل شرعي لها لتنمية واقع الأقليات المسلمة بشكل شامل، وتطوير بنيتها المؤسسية وخصوصيتها دون انعزال، بالإضافة إلى حماية أبنائها من الوقوع في براثن التنظيمات الإرهابية.
في ذات السياق، قالت المصادر في دار الإفتاء إن «المؤتمر سوف يختم أعماله اليوم (الثلاثاء) وسوف يوصي بإنشاء الأمانة العامة لدور الإفتاء في العالم بهدف رفع كفاءة الأداء الإفتائي، فضلا عن إنشاء دستور (ميثاق شرف) للإفتاء وهو عبارة عن وثيقة أخلاقية تضم المعاني الإنسانية الراقية الحاكمة لعمل المفتي». مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «التوصيات سوف تتضمن أيضا إنشاء وحدات تأهيلية للإفتاء بالمؤسسات البحثية».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.