بريطانيا: المحافظون يستعدون لمواجهة «خسائر» كبرى في الانتخابات المحلية

جانب من الاستعدادات الأمنية لتتويج الملك تشارلز (رويترز)
جانب من الاستعدادات الأمنية لتتويج الملك تشارلز (رويترز)
TT

بريطانيا: المحافظون يستعدون لمواجهة «خسائر» كبرى في الانتخابات المحلية

جانب من الاستعدادات الأمنية لتتويج الملك تشارلز (رويترز)
جانب من الاستعدادات الأمنية لتتويج الملك تشارلز (رويترز)

استعد المحافظون في غالبية رئيس الوزراء، ريشي سوناك، لمواجهة خسائر في الانتخابات المحلية التي جرت في إنجلترا، أمس، وشكلت أحدث اختبار لحزبهم، قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة السنة المقبلة. ووسط أسوأ أزمة غلاء معيشة تشهدها البلاد منذ عقود، يجري التنافس على أكثر من 8 آلاف مقعد في 230 دائرة محلية في مختلف أنحاء إنجلترا.
وأقر سوناك بأن حزب المحافظين يواجه انتخابات «صعبة»، بعد سلسلة من الفضائح في عهد بوريس جونسون، والفترة الفوضوية التي قضتها ليز تراس في «داونينغ ستريت»، التي لم تستمر سوى 49 يوماً. وقال في وقت متأخر، أول من أمس (الأربعاء)، إن «أعضاء مجالس صالحين سيخسرون مقاعدهم بسبب كل ما حصل في السنة الماضية»، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأضاف: «أنا أتولى رئاسة الوزراء منذ 6 أشهر فقط، لكنني أعتقد أننا نحرز تقدماً جيداً».
واستحدث هذا الاقتراع شرطاً غير مسبوق، وهو إبراز بطاقة هوية للتمكن من التصويت. وأثار هذا التغيير ضجة، وندد به معارضوه باعتباره يشكل تهديداً للديمقراطية، بسبب عدد الناخبين الذين قد يستبعدهم. وفي صفوف «حزب العمال»، استنكر بعض النواب القرار الذي اعتبروا أن هدفه مواجهة تقدمهم في استطلاعات الرأي. وهذه الانتخابات التي تكون فيها تقليدياً نسبة المشاركة متدنية، هي الأولى لسوناك الذي تولى السلطة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول).
من جهته، أشار زعيم «حزب العمال»، كير ستارمر، في مقال كتبه في صحيفة «ديلي ميرور» إلى تداعي الخدمات العامة، وارتفاع معدل الجريمة ولوائح الانتظار الطويلة جداً في المستشفيات. وقال إن «تصويتكم مهم»، مضيفاً: «إذا كنتم تعتقدون أنه آن الأوان لبناء بريطانيا أفضل، فاحملوا بطاقات هوياتكم، وتوجهوا إلى مكتب الاقتراع، وصوتوا لـ(حزب العمال) اليوم». ويحقق «حزب العمال» تقدماً نحو استعادة معاقله السابقة في شمال إنجلترا التي تحولت إلى صفوف بوريس جونسون في الانتخابات العامة في 2019، بناء على وعد «إنجاز (بريكست)».
من جهتها، قالت نائبة زعيم الليبراليين الديمقراطيين، ديزي كوبر، إن «نواباً محافظين بارزين يستعدون لصدمة كبرى»، مضيفة أن «الليبراليين الديمقراطيين على وشك إحداث تغيير سياسي كبير».
وفي آخر جلسة مساءلة في البرلمان أول من أمس (الأربعاء)، هاجم زعيم المعارضة كير ستارمر المحافظين الذين يتولون السلطة منذ 13 عاماً. وتحدث عن نحو مليوني بريطاني سيكون عليهم دفع مبالغ أعلى لقاء قروضهم، لأن حزب سوناك أساء استخدام أموالهم، في إشارة إلى عواقب قرارات تراس المالية التي أدت إلى ارتفاع نسب الفوائد. ورداً على ذلك، فرض سوناك «الضرائب المحلية الأعلى». وتُظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين قلقون بشكل أساسي من التضخم الذي تجاوزت نسبته 10 في المائة منذ أشهر، وأزمة نظام الصحة العام الذي يشهد إضرابات متكررة، خصوصاً تحرّك الممرضين غير المسبوق.
ونُظمت الانتخابات المحلية في إنجلترا قبل يومين من تتويج الملك تشارلز الثالث، وسط إجراءات أمنية مشددة بلندن. وأثار قانون أُقِر في هذا الإطار، أول من أمس (الأربعاء)، جدلاً واسعاً لفرضه قيوداً اعتبرتها منظمات حقوقية «مشددة» على التظاهر. وقالت وزارة الداخلية إن قانون النظام العام «سيمنح الشرطة الصلاحيات لمنع الاضطرابات في الأحداث الرياضية والثقافية الكبرى التي تقام هذا الصيف في إنجلترا وويلز». وتابعت الوزارة أنه اعتباراً من 3 مايو (أيار)، يمكن أن تؤدي «أساليب الاحتجاج التي تشمل التصاق المتظاهرين جسدياً بالمباني إلى عقوبة بالسجن لمدة 6 أشهر أو غرامة مالية غير محدودة». وأضافت أن القانون يتيح للشرطة صلاحية إيقاف وتفتيش المتظاهرين «بحثاً عن أشياء مثل الأقفال، والصمغ فائق الالتصاق، وأدوات الحفر، إذا اشتبهوا في أنها تنطلق لإحداث فوضى». وأضافت أن الأفراد الذين يتم العثور عليهم ومعهم مثل هذه الأشياء، والذين ينوون استخدامها، سيواجهون أيضاً تهماً جنائية.
واتهم نشطاء حقوق الإنسان حكومة سوناك بمحاولة قمع حرية التعبير، فيما اعتبرت المعارضة العمالية القانون الجديد محاولة لتشتيت الانتباه عن أزمة غلاء المعيشة في المملكة المتحدة.
وفي ردها على الانتقادات الحقوقية للقانون، قالت وزيرة الداخلية، سويلا برافرمان، الثلاثاء، إنه «ينبغي ألا نسمح لـ(المحاربين البيئيين) بعرقلة حياة الناس اليومية، والتسبب في اضطرابات وإهدار ملايين الجنيهات من أموال دافعي الضرائب».


مقالات ذات صلة

بعد إثارتها الجدل... ليز تراس تعزز موقعها في السباق على رئاسة الحكومة البريطانية

العالم ليز تراس وزيرة الخارجية البريطانية (رويترز)

بعد إثارتها الجدل... ليز تراس تعزز موقعها في السباق على رئاسة الحكومة البريطانية

عزّزت ليز تراس موقعها في السباق على رئاسة الحكومة البريطانية خلفاً لبوريس جونسون، على الرغم من الاستياء الذي أثارته منذ إطلاقها وعداً تخلت عنه في وقت لاحق، بخفض كبير في أجور موظفي القطاع العام، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. فقد كشف استطلاع للرأي لصحيفة «ذي تايمز» نشره أمس (الثلاثاء) معهد «يوغوف»، أن وزيرة الخارجية البالغة من العمر 47 عاماً وسّعت الفارق بينها وبين منافسها ريشي سوناك. وأكد ستون في المائة من الناخبين المحافظين الذين استُطلعت آراؤهم خلال الأيام الخمسة الماضية أنهم سيصوّتون لها، مقابل 26 في المائة فقط لوزير المال السابق. وتتناقض هذه الأرقام الأخيرة مع استطلاع خاص سابق أجرته الصحيف

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم ريشي سوناك وليز تراس قبل بدء المناظرة (رويترز)

بريطانيا: سجال حول الضرائب والصين في أول مناظرة بين سوناك وتراس

شهدت المناظرة التلفزيونية، مساء الاثنين، بين المتنافسين لتولي رئاسة الحكومة البريطانية وزير المالية السابق ريشي سوناك ووزيرة الخارجية ليز تراس مواجهة حادة بينهما شملت الضرائب والصين وصولاً إلى شخصيتهما، في محاولة من ريشي لإزاحة تراس عن مركز الصدارة في الاستطلاعات. وشكّلت المناظرة إشارة انطلاق فترة حاسمة تمتد لاثني عشر يوماً وتتخللها ثلاث مناظرات بين المتنافسين وأربعة لقاءات مع أعضاء الحزب المحافظ الذين سيحسمون السباق اعتباراً من الأسبوع المقبل مع تلقيهم بطاقات الاقتراع البريدي. والتنافس قائم منذ أسابيع على زعامة حزب المحافظين لخلافة رئيس الوزراء بوريس جونسون، وقد ازداد حدة مع تكتل المعسكرين ضد

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم وزيرة الخارجيّة البريطانيّة ليز تراس (أ.ف.ب)

ليز تراس تنضم إلى السباق لخلافة بوريس جونسون

أعلنت وزيرة الخارجيّة البريطانيّة ليز تراس، مساء الأحد، ترشّحها لخلافة رئيس الوزراء بوريس جونسون الذي استقال هذا الأسبوع إثر سلسلة فضائح. وهذه المنافسة على رئاسة حزب المحافظين وبالتالي رئاسة الحكومة المقبلة، تُنذر بصيف حارّ سيحمل كثيراً من الجدل والتجاذبات. وكتبت تراس (46 عاماً) في صحيفة «ديلي تلغراف»: «سأتنافس في هذه الانتخابات بصفتي مُحافِظة وسأحكُم بصفتي مُحافِظة». وبذلك، تنضمّ تراس إلى عشرة مرشّحين آخرين في السباق على زعامة حزب المحافظين، وبالتالي على منصب رئاسة الوزراء، نظراً إلى أنّ المحافظين يتمتّعون بالغالبيّة في مجلس العموم. وأضافت تراس في مقالها «أضع نفسي في المقدّمة لأنّني أستطيع أن

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم أغلفة الصحف يتصدرها خبر استقالة بوريس جونسون أمام مقر الحكومة البريطانية في 10 داونينغ ستريت (رويترز)

بريطانيا: 8 محافظين يدخلون سباق الترشح لخلافة جونسون

أعلن ثلاثة من كبار المشرّعين في حزب المحافظين، يوم السبت، أنّهم سيترشّحون لخلافة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ليصل بذلك إلى ثمانية عدد المتنافسين المعلنين في السّباق حتّى الآن. وهؤلاء الثلاثة هم وزير الصحّة والمال السابق ساجد جاويد ووزير المال الحاليّ ناظم الزهاوي ووزير الصحّة السابق جيريمي هانت الذي تنافس مع جونسون عام 2019 على رئاسة حزب المحافظين، وفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية. وفي وقت سابق (السبت) أيضاً، أعلن وزير النقل البريطاني غرانت شابس ترشّحه لخلافة جونسون، ليصبح خامس نائب محافظ يدخل السباق الذي يُتوَقّع، رغم صعوبته، أن يجتذب مزيداً من المحافظين الطامحين. وتعهّد شابس، وهو

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العماليون يحتفظون بأحد معاقلهم في شمال إنجلترا بفارق طفيف عن المحافظين

العماليون يحتفظون بأحد معاقلهم في شمال إنجلترا بفارق طفيف عن المحافظين

تمكن حزب العمال البريطاني من الاحتفاظ بأحد معاقله في شمال إنجلترا بفارق طفيف في مواجهة المحافظين في انتخابات فرعية شكلت اختبارا لزعيم حزب المعارضة الرئيسي كير ستارمر. وفازت كيم ليدبيتر بـ35,27 في المائة من الأصوات على المحافظ راين ستيفنسون (34,42 في المائة) - بفارق 323 صوتا فقط - بمقعد باتلي وسبين في مقاطعة يوركشير، الذي كانت تشغله شقيقتها جو كوكس النائبة العمالية المؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي والتي اغتيلت في 2016. وقالت السيدة الأربعينية لشبكة «بي بي سي» إنها «سعيدة جدا لأن الناس في باتلي وسبين قد رفضوا الانقسام واختاروا التصويت للأمل». أما الرئيسة المشاركة لحزب المحافظين أماندا ميلينغ ف

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...