كليتشدار أوغلو واثق من الفوز والحزب الحاكم لا يرى «جواً انتخابياً» في الميدان

قبل أسبوع واحد من انتخابات تركيا الحاسمة

ملص انتخابي لمرشح المعارضة للرئاسة التركية كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (أ.ب)
ملص انتخابي لمرشح المعارضة للرئاسة التركية كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (أ.ب)
TT

كليتشدار أوغلو واثق من الفوز والحزب الحاكم لا يرى «جواً انتخابياً» في الميدان

ملص انتخابي لمرشح المعارضة للرئاسة التركية كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (أ.ب)
ملص انتخابي لمرشح المعارضة للرئاسة التركية كمال كليتشدار أوغلو في أنقرة (أ.ب)

تبرز التباينات بين الحكومة والمعارضة في تركيا قبل أسبوع من الانتخابات البرلمانية والرئاسية الحاسمة التي تشكل تحديا للرئيس رجب طيب إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم. وتبدو المعارضة واثقة من الفوز فيما بدأ الحزب الحاكم يتحدث عن عدم الشعور بـ«الجو الانتخابي» في الميدان.
مرشح المعارضة للرئاسة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو يواصل جولاته مع قادة تحالف «الأمة» في مختلف أنحاء تركيا بحماسة كبيرة، وبترحاب وحشود مما جعله مقتنعاً بأن انتخابات الرئاسة ستحسم لمصلحته من الجولة الأولى بنسبة 60 في المائة، دون انتظار لجولة إعادة.
يكرر كليتشدار أوغلو، بحسم، في جولاته الانتخابية أنه لن يكون هناك جولة ثانية من الانتخابات وأن الرئيس رجب طيب إردوغان سوف «يتقاعد اعتبارا من 15 مايو (أيار) وسيرحل في صمت… وأنه لا ينبغي أن يشك أحد في ذلك».
في المقابل، يبدو أن إردوغان يعول على أصوات المحافظين، بعد أن كسب رضاهم من خلال زيادة الرواتب والمعاشات التقاعدية، فضلا عن ذلك فإنه يجيد التحدث بلغتهم، لكن يبدو أن أصوات الشباب والأكراد لا تزال تشكل هاجسا كبيرا.
ومع ما تردد عن إرساله مبعوثا من جانبه للقاء زعيم حزب العمال الكردستاني السجين مدى الحياة، عبد الله أوجلان، في سجنه في إيمرالي، غرب البلاد، ومواصلته الهجوم على خصمه (كليتشدار أوغلو) بدعوى السير مع الإرهابيين، والجلوس إلى طاولة واحدة مع الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني، في إشارة إلى حزب الشعوب الديمقراطية، ثالث أكبر أحزاب البرلمان، أقدم إردوغان على خطوة جديدة أثارت جدلا واسعا.
فقد أصدر ، ليل الأربعاء - الخميس، مرسوما رئاسيا بالعفو عن 4 سجناء خطرين مدانين بجرائم الإرهاب ومحاولة الانقلاب والاتجار بالمخدرات والقتل، من بينهم المحكوم بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة في قضية حزب الله التركي، وهي قضية إرهاب، محمد أمين ألب صوي، وشتين شنر، المحكوم بالسجن المؤبد في قضية انقلاب 28 فبراير (شباط) 1997 لكبر سنه.
وجاء قرار العفو عن ألب صوي بعد انضمام حزب «هدى بار»، الذي يعد الذراع السياسية لحزب الله التركي، إلى تحالف «الشعب» وخوض الانتخابات البرلمانية على قائمة حزب العدالة والتنمية ودعم إردوغان في انتخابات الرئاسة.
وأشار أحدث استطلاعين للرأي أجرتهما شركتا «جيزيجي» و«يوناليم» إلى تقدم كليتشدار أوغلو، وأن الانتخابات الرئاسية لن تحسم في الجولة الأولى، مع قدرة كليتشدار أوغلو على حسمها في الجولة الثانية.
وقال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية لشؤون الانتخابات، علي إحسان ياووز، في تصريح الخميس، إنه لا مشاكل في ما يتعلق بالعملية الانتخابية في الولايات الـ 11، التي ضربها زلزالا 6 فبراير المدمران، وإن حالة الطوارئ، التي فرضت لـ 3 أشهر، ستنتهي في 9 مايو، ولن يتم تمديدها، كما تم اتخاذ إجراءات حتى لا تظهر أي معوقات ولن تكون هناك مشكلة، مشيرا إلى أنه تم تغيير عناوين 325 ألفا من المتضررين من الزلزال، ويقترب عدد من يقيمون حاليا في مناطق الزلزال من مليون شخص، 650 ألفا منهم يحق لهم التصويت، ويمكن لنحو 500 ألف من هؤلاء التصويت في الأماكن التي صوتوا فيها بالانتخابات المحلية في 2019.
وبينما تنشغل الساحات والميادين بزحام الحملات الانتخابية واللقاءات الجماهيرية يشعر مسؤولون بالحزب الحاكم، بأن المواطنين «غير مبالين» بالانتخابات، وأنه ليس هناك «جو انتخابي» في الميدان. وقال أحد مسؤولي الحزب: «إنهم (الناخبون) لا يبتعدون عنا، لكنهم غير مبالين بالسياسة».
وتشير الاستطلاعات إلى تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية إلى مستوى يتراوح بين 32 و35 في المائة، مقابل 48 في المائة في انتخابات 2018.


مقالات ذات صلة

تركيا: توقعات بتعديلات قانونية لعرقلة تحالفات المعارضة في الانتخابات

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحليفه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي متفقان على تعزيز النظام الرئاسي (الرئاسة التركية)

تركيا: توقعات بتعديلات قانونية لعرقلة تحالفات المعارضة في الانتخابات

تشهد أروقة السياسة في تركيا حديثاً متصاعداً عن احتمال إجراء تعديلات على قانوني الانتخابات والأحزاب السياسية في ظل قلق من الحزب الحاكم بشأن التحالفات القومية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس «الحزب الجديد» متحدثاً خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب الثلاثاء (حساب الحزب في إكس)

برلمان تركيا يشهد أوضح صور انقسام المعارضة

شهد البرلمان التركي أبرز صور انقسام المعارضة خلال انعقاد مجموعة «الحزب الجديد» البرلمانية بقيادة أوزغور أوزيل ومجموعة «الشعب الجمهوري» برئاسة كمال كليتشدارأوغلو

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو أعلن حل حزب «المستقبل» الذي أسسه عام 2019 بعد انشقاقه عن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم (من حسابه في «إكس»)

تركيا: داود أوغلو يحل حزب «المستقبل» لـ«اعتبارات أخلاقية»

أعلن رئيس حزب «المستقبل» المعارض رئيس الوزراء التركي الأسبق، أحمد داود أوغلو، حل الحزب، مرجعاً الأمر إلى فساد المناخ السياسي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مظاهرة لأنصار حزب «الشعب الجمهوري» احتجاجاً على قرار قضائي صدر في 21 مايو الماضي بالعزل المؤقت لرئيسه المنتخب أوزغور أوزيل (أ.ف.ب)

تركيا: «تسونامي الاستقالات» يضرب حزب «الشعب الجمهوري»

تضرب عاصفة استقالات حزب «الشعب الجمهوري» التركي المعارض بعد انفصال رئيسه المنتخب أوزغور أوزيل عنه، كما ظهرت جبهة معارضة داخلية لرئيسه المؤقت كمال كليتشدار أوغلو

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعين مؤقتا بقرار قضائي كمال كليتشدارأوغلو (حساب الحزب في إكس)

ضجَّة في تركيا بعد استعانة «الشعب الجمهوري» بكومبارس لدعم كليتشدار أوغلو

أحدث الكشف عن استعانة حزب «الشعب الجمهوري» المعارض بممثلين كومبارس بالأجر، خلال حفل حضره رئيسه المعيَّن مؤقتاً، كمال كليتشدار أوغلو، ضجَّة في تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.