«الشرق الأوسط» تتجول في محطة «أككويو»... أولى خطوات تركيا لدخول النادي النووي

تتألف من 4 مفاعلات بطاقة 4800 ميغاواط... وستوفر 10 % من احتياجات البلاد للكهرباء

موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)
موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تتجول في محطة «أككويو»... أولى خطوات تركيا لدخول النادي النووي

موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)
موقع بناء محطة «أككويو» ويظهر المفاعل الأول الذي جرى تسليم الوقود النووي الخاص به (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر المتوسط وفي حضن الجبال تقع محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء، التي تقوم بإنشائها شركة «روساتوم» الحكومية الروسية للطاقة النووية في ولاية مرسين جنوب تركيا، والتي تعد أولى خطوات تركيا إلى عضوية نادي الدول التي تستخدم الطاقة النووية للأغراض السلمية.
تعد المحطة، التي وقع عقد إنشائها بين حكومتي تركيا وروسيا بمبلغ 20 مليار دولار، في 12 مايو (أيار) 2010، والتي تقع على مساحة 10 كيلومترات مربعة، المشروع الأكبر في التعاون التركي - الروسي الذي تعزز بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
وشهدت المحطة يوم الخميس الماضي الموافق 27 أبريل (نيسان) المنصرم، حدثاً مهماً أكسبها صفة «المنشأة النووية»، وهو تسليم الوقود النووي لأول مفاعل تم الانتهاء من بنائه وتجهيزه من بين 4 مفاعلات تتألف منها المحطة. وهي الخطوة التي وصفها الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي شارك مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في تدشينها عبر «الفيديو كونفرس»، بالتاريخية، حيث أُعلن بمقتضاها رسمياً دخول تركيا إلى عضوية النادي النووي في العالم.
«الشرق الأوسط» كانت هناك... تابعت الحدث وتجولت داخل المحطة.
في الطريق إلى «أككويو» حيث ترافق زائريها الذين يمرون بمرحلة طويلة من الإجراءات الأمنية حتى لحظة الوصول إليها، لوحة طبيعية تعانق فيها الجبال بصخورها التي يغلب على ألوانها الأحمر والترابي، وكذلك الصخور السوداء التي تظهر في مناطق قليلة، مياه البحر المتوسط بصفائها وزرقتها، وتغطي الأشجار هذه الجبال على الرغم من قسوة صخورها.
تظهر أبراج محطة «أككويو» تدريجياً على مرتفعات تصعد إليها طرق تنبئ إلى مجهود كبير بذلك في اقتلاع الأشجار ونقلها إلى أماكن أخرى، وتعبيد الطرق، وتأمين جوانبها بالصخور التي يجري صفها بأوناش لا تتوقف عن العمل.
أول خطوة لن تكون التوجه إلى منطقة البناء والمفاعلات مباشرة، وإنما إلى المبنى الإداري للمحطة، حيث يتسلم الزائر سترة مميزة وخوذة للرأس، ويوقّع على بعض التعليمات المتعلقة بالسلامة أثناء التجول بالمحطة، ويحمل معه نسخة من التعليمات التي وقّع عليها، متضمنة أرقام هواتف للطوارئ والإسعاف.
هنا تبدأ الرحلة... أمام المبنى الإداري كان في الانتظار المهندس دينيس سيومين مدير إدارة البناء والإنتاج في شركة «أككويو» للطاقة النووية، التي تأسست لتكون مسؤولة عن المحطة. بعد تعارف وترحيب سريعين، بدأت الجولة في حافلة رفقة المهندس سيومين، الذي بدأ العمل بالمحطة في 2017 وأمضى 6 سنوات يتابع كل صغيرة وكبيرة عن أعمال الإنشاءات التي تشارك فيها 100 شركة تركية، مع حجم عمالة يصل إلى 25 ألف عامل، 80 في المائة منهم تقريباً من الأتراك. أول المواقع التي أخذنا إليها المهندس سيومين، كانت موقع إنشاء مضخات مياه البحر إلى دورة التبريد بالمفاعلات الأربعة. بدا على المهندس الفخر وهو يتحدث عن حجم ودقة العمل المنجز في هذا الموقع، ومدى المتانة ومقاومة البناء لأي عوامل أو حتى كوارث طبيعية محتملة، لا سيما أنه تم ردم مساحة داخل البحر حتى يتم إنشاء هذه المضخات.
وعن التكنولوجيا المستخدمة في التبريد، قال المهندس الروسي إنها تعتمد على سحب مياه البحر وتحليتها ثم ضخها في أنابيب التبريد، ومن ثم تتم إعادتها إلى البحر مرة أخرى، مع مراعاة أن تكون بدرجة حرارة مياه البحر حتى لا تؤذي الأسماك والأحياء المائية.
وأشار سيومين إلى أنه في بداية المشروع، كان يتم نقل المعدات ومواد البناء وجميع الاحتياجات الخاصة بالعمل من روسيا، لكن الآن أصبحت جميع هذه الاحتياجات تُلبى من داخل تركيا.
كان علينا أن نأخذ طريقاً صاعدة لنصل إلى منصة تم إعدادها على ارتفاع كبير تتيح إطلالة على المشروع بالكامل، حيث يمكن للزائر أن يشاهد المفاعلات الأربعة، والمباني الإدارية ومواقع العمل المختلفة.
ولفت سيومين إلى أن عملية البناء في محطة «أككويو»، التي تقع في قرية «غولنار»، مرت ولا تزال، بكثير من المراحل. فقد تم البدء في المفاعل الأول في 2018 بعد صدور الترخيص بالبناء، وتم البدء في إنشاء المفاعل الثاني في 8 أبريل 2020، والمفاعل الثالث في 10 مارس (آذار) 2021، وفي 21 يوليو (تموز) 2022، أقيم حفل رسمي بمناسبة بدء بناء المفاعل الرابع، وبالتالي دخل مشروع محطة «أككويو» النووية مرحلة الذروة من أعمال البناء. وفي 27 ديسمبر (كانون الأول) 2022، بدأ تدفق أنظمة المعالجة التكنولوجية إلى المفاعل الأول. وفي يناير (كانون الثاني) 2023 تم الانتهاء من تركيب غلافه الداخلي، ويتم تنفيذ أعمال البناء بوتيرة مكثفة في مواقع التشييد لجميع المفاعلات الأربعة.
وذكر سيومين أن أعمال البناء في كل مفاعل تستغرق سنة، وأنه من المقرر أن يبدأ المفاعل الأول في إنتاج الكهرباء عام 2024.
تتكون محطة «أككويو» من 4 مفاعلات من الجيل «الثالث» طاقة كل واحد منها 1200 ميغاواط، أي أنها تنتج بالكامل 4800 ميغاواط. ويبلغ عمر الخدمة التقديري للمحطة 60 عاماً مع إمكانية التمديد لمدة 20 عاماً أخرى؛ وفق سيومين، الذي أضاف أنه بعد بدء عملية التشغيل سوف تقوم المحطة بتوليد نحو 35 مليار كيلوواط في الساعة سنوياً، وستغطي ما نسبته 10 في المائة من احتياجات تركيا من الكهرباء، عند تشغيلها بكامل طاقتها.
وعن التوطين بالمشروع، أشار إلى تشكيل مجموعة عمل موسعة خاصة بالتوطين في يناير 2020، تضم ممثلين عن الأطراف المشاركة في المشروع، وهي شركة «أككويو» ووزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية وشركة «إيتشتاش» للإنشاءات ومعهد المعايير التركية. وتقدر ميزانية التوطين بالمشروع بنحو 6.5 مليار دولار، أو ما نسبته 40 في المائة من إجمالي أعمال المشروع، تم حتى الآن إنفاق ما يقدر بـ3 مليارات دولار قيمة عقود موقعة مع شركات تركية للعمل بالمحطة.
وكشف سيومين أن العمل استمر خلال فترة جائحة «كورونا» من دون توقف بعكس ما حدث في مشروعات أخرى.
وأشار إلى أن المحطة بدأت تلعب دوراً كبيراً أيضاً في إحياء المنطقة المحيطة بها. فقد تحولت قرية بيوكيتشلي، وهي أقرب قرية من المحطة، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 900 نسمة، يعملون في الزراعة وتربية الحيوانات وصيد الأسماك، إلى ما يشبه المدينة الصغيرة بعد البدء في المحطة، وأنشئت فيها المقاهي والمحال التجارية والمطاعم، ودب فيها النشاط بشكل كبير. كما توجد مزرعة ملحقة بالمحطة تنتج الفواكه؛ مثل الفراولة والموز والمحاصيل المناسبة للطقس في مرسين، ويعمل بها المئات من سكان المناطق المجاورة.
قبل نهاية الجولة في مواقع البناء، التقت «الشرق الأوسط» النائب الأول للمدير العام لشركة «روساتوم»، مدير مشروع محطة «أككويو» المسؤول عن إدارة العمليات الرئيسية والتشغيل اللاحق للمحطة سيرغي بوتسكيخ... والكثير من الأسئلة كان علينا أن نوجهها إليه، أهمها كان عن طبيعة البناء وما إذا تمت مراعاة احتمالات تعرض المحطة للكوارث الطبيعية على غرار كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) التي وقعت في 11 ولاية تركية، منها ولايات مجاورة مباشرة لمرسين مثل أضنة، وبقية ولايات جنوب تركيا، فأشار إلى أن مباني المحطة مصممة على مقاومة الزلازل بقوة 9 درجات على مقياس ريختر، وكذلك مواجهة موجات تسونامي، موضحاً أن هزة أرضية ضربت موقع المحطة عقب زلزالي 6 فبراير، بلغت شدتها 2.2 درجة، لم يكن لها أي تأثير يذكر.
وعن المخاوف بشأن «تشرنوبل» جديدة قد تتكرر في «أككويو»، أكد بوتسكيخ أن المفاعلات المستخدمة في «أككويو»، هي الأحدث وتختلف تماماً عن تلك التي استخدمت في «تشرنوبل».
وعما إذا كانت العقوبات على روسيا بسبب التدخل العسكري في أوكرانيا أثرت سلباً على مشروع المحطة، قال بوتسكيخ: «لم نتأثر إطلاقا، ولدينا مشروعات أخرى في بلغاريا وبنغلاديش يجري العمل فيها أيضا دون أن تتأثر، فقط ربما تغيرت طريقة شحن المعدات من البحر إلى الجو، لكن لم نتلق أي إخطارات من الشركات العاملة معنا في تلك المشروعات بطلبات وقف العمل أو الانسحاب. كانت هناك فقط بعض الصعوبات اللوجيستية في طرق النقل لم تؤثر كثيراً على مشروعات (روساتوم)».


مقالات ذات صلة

تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل

أوروبا A U.S. experimental nuclear detonation in the Nevada desert (A.P.)

تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل

تسلط «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» الضوء على مؤسسات مالية تعمل على تحديث ترسانات الدول التسع النووية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا شاشة بمحطة قطارات في سيول تعرض نشرةً إخباريةً تتضمَّن لقطات أرشيفية لتجربة صاروخية كورية شمالية (أ.ف.ب) p-circle

كوريا الشمالية تطلق صواريخ باليستية عدة باتجاه بحر اليابان

أعلن الجيش الكوري الجنوبي، فجر اليوم (الأحد)، أنَّ كوريا الشمالية اختبرت إطلاق صواريخ باليستية عدة، في أحدث عمليات الإطلاق التي تجريها الدولة النووية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
آسيا صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات في مارس 2022  (أ.ب)

غروسي: كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة» في قدرتها على صنع أسلحة نووية

حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، في سيول، الأربعاء، من أن كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة جداً» في قدرتها على صنع أسلحة نووية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري خلال لقاء وفد «الدوما» الروسي الجمعة (وزارة الكهرباء المصرية)

مصر وروسيا لتسريع العمل في «الضبعة النووية»

أكد وزير الكهرباء المصري، محمود عصمت، على «التعاون والتكامل بين مختلف المؤسسات والجهات في بلاده وروسيا؛ لإنجاز مشروع محطة الضبعة النووية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز) p-circle

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية هي المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، وشيَّدتها روسيا ودُشّنت رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013، بعد عقود من التأخير.

«الشرق الأوسط» (لندن)

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
TT

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)

أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التزام بلاده بأداء دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وذلك خلال اتصال، السبت، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء زيارة كانت مرتقبة لمبعوثَيه إلى إسلام آباد.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

وكتب شريف، في منشور على منصة «إكس»: «أجريت اتصالاً هاتفياً ودياً وبنّاء هذا المساء بأخي الرئيس مسعود بزشكيان بشأن تطورات الوضع الإقليمي. أعربت عن تقديري لانخراط إيران المتواصل، بما في ذلك عبر الوفد رفيع المستوى» الذي زار إسلام آباد برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي.

وتابع: «جددت التأكيد أنه بدعم من الأصدقاء والشركاء، تبقى باكستان ملتزمة بأن تكون وسيطاً نزيهاً وصادقاً، وتعمل بلا كلل للدفع قدماً بسلام مستدام واستقرار دائم في المنطقة».


بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي» رغم عدم وجود شحّ في إمدادات الطاقة.

وقال بزشكيان في خطاب متلفز: «نطلب من شعبنا العزيز الجاهز والحاضر في الميدان، طلباً بسيطاً وهو تقليص استهلاكه للكهرباء والطاقة»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتابع: «لا نطلب من الشعب تقديم التضحيات في الوقت الراهن، لكننا نحتاج إلى ضبط الاستهلاك؛ فبدلاً من تشغيل 10 أضواء، يتعين تشغيل ضوءين في المنزل، ما المشكلة في ذلك؟».

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

وبقيت منشآت توليد الطاقة في إيران في منأى إلى حد كبير عن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي. وقبل سريان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان)، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران.

ولم تُسجّل في الأيام الأخيرة أي انقطاعات للتيار الكهربائي في طهران.

واتّهم بزشكيان أعداء إيران باستهداف البنية التحتية، وفرض حصار «بهدف تحويل حال الرضا الحالية إلى سخط».

وغالباً ما تشهد إيران انقطاعات متكرّرة للطاقة في ذروة الطلب خلال فصلي الشتاء والصيف.

تنتج إيران، وفق وكالة الطاقة الدولية، نحو 80 في المائة من كهربائها من الغاز الطبيعي، وهي مكتفية ذاتياً من هذا المورد بفضل وفرة حقوله.

كما تستخدم مادة المازوت لتشغيل محطات الكهرباء القديمة، إضافة إلى محطات كهرومائية ومحطة نووية واحدة.

بسبب تقادم البنى التحتية وقلة الاستثمارات وتأثير العقوبات الدولية المشددة التي حرمت البلاد من الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات، تعجز شبكة الكهرباء عن تلبية الطلب في فترات الذروة.

وسبق أن أطلق بزشكيان حملات توعية لتقليص استهلاك الطاقة.


11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

مع سعيه إلى إبرام اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس دونالد ترمب الإرث المُعقَّد لقراره الذي اتخذه قبل 8 سنوات، حين ألغى ما وصفه بأنه «اتفاق مروّع وأحادي الجانب».

كان الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما يعاني من عيوب وثغرات. وكان سينتهي بعد 15 عاماً، تاركاً إيران حرة بعد عام 2030 في إنتاج ما تشاء من الوقود النووي. لكن ما إن انسحب ترمب من الاتفاق عام 2018، حتى انطلق الإيرانيون في موجة تخصيب في وقت أبكر بكثير، مما جعلهم أقرب إلى القنبلة من أي وقت مضى.

والآن، يتعامل مفاوضو ترمب مع تبعات ذلك القرار، الذي اتخذه رغم اعتراض كثير من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.

وتَركَّز قدر كبير من الاهتمام أخيراً على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى مستوى أدنى بقليل مما يُستخدَم عادة في القنابل الذرية. ويُعتقد أن معظم هذه الكمية مدفون في مجمع أنفاق قصفه ترمب في يونيو (حزيران) الماضي. لكن تلك الكمية، البالغة 440 كيلوغراماً من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.

واليوم، يقول المفتشون الدوليون إنَّ لدى إيران ما مجموعه 11 طناً من اليورانيوم، عند مستويات تخصيب مختلفة. ومع مزيد من التنقية، يكفي ذلك لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.

وتراكم ذلك المخزون كله تقريباً في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق عهد أوباما. ويعود ذلك إلى أنَّ طهران التزمت بتعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي، أي نحو 97 في المائة، إلى روسيا. وبذلك تُرك مصممو الأسلحة الإيرانيون بكمية من الوقود النووي أقل من أن تكفي لبناء قنبلة واحدة.

والآن، يُشكِّل بلوغ ذلك الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه ترمب ومفاوضَيه الرئيسيَّين: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويدرك ترمب تماماً أنَّ أي شيء يستطيع التفاوض عليه مع الإيرانيين سيُقارَن بما حققه أوباما قبل أكثر من عقد. وبينما لا يزال البلدان يتبادلان المقترحات، وقد يخرجان خاليي الوفاض، فإنَّ ترمب بدأ بالفعل يحكم على اتفاقه، الذي لم يُتفاوض عليه بعد، بأنَّه «أفضل».

وكتب ترمب على موقعه للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «الاتفاق الذي نبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير». وأضاف أن اتفاق عهد أوباما «كان طريقاً مضموناً إلى سلاح نووي، وهو ما لن يحدث، ولا يمكن أن يحدث، في الاتفاق الذي نعمل عليه».

واستناداً إلى أهداف ترمب المتغيرة غالباً في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمةً شاقةً من موضوعات التفاوض، كثير منها فشل فريق أوباما في معالجته. فعليهما إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ. ولم يتناول اتفاق 2015 قدرة إيران الصاروخية قط، وتجاهلت طهران قراراً للأمم المتحدة فرض قيوداً.

وعليهما إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، الذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نزلوا إلى الشوارع. وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين مُحفِّزات الحشد العسكري الأميركي الذي أدى في نهاية المطاف إلى هجوم 28 فبراير (شباط).

وعليهما التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الأميركية - الإسرائيلية، وهي خطوة كان ترمب بوضوح غير مستعدٍّ لها. والآن اكتشفت إيران أنَّ بضعة ألغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط تستطيع رفعه أو خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.

لكن مصير البرنامج الذري هو ما يقع في قلب المفاوضات. وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون أنَّ لديهم «حقاً» في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه. لكن ذلك لا يزال يترك مجالاً لـ«تعليق» كل الجهود النووية لعدد من السنوات. وكان نائب الرئيس، جي دي فانس، قد طالب بـ20 عاماً عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل أسبوعين، ليعلن ترمب بعد أيام أنَّ الفترة الصحيحة هي «غير محدودة».

وقال وليام بيرنز، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الذي أدى دوراً رئيسياً في مفاوضات عهد أوباما، لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة، إنَّ الاتفاق الجيد يتطلب «عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقاً ممتداً لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات».

كما دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح. وقال: «ما لم تُرسَم الخطوط بوضوح وتُراقَب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها».

شاحنة محملة بحاويات اليورانيوم تدخل نفقاً في أصفهان يونيو الماضي (أ.ب)

وهذا بالضبط ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق أوباما عام 2018، ولم يضع شيئاً مكانه. في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة. ثم بدأت التخصيب بشراسة.

وفي الحرب الحالية، تحدَّث ترمب علناً عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، التي يمكن أن تصنع نحو 10 أسلحة. لكنه لم يتحدَّث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طناً، والتهديد الذي يشكِّله للولايات المتحدة وحلفائها.

وفي اتفاق عهد أوباما، مُنع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كافٍ لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية. وحُدِّد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلاً. وكان يفترض أن تبقى القيود قائمة 15 عاماً، حتى 2030. لكن سُمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة.

وتبين أن تلك الثغرة هيأت لهم وضعاً جيداً لما حدث بعد أن مزَّق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. فقد رد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.

في أوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، أعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.

ثم أدى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران. وحمَّل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في أكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب. وكان ذلك على مسافة شعرة من أعلى درجة عسكرية.

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

ومن أوائل 2021 إلى أوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة. وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ60 في المائة.

ثم، في يونيو، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك أنفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت أخرى في أصفهان. وأعلن أنَّ البرنامج النووي «أُبيد».

رسمياً، كانت الحكومة الأميركية أكثر تحفظاً، قائلة إن البرنامج «تراجع». لكن إذا كانت «عملية مطرقة منتصف الليل» قد شلت بالفعل كثيراً من البنية التحتية الذرية لإيران، فإنَّ إدارة ترمب قالت القليل أو لم تقل شيئاً عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.

وكان ويتكوف أحد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الأمر، إذ وصف المخزون بأنه «تحرك نحو التسليح؛ إنه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه». وأضاف أن إيران يمكنها تحويل وقودها الأعلى تخصيباً إلى نحو 30 قنبلة.

وبينما تَركَّز النقاش العام على ما إذا كان يمكن لفريق كوماندوز أميركي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فإنَّ خبراء نوويين يقولون إن طهران يمكنها تحويل كامل الـ11 طناً إلى وقود قنابل، إذا تمكَّنت من تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.

وقال إدوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، إنَّ مخزون إيران يمكن أن ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحاً، اعتماداً على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل أيضاً الأجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.

وخلص توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى أنَّ مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة إذا جرى تخصيبه أكثر.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طناً حالة غموض كبرى. أما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.

وقال غاري سامور، الذي قدَّم المشورة للبيت الأبيض في عهد أوباما بشأن برنامج إيران النووي: «نعم، لقد قُتل كثير من كبار علمائهم. لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الأساسية لإنتاج أسلحة نووية إذا قرروا القيام بذلك».

*خدمة «نيويورك تايمز»