كييف تجهز لهجومها المضاد... وموسكو تعزز الدفاعات والتحصينات

صور الأقمار الصناعية تظهر دفاعات روسية هائلة في أوكرانيا

الهجوم الرئيسي متوقع في جنوب أوكرانيا (رويترز)
الهجوم الرئيسي متوقع في جنوب أوكرانيا (رويترز)
TT

كييف تجهز لهجومها المضاد... وموسكو تعزز الدفاعات والتحصينات

الهجوم الرئيسي متوقع في جنوب أوكرانيا (رويترز)
الهجوم الرئيسي متوقع في جنوب أوكرانيا (رويترز)

تمتد خنادق مضادة للدبابات بالقرب من بلدة بولوهي المحتلة في جنوب شرق أوكرانيا لمسافة 30 كيلومترا، وخلفها تتراص حواجز خرسانية مدببة يطلق عليها اسم "أنياب التنين"، وبعد ذلك تأتي خنادق دفاعية حُفرت لتتمركز القوات الروسية بداخلها.
الدفاعات التي أظهرتها صور بالأقمار الصناعية هي جزء من شبكة واسعة من التحصينات الروسية تمتد من غرب روسيا عبر شرق أوكرانيا وحتى شبه جزيرة القرم، وشيدت استعدادا لهجوم أوكراني كبير.
ويتدرب الآلاف من الجنود الأوكرانيين في الغرب على استخدام أسلحة عسكرية مختلفة في ساحة المعركة قبل هجوم مضاد يقول مسؤولون أوكرانيون إنه سيحصل عندما تكتمل جاهزية القوات.
واطلعت «رويترز» على صور بالأقمار الصناعية لآلاف المواقع الدفاعية داخل روسيا وعلى طول خطوط الجبهة في أوكرانيا، والتي تظهر أن أشد المواقع تحصينا تتركز في منطقة زابوريجيا في جنوب أوكرانيا وعند مدخل شبه جزيرة القرم.
وقال ستة خبراء عسكريين إن التحصينات، التي بُنيت في الغالب عقب التقدم السريع لأوكرانيا في الخريف، يمكن أن تجعل الأمر أكثر صعوبة على أوكرانيا هذه المرة. وأضافوا أن التقدم سيتوقف على قدرة أوكرانيا على تنفيذ عمليات معقدة ومشتركة بشكل فعال.
وقال نيل ملفين المحلل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة: "بالنسبة للأوكرانيين فإن الأمر ليس متعلقا بالأرقام. المسألة هي هل يمكنهم القيام بهذا النوع من الحروب وعمليات الأسلحة المشتركة؟ لقد أثبت الروس أنهم لا يستطيعون فعل ذلك وعادوا إلى أسلوبهم السوفياتي القديم في الاستنزاف".
وقد يغير الهجوم المضاد الأوكراني أساليب الحرب التي تحولت إلى معركة استنزاف دموية. ويقول خبراء عسكريون إن امتداد الجبهة لمسافات طويلة قد يوسع دفاعات روسيا.
وإذا تمكنت كييف من استعادة السيطرة على الجنوب، فقد تستعيد طرق الوصول إلى موانئ التصدير على البحر الأسود دون عوائق في وقت أشارت فيه روسيا إلى أنها قد تنهي اتفاق تصدير الحبوب.
ويقول خبراء عسكريون إن أوكرانيا قد لا تتلقى دفعة كبيرة أخرى من العتاد المدرع من الغرب في القريب العاجل، الأمر الذي يضغط على كييف لاستعادة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي في حال بدأ الدعم العسكري في التراجع.
وأوضح ملفين أننا «استنزفنا معظم المخزونات في الغرب. سيستغرق الأمر بضع سنوات لتجديد المخزونات. أعتقد أن هذه فرصة كبيرة لأوكرانيا للتقدم».
لم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على طلب للتعليق على أي هجوم مضاد محتمل.
* ممر بري
تعهدت أوكرانيا باستعادة جميع الأراضي التي تحتلها روسيا، وهي منطقة بحجم بلغاريا تقريبا، لكن المسؤولين لا يرغبون في كشف أي معلومات قد تساعد موسكو.
وأرسل الغرب العشرات من الدبابات القتالية الحديثة وعربات المشاة القتالية لتكون في طليعة الهجوم، إلى جانب معدات لبناء الجسور ومركبات إزالة الألغام.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن هذا هو سبب قيام روسيا بحفر وبناء تحصينات واسعة النطاق ومتعددة المراحل لضمان أن تكون قواتها أكثر ثباتا مما كانت عليه عندما طُردت من شمال شرق أوكرانيا ومدينة خيرسون.
وتظهر الصور التي حللتها «رويترز» أن معظم أعمال البناء الروسية حدثت بعد نوفمبر تشرين الثاني عندما انسحبت قواتها من مدينة خيرسون في الجنوب. وسعى الجانبان إلى تعزيز مواقعهما خلال أشهر الشتاء.
ويقول الخبراء العسكريون إن الدفاعات الممتدة لمئات الكيلومترات تحدد المناطق التي تتوقع روسيا شن هجوم عليها أو ترى أن لها أهمية استراتيجية.
ولم ترد وزارة الدفاع الروسية على أسئلة حول الدفاعات وقدرتها على صد هجوم مضاد.
وبحسب صور الأقمار الصناعية، تتركز المواقع الروسية بشكل أكبر بالقرب من خطوط الجبهة في منطقة زابوريجيا الجنوبية الشرقية، وفي الشرق وعبر الشريط البري الضيق الذي يربط شبه جزيرة القرم ببقية أوكرانيا.
وتوقع الخبراء العسكريون جميعا أن يكون التوجه الرئيسي للهجوم المضاد في الجنوب، على الرغم من أن أعنف قتال في الأشهر القليلة الماضية تركز في الشرق، وخاصة حول مدينة باخموت.
وفي الأسبوع الماضي، توجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى منطقة خيرسون في زيارة نادرة اعتبرها بعض المراقبين مؤشرا على أهميتها الاستراتيجية.
وقال أولكسندر موسينكو المحلل العسكري في كييف إن الجنوب مهم من الناحية الاستراتيجية بالنسبة لأوكرانيا. وأضاف أنه إلى جانب تعطيل الممر البري الممتد من روسيا إلى شبه جزيرة القرم المحتلة، فإن التوغل في الجنوب قد يؤدي إلى دخول شبه الجزيرة في مرمى نيران المدفعية.
ويتمركز أسطول البحر الأسود الروسي في شبه جزيرة القرم، التي استولت عليها موسكو من أوكرانيا في عام 2014، وتستخدمه روسيا لاستعراض قوتها في اتجاه الشرق الأوسط والبحر المتوسط. كما استخدمته على مدى الأربعة عشر شهراً الماضية لاستهداف أوكرانيا بصواريخ كروز.
كما يوجد في الجنوب محطة زابوريجيا النووية، وهي أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا. واحتلت موسكو المحطة منذ مارس (آذار) العام الماضي لكنها معطلة منذ سبتمبر أيلول. وكانت تمد أوكرانيا بخُمس احتياجاتها من الكهرباء.
* جهد هائل في الحفر
تقع بلدة بولوهي في منطقة زابوريجيا، وهي بوابة أوكرانيا الرئيسية صوب الجنوب.
وتقع بقية مناطق الجنوب خلف نهر دنيبرو، وهو حاجز طبيعي ضخم يتعين على القوات الأوكرانية التغلب عليه.
وقال جون فورد الباحث المشارك في معهد ميدلبري للدراسات الدولية: «تتبعت الخنادق والحواجز الممتدة من الضفة الشرقية لنهر دنيبرو وجنوب فاسيليفكا وصولا إلى فيدوريفكا، وهذا يعني أنها تمر عبر منطقة زابوريجيا».
ووفقا لتقديراته، تمتد المنطقة الدفاعية وحدها لمسافة 120 كيلومترا.
وإلى جانب الحواجز والخنادق المتعرجة، ستشمل الخطوط الدفاعية الروسية أيضا حقول الألغام والأسلاك الشائكة ومواقع الأسلحة الوهمية.
* معوقات ميدان المعركة
على الرغم من شبكة الدفاعات، قال أربعة خبراء إن جهود روسيا الدفاعية قد تتشتت بسبب طول الجبهة، وهو ثغرة أمنية ستسعى كييف لاستغلالها بالخدع والتشتيت وعنصر المفاجأة وسرعة العمليات.
وقدر المحلل العسكري أولكسندر موسينكو أن روسيا ستستخدم ما يتراوح من مئة ألف إلى 110 آلاف جندي لشن هجوم، بما في ذلك ثمانية ألوية هجومية قوامها مجتمعةً 40 ألف جندي.
ولم تذكر روسيا عدد القوات المنتشرة في أوكرانيا أو عدد الجنود داخل حدودها وتستعد لإرسالهم.
وقال موسينكو إن أوكرانيا تستهدف النقاط اللوجستية كما فعلت قبل استعادة مدينة خيرسون.
وأظهرت وثيقة مخابرات أمريكية مسربة بتاريخ 28 فبراير (شباط) اطلعت عليها رويترز إن الغرب أرسل 200 دبابة إلى أوكرانيا.
لكن تلك الوثائق نفسها قالت أيضا إن أوكرانيا تواجه نقصا حادا في الدفاعات الجوية، مما قد يشكل مشكلة لها إذا تقدمت قوات كييف بسرعة وكانت في حاجة إلى الحماية من القصف الجوي.


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.