سجن «كوبر» السوداني «استضاف» أشهر القادة السياسيين وكبار المجرمين

بينهم رؤساء ووزراء وسياسيون... والمهدي والميرغني والترابي ونقد أبرزهم

الصادق المهدي (ا.ف.ب)  -  محمد عثمان الميرغني  -  محمد إبراهيم نقد  -  حسن الترابي (ا.ف.ب)
الصادق المهدي (ا.ف.ب) - محمد عثمان الميرغني - محمد إبراهيم نقد - حسن الترابي (ا.ف.ب)
TT

سجن «كوبر» السوداني «استضاف» أشهر القادة السياسيين وكبار المجرمين

الصادق المهدي (ا.ف.ب)  -  محمد عثمان الميرغني  -  محمد إبراهيم نقد  -  حسن الترابي (ا.ف.ب)
الصادق المهدي (ا.ف.ب) - محمد عثمان الميرغني - محمد إبراهيم نقد - حسن الترابي (ا.ف.ب)

يُعد السجن المركزي السوداني (كوبر) أحد أضخم وأقدم وأشهر السجون (السياسية) السودانية، إذ احتجز فيه عدد كبير من القادة السياسيين وكبار المجرمين، وآخرهم الرئيس السابق عمر البشير وعدد من كبار مساعديه الذين فروا منه أخيراً بسبب الاضطرابات الناتجة عن الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع».
وشيد المستعمرون البريطانيون سجن «كوبر» في عام 1903 بمدينة «الخرطوم بحري» بالقرب من النيل الأزرق، وبجوار قيادة سلاح الإشارة الحالية. وتبلغ مساحته 5 آلاف متر مربع، وقاموا بتصميمه هندسياً ليحاكي السجون البريطانية. وهناك روايتان لتسميته بـ«كوبر»، تقول الأولى إنه أخذ اسمه من الضابط الإنجليزي (Cooper) الذي كلف إدارته بعيد افتتاحه، ومنه أخذ الحي المجاور له اسم «حي كوبر». أما الرواية الثانية فتقول إنه لقب المدير الإداري للمنطقة (كوبرول)، ومنه أُخذت التسمية.
وبغض النظر عن منشأ التسمية، يُعد سجن «كوبر» أشهر سجون السودان، وفيه احتجز معظم الزعماء السياسيين، وعتاة المجرمين في الوقت ذاته. وكان الهدف الاستعماري من تشييده عزل السياسيين الوطنيين عن المجتمع، إلى جانب النزلاء الخطرين ومعتادي الإجرام ومن يُعرفون بـ«مترددي السجون».
وتحجب أسوار عالية وعريضة السجن عن الخارج، وتجعل محاولات الهروب أكثر صعوبة، ويلاحظ المارة الحراس المسلحين يتجولون بين أبراجه الأربعة المقابلة للجهات الأربع خلال مناوباتهم اليومية.
وكان يعرف مدير «كوبر» على أيام الاستعمار البريطاني بـ«حكمدار السجن»، وتعاقب عليه عدة حكام إداريين إنجليز، ثم أعقبهم في إدارته بعد الاستقلال قرابة 40 مديراً سودانياً، كان أولهم الحكمدار مصطفى سعيد، ومر بإدارته أحد أشهر قادة السجون: الفريق أحمد وادي.
ويتكون «كوبر» من 6 أقسام: الأوسط، الغربيات، الشرقيات، الهداية، المدرسة، المستشفى، ثم أعيدت تسميتها في أوقات لاحقة. وأشهر النزلاء الذين سُجنوا فيها من المجرمين: جمال دقلش، والواثق صباح الخير، اللذان نُفّذ فيهما حكم الإعدام بالمشنقة الخاصة به.
ويعد زعماء «ثورة اللواء الأبيض» من الضباط الذين تمردوا على الحكم الإنجليزي عام 1925، وهم: علي عبد اللطيف، وصالح عبد القادر، وعبيد حاج الأمين، ومحمد شريف، وحسن صالح، وأحمد مدثر إبراهيم، وآخرون، أول السجناء السياسيين الذين أغلقت عليهم زنازين «كوبر».
ويُعد الزعيم إسماعيل الأزهري، أول رئيس سوداني بعد الاستقلال، من أشهر المعتقلين الذين أدخلهم الاستعمار السجن الشهير عام 1952، وبرفقته القادة السياسيون محمد نور الدين، وخضر عمر، وسليمان موسى، وحسين محمد أحمد.
وبعد انقلاب مايو (أيار) 1969، بقيادة المشير جعفر النميري، اعتقل فيه كل من الزعيم إسماعيل الأزهري، ورئيس الوزراء محمد أحمد محجوب، كما شملت الاعتقالات قادة الحزب الشيوعي السوداني بعيد خلافهم مع النميري، وأُعدم قائده عبد الخالق محجوب وعدد من الضباط الشيوعيين الذين اتهموا بالمشاركة في حركة يوليو (تموز) 1971 ضد نظام النميري.
ومن «الزبائن» المشهورين «والمزمنين» في السجن معظم قادة الحزب الشيوعي والأحزاب اليسارية بشكل عام، وأبرزهم الزعيم الراحل محمد إبراهيم نقد، والتجاني الطيب بابكر، وتيسير مدثر، ومحمد علي جادين من حزب «البعث»، كما شهد السجن حادثة اعتقال وإعدام زعيم «الإخوان الجمهوريين» محمود محمد طه، وهي تُعدّ من أكثر جرائم الإعدام ترويعاً في تاريخ السجن.
وانقلب السحر على الساحر؛ إذ بعد إسقاط حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري في الثورة الشعبية، أبريل (نيسان) 1985، دخل السجانون السابقون من قيادات حكمه إلى سجن «كوبر»، وأشهرهم نائبه اللواء عمر محمد الطيب، وعضو مجلس قيادة الثورة اللواء أبو القاسم محمد إبراهيم، واللواء خالد حسن عباس وآخرون، وظلوا في السجن إلى أن أُطلق سراحهم بعد مجيء نظام الإنقاذ.
ويعد القادة السياسيون: الصادق المهدي، ومحمد عثمان الميرغني، وحسن الترابي، وعمر نور الدائم، من الرواد الدائمين للسجن، وقضوا فيه شطراً مهماً من حياتهم.
بينما الرئيس السابق عمر البشير، وكبار مساعديه الذين فروا من السجن، أول من أمس، يعتبرون أشهر السجانين الذين تحولوا إلى مساجين، وقضوا فيه 4 سنوات منذ الإطاحة بحكمهم في أبريل (نيسان) 2019.
وتعرض سجن كوبر للاقتحام بواسطة الثوار، وأُخرج منه المساجين السياسيون عنوة مرتين في تاريخه؛ فعقب انتصار الثورة الشعبية التي أطاحت حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري (1985)، كسرت الجماهير الثائرة بوابات السجن، وأخرجت القادة السياسيين والمناضلين على أكتافها إلى الميادين. وتكرر الأمر مرة أخرى بعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير، في أبريل 2019 (نيسان)، بتوجه مظاهرة شعبية إلى سجن «كوبر»، وأخرجت المعتقلين السياسيين، وأشهرهم في ذلك الوقت قادة «تجمع المهنيين السودانيين»، وحملوهم على الأعناق إلى محل الاعتصام الشهير بجوار القيادة العامة.
وغنى أحد المغنين بهذه المناسبة: «الشعب بأسرو اندلع، حرر مساجينو وطلع».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)
سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً وضعوا عليه أطباقاً من الطعام عند غروب الشمس، ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب قبل نحو 3 سنوات.

عاد بشير (53 عاماً) إلى السودان قبل بضعة أشهر بعد أن هُجّر منه بسبب الحرب. ويعبّر عن فرحته باستعادة تقليد توقّف جراء الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

يقول بشير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجوداً خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة».

ويضيف: «اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء الحاجيات (لإعداد الطعام)... بعد ما شاهدته خلال الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور إلى طبيعتها بهذه الصورة».

في اليوم الأول من شهر الصوم المبارك، يتشارك بشير إفطاره مع رجال من أكثر من 10 أسر يرتدون «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة، وتتوزّع بينهم أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ»، وهو مشروب يصنعه السودانيون في رمضان المبارك من دقيق الذرة.

وتمزّق المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع» السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين، وانتشار المجاعة في بعض المناطق، وتدمير المدن والبنية التحتية.

توزعت أباريق المشروبات التقليدية مثل «الحلو مرّ» بالإفطار الجماعي في أم درمان (أ.ف.ب)

وكانت الخرطوم، التي تشمل مناطق أم درمان وبحري، مركزاً للحرب طيلة عامين، وعاد إليها الهدوء منذ سيطر عليها الجيش في مارس (آذار) الماضي؛ مما فتح الباب أمام عودة بطيئة للحياة وسط المباني المهدمة وأطلال الحرب.

ويقول عبد القادر عمر، الذي كان يعمل في التجارة، إنه عاد إلى منزله في أم درمان بعدما نزح 3 مرات إلى ولايات سنار والنيل الأبيض والجزيرة وفقد عمله في سوق أم درمان.

ويضيف: «لم يكن هنا أكثر من أسرتين خلال رمضان الماضي. اليوم؛ نحن 13 أسرة تتناول طعام الإفطار معاً، وهذا في شارع واحد فقط داخل الحي».

وينتشر الخروج إلى الشارع للإفطار الجماعي أمام المنازل في جميع مناطق السودان، إذ تأتي كل أسرة بطعامها ويجلس الجيران معاً على بساط يتشاركونه كما يتشاركون الطعام والشراب.

غير أن عمر يُذكّر بأنه «صحيح السلع متوافرة، لكن الأسعار مقابل الدخل تجعل الوضع صعباً». ويؤكد بشير كذلك ارتفاع الأسعار، إلا إن «السودانيين يساعد بعضهم بعضاً عن طريق التكايا (المطابخ العامة) وغيرها».

وأدت الحرب إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي كان هشّا بالفعل، مع معدّلات تضخّم تجاوزت نسبة مائة في المائة.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً؛ إذ انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب، إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

الوضع اختلف

في السوق المركزية بالخرطوم، يعرض الباعة الخضراوات والفواكه في أكياس صغيرة؛ إذ لا تستطيع الأسر تحمّل تكلفة الكميات الكبيرة.

ويقول محمد، أحد الباعة في سوق الخرطوم المركزية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر؛ المؤن والعمالة والنقل».

رغم ذلك، فإن عمر لا يخفي سعادته بالعودة إلى منزله بعد أن «هجرناه مدة طويلة. ولكن حين عدنا وجدنا المكان آمناً والناس عادوا إلى بيوتهم».

أما عثمان الجندي، وهو صحافي، فلم يغادر أم درمان طيلة فترة الحرب. ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوضع اختلف تماماً مقارنة برمضان عام 2025». ويضيف: «شارعنا هذا كانت فيه أسرتان فقط، والآن هنا 16 عائلة».

ارتدى السودانيون المشاركون بالإفطار الجماعي في أم درمان «الجلاليب» السودانية التقليدية الملونة (أ.ف.ب)

ويتذكر نميري الشيخ طه أنه في الأعوام السابقة في أم درمان «كنا نجلس متوجسين؛ قد يأتينا رصاص طائش أو تقع دانة (طلقة مدفع) حتى داخل المنازل. لقد أصابت المدفعية منزل جيراننا».

على مسافة نحو 400 كيلومتر جنوب غربي الخرطوم، لا تزال مدن كردفان تشهد معارك دامية، ويكثَّف القصف بالطائرات المسيّرة التي يقتل بعضها العشرات في هجوم واحد. ومع ذلك، فإن السودانيين افترشوا الأرض أمام منازلهم لتناول الإفطار معاً.

ويقول أحمد بلة، الذي يسكن حي البترول في الأبيّض؛ عاصمة شمال كردفان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف: «نحن 17 أسرة اعتدنا تناول الإفطار معاً في رمضان الكريم، واليوم لم يتخلّف أحد منّا رغم الأوضاع الأمنية وهجمات المسيّرات من وقت لآخر».

وتحاول «قوات الدعم السريع» إعادة تطويق الأبيض منذ كسر الجيش حصاراً طويلاً عليها في فبراير (شباط) 2025.

ويتنازع الطرفان، في معارك ضارية بشمال كردفان، السيطرةَ على محور رئيسي لطرق الإمداد الحيوية بين شرق البلاد وغربها يمرّ بالأُبيّض.

في جنوب كردفان، حيث يستمر القصف العنيف، أعلنت أداة «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، التي تضم حكومات ووكالات دولية، المجاعة في العاصمة كادوقلي التي كانت تحاصرها «قوات الدعم السريع» حتى بداية الشهر الحالي، وحذّرت من ظروف مشابهة في الدلنج بالولاية ذاتها.

ويواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي نحو نصف عدد سكان السودان، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق الأمم المتحدة.


تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
TT

تفاعل ليبي مع إطلاق حفتر «رؤية 2030» لتطوير المؤسسة العسكرية

حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)
حفتر يتوسط كبار قيادات المؤسسة العسكرية بشرق ليبيا (القيادة العامة)

تفاعل ليبيون مع إطلاق المشير خليفة حفتر «رؤية 2030» لتطوير القوات المسلحة، في وقت التزمت فيه سلطات البلاد الصمت حيال حديث عن مقترح خرج عن اجتماع سري عقد مؤخراً في باريس، بشأن صيغة لإنهاء الانقسام، تقضي بتولي صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي، رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، في حين يُعيّن عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة «الموحدة».

المقترح الذي نشرته وكالة «نوفا»، الخميس، ونسبته إلى مصادر ليبية مطلعة، قالت إنه نُوقش خلال سلسلة من الاجتماعات التي عقدت في روما سبتمبر (أيلول) الماضي، ثم في باريس يناير (كانون الثاني) الماضي، بوساطة المبعوث الأميركي مسعد بولس، مبرزة أن هذا المقترح يأتي «ضمن عدة خيارات أخرى، دون وجود توافق موحد بين الأطراف في الوقت الراهن».

حفتر مصافحاً أحد القيادات العسكرية (القيادة العامة)

وقال مصدر عسكري بغرب ليبيا إن الاجتماع، الذي حضره إبراهيم الدبيبة، مستشار حكومة «الوحدة الوطنية»، وصدام حفتر في باريس، ناقش أموراً عديدة تتعلق بالانقسام العسكري والسياسي، لكنها «تظل أفكاراً، أو مقترحات لم يتم التوافق بشأنها حتى الآن»، مستبعداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تنفيذ مثل هذه المقترحات، «في ظل الانقسام الحاد والاستقطاب بين شرق ليبيا وغربها».

وكان مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، قد صرح في كلمته أمام اجتماع مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة «ستكون في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا»، وأوضح أن بلاده «تجمع كبار المسؤولين من شرق ليبيا وغربها لوضع خطوات ملموسة نحو التكامل العسكري والاقتصادي؛ دعماً للقيادة الليبية وخريطة طريق بعثة الأمم المتحدة».

وأعلن حفتر عن «رؤية 2030 لتطوير القوات المسلحة العربية الليبية»، في احتفالية مساء الأربعاء، بحضور نائب القائد العام الفريق صدام حفتر، وعدد من قيادات المؤسسة العسكرية، وسط تفاعل ليبي خصوصاً بين المؤيدين للجيش في مناطق شرق وجنوب ليبيا.

وحسب القيادة العامة، تُمثل «رؤية 2030» مساراً استراتيجياً شاملاً يقود مرحلة التحوّل العسكري، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاحترافية، ويضع أسس بناء مؤسسة عسكرية حديثة وقوية، قادرة على حماية الوطن، وصون سيادته والحفاظ على أمنه واستقراره.

خالد حفتر خلال حضور مراسم تخريج الدفعة الثانية من منتسبي «كتيبة الصاعقة» التابعة لـ«اللواء 166 مشاة» (شعبة الإعلام الحربي)

وعدّ حفتر هذه الرؤية «إنجازاً وطنياً يعكس الإرادة الصلبة والعزيمة الراسخة في بناء المؤسسة العسكرية»، موضحاً أنها «لم تكن مجرد خطة زمنية، بل مشروع استراتيجي لإعادة البناء والتأسيس على أسس حديثة ومتينة»، مؤكداً أن إطلاق الرؤية «يعكس انتقال المؤسسة العسكرية إلى مرحلة جديدة من الاحترافية والجاهزية؛ حيث أصبح التخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسسي، القائم على الرؤية الواضحة والأهداف المحددة، هو الركيزة الأساسية في صناعة القرار العسكري».

ومن دون توضيح أبعاد هذه الرؤية وتفاصيلها، قال حفتر إنها «ليست محطة نهائية، بل بداية مرحلة أكثر طموحاً، تُبنى فيها الإنجازات على ما تحقق، وتُصان المكتسبات بروح المسؤولية والانضباط، لتظل قواتنا المسلحة في أعلى درجات الجاهزية، قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً».

وفي ختام الإعلان عن هذه الاستراتيجية الجديدة، سلّم حفتر وثيقة «رؤية 2030 لتطوير القوات المسلحة» رسمياً إلى نائب القائد العام، إيذاناً بانطلاق مرحلة التنفيذ الفعلي لهذا المشروع الوطني.

في شأن قريب، حضر رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، الفريق خالد حفتر، رفقة مدير مكتب القائد العام، الفريق أول أيوب بوسيف، والمفوض العام لمدينة المشير خليفة حفتر العسكرية، الفريق عبد الله الثني، مراسم تخريج الدفعة الثانية من منتسبي «كتيبة الصاعقة» التابعة لـ«اللواء 166 مشاة» التي أُقيمت بالمدينة العسكرية.

وقالت شعبة الإعلام الحربي بـ«الجيش الوطني» إن الخريجين تلقوا خلال فترة إعدادهم برنامجاً مكثفاً، شمل تدريبات متقدمة في الصاعقة والمظلات، وفق أحدث النظم العسكرية، فيما أشاد رئيس الأركان العامة بـ«الضبط العسكري العالي والمستوى المتميز، الذي ظهر به الخريجون من منتسبي (اللواء 166)».


«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«الحوار الصومالي»... مساعٍ رئاسية لحل الخلافات مع المعارضة

الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي استقبل الخميس مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

توجت مساعٍ رئاسية جديدة في الصومال لحل الأزمة السياسية مع المعارضة، الخميس، بلقاء في قصر الرئاسة بحث قضايا عديدة، أبرزها الخلافات المتعلقة بالانتخابات المباشرة المقررة هذا العام.

تلك المساعي الرئاسية الصومالية يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أنها تهدف لحلحلة الخلافات مع المعارضة، ويعد ذلك الحوار محطة سياسية مفصلية في مسار التوافق الوطني الصومالي، شريطة التزام الأطراف بالنتائج لإنهاء الأزمة، مشيراً إلى أن التحركات الأوروبية، والأفريقية الداعمة للحوار قد تسهم في نجاحه.

وأفادت وكالة «الأنباء الصومالية»، الرسمية، بأن الرئيس حسن شيخ محمود، استقبل الخميس أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل في قصر الرئاسة، للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية.

وعقب الاستقبال، ترأس الرئيس حسن شيخ محمود «اجتماعاً ناقش فيه الوضع العام في البلاد، بما في ذلك الانتخابات المقبلة، وتعزيز الوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، بالإضافة إلى جهود الإغاثة لمواجهة آثار الجفاف، ومكافحة جماعة الخوارج التي تهدد الأمن، والاستقرار».

تعزيز الحوار

وأكد شيخ محمود خلال اللقاء «أهمية التنسيق المستمر بين الحكومة الفيدرالية، ومجلس المستقبل، لضمان سير العمليات السياسية، والتنموية بسلاسة، وتعزيز الحوار الوطني لتحقيق مصالح الشعب الصومالي».

وتشكل «مجلس مستقبل الصومال»، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا غوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي، وسعيد دني، وزعماء «منتدى الإنقاذ» المعارض رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري، وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون، بعد عام شهد خلافات جذرية مع الحكومة، لا سيما في الانتخابات المباشرة.

الملفات الحساسة

وأفاد مصدر صومالي مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط» الخميس بأن «الاجتماع في القصر الرئاسي الصومالي بمدينة مقديشو سبقه لقاءات تمهيدية كان أحدثها الثلاثاء»، موضحاً أنه «جمع بين الحكومة الفيدرالية في الصومال وقيادات بمجلس مستقبل الصومال المعارض».

وناقش اجتماع الخميس، بحسب المصدر ذاته «مجموعة من الملفات الحساسة، في مقدمتها الدستور الصومالي، حيث أجرت حكومة الرئيس حسن شيخ محمود تعديلات على عدد من مواده، بينما لا تزال مواد أخرى قيد النقاش داخل البرلمان، وكذلك النظام الانتخابي المرتقب مع اقتراب موعد الانتخابات المقرر إجراؤها خلال نحو ثلاثة أشهر، وما يستلزم ذلك من توافق سياسي يحدد شكل وآلية العملية الانتخابية».

أجواء إيجابية

وافتُتح الاجتماع في أجواء إيجابية اتسمت بروح الترحيب المتبادل، إلا أن مآلاته النهائية لا تزال غير واضحة حتى الآن.

وفي ضوء ذلك، يتوقع الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، إمكانية التوصل إلى تفاهم حول آلية استمرار الحوار عبر اجتماعات لاحقة، مرجحاً أن تسهم الاجتماعات في تقليص حدة الخلافات، والشكوك السياسية القائمة بين الأطراف المختلفة.

ولم يكن هذا الاجتماع الأول الذي تسعى الرئاسة لإنهاء الأزمة السياسية، حيث سبق أن شهدت مقديشو لقاءً غير مسبوق بين الرئيس حسن شيخ محمود، وسَلَفه شريف شيخ أحمد الزعيم المعارض البارز رئيس «منتدى الإنقاذ»، وسط توترات بين الحكومة الفيدرالية، والمعارضة، وتصاعد أزمة الإقليم الانفصالي بعد اعتراف إسرائيل به أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ترحيب أوروبي

وقبيل الاجتماع الرئاسي، قالت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الصومال، فرانشيسكا دي ماورو، في منشور على «إكس»، الثلاثاء، إن الاتحاد الأوروبي يرحب ترحيباً حاراً ببدء الحوار بين الحكومة الفيدرالية ومجلس مستقبل الصومال.

ويرى كلني أن الترحيب الأوروبي مهم لدعم الحوار المباشر، خاصة وقد لعب الاتحادان الأوروبي والأفريقي إلى جانب شخصيات وطنية مؤثرة دوراً في تهيئة الظروف لانعقاده بعد عام من الخلافات.

ويعتقد أن نتائج الاجتماع ومضمونه بصورة أساسية تعتمد على عدة عوامل، أبرزها، صدق الأطراف في الحوار السياسي، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة تخدم المصلحة الوطنية، و الالتزام بحماية نظام الدولة والدستور بوصفهما مرجعية عليا فوق الاعتبارات السياسية الضيقة.

ويوضح كلني أن «هذا الاجتماع يمثل محطة سياسية مفصلية في مسار التوافق الوطني الصومالي، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار المؤسسي، شريطة توافر الإرادة السياسية الحقيقية لدى جميع الأطراف المعنية».