سام بكنباه شاعر وفنان أم مجرد مخرج أفلام عنف؟

مهرجان «لوكارنو» احتفى به وعرض أفلامه

جيمس كوبرن وكريس كريستوفرسون في «بات غاريت وبيلي ذا كيد»، و سام بكنباه
جيمس كوبرن وكريس كريستوفرسون في «بات غاريت وبيلي ذا كيد»، و سام بكنباه
TT

سام بكنباه شاعر وفنان أم مجرد مخرج أفلام عنف؟

جيمس كوبرن وكريس كريستوفرسون في «بات غاريت وبيلي ذا كيد»، و سام بكنباه
جيمس كوبرن وكريس كريستوفرسون في «بات غاريت وبيلي ذا كيد»، و سام بكنباه

طوال الأيام العشرة الماضية، وجّه مهرجان لوكارنو التحية لأحد المخرجين الذين أثاروا في زمنهم الكثير من الضجيج. للبعض كان شاعرًا حزينًا، للبعض الآخر، كان مدمن عنف غير مبرر. فريق وجده من كبار من وقفوا وراء الكاميرا في القرن العشرين، وآخرون وجدوا أن هذا الصيت أكثر مما يستحق.
إنه سام بكنباه صاحب أفلام وَسترن (وأخرى بوليسية) من بينها «بات غاريت وبيلي ذا كيد» و«الزمرة المتوحشة» و«جونيور بونر» و«الفرار» و«مسدسات بعد الظهر» وسواها. يشترك في هذه الصفة مخرج أميركي آخر جرى الاحتفاء به هنا هو مايكل شيمينو ولو أن ما جاء به هذا المخرج من أعمال يصبح تكملة لما بدأه بكنباه.
هناك خيط دقيق يتجاوزه كثيرون بين مخرج عظيم ومخرج يحقق أفلامًا عظيمة. الصفة الأولى هي الأهم. الثانية هي على مقربة. تكاد توازي المرتبة الأولى بفارق ضئيل. سام بكنباه كان من أصحاب هذه الصفة الثانية.

* بداية تلفزيونية
* وُلد في بلدة فرسنو، ولاية كاليفورنيا سنة 1925. كانت بلدة صغيرة يحتل اسم بكنباه مكانة فيها إذ إن جدّه كان قاضيًا وعضوًا في الكونغرس. الصحراء تحيط بالبلدة وإليها كان الجد وحفيده يذهبان، حيث يعلّم الأول الثاني إطلاق النار. ما لم يستكمله الجد من دروس أتمتة الجندية إذ انضم سام بكنباه إلى سلاح مشاة البحرية (المارينز) وشارك في الحرب العالمية الثانية ولو أنه لم يشارك في المعارك ذاتها. حين عاد إلى البلاد بعد انتهاء الحرب توجه إلى مدينة لوس أنجليس سنة 1947 وتزوّج ودرس الدراما ثم تخرج سنة 1952، في جامعة «سذرن كاليفورنيا» الشهيرة. اشتغل بعدها مدرّب إلقاء في حفنة من أفلام دون سيغال (بينها «شغب في سل بلوك 11»، و«غزاة ناهشو الجسد») ثم التحق بالتلفزيون ككاتب سيناريو لمسلسلات وسترن («غنسموك» و«ذا رايفلمان»).
هذا في الخمسينات. في مطلع الستينات أصبح مخرجًا وأخرج فيلمه الأول «صحبة مميتة» مع برايان كيث ومورين أوهارا (1961) ثم «مسدسات بعد الظهر» (1962)، الذي كان من بين ما عرضه لوكارنو في تحيّته، كان وَسترن أيضًا يلخّص بعض ما سيميّز أعمال بكنباه اللاحقة: حنينه إلى زمن الوسترن القديم ليس كسينما فحسب، بل أيضًا كنوعية حياة. راندولف سكوت (في آخر دور له وكان نجم أفلام وسترن لا يضاهيه شهرة سوى جون واين) وجووَل ماكراي (نجم آخر لعب بعد هذا الفيلم أربعة أخرى وانسحب) يتعاونان على نقل كمية من الذهب من منجم إلى مصرف، لكن الأول (معبّرًا عن أخلاقيات جديدة) يفكّر في سرقتها بينما يواجهه الثاني بأخلاقياته وشعوره بالمسؤولية). على الطريق حكاية تبدأ جانبية وتستولي على صلب الفيلم: فتاة مخطوفة من قبل رعاع ينقذها الاثنان وشريك لهما وتقع بين الجميع معركة النهاية.
الصورة المعبّرة عن رأي بكنباه في الماضي المجيد تقع في النهاية: ماكراي مصاب برصاصة ينحدر من الصورة. يغيب عنها وتبقى هي فارغة.

* عنيف وغير عنيف
* بعد فيلمين آخرين يحتلان رقعة منتصف الستينات، نجده عاد بقوّة مذهلة في «الزمرة المتوحشة»: مجموعة من الخارجين عن القانون، يتقدّمهم ويليام هولدن وتضم إرنست بورغنين، وإدموند أو برين، وورن أوتس ول. كيو جونز وبو هوبكنز (كلهم رحلوا ما عدا الأخيرين)، يسرقون مصرفًا في بلدة. لكن رجال القانون (تبعًا لرؤية بكنباه المعادية للمؤسسات) من أشرار فعليين، كانوا بالمرصاد. العصابة تهرب من الفخ (بمن تبقى من أفرادها) وتصل إلى قرية ديكتاتور عسكري مكسيكي (إيمليو فرنانديز) حيث الموقعة الأخيرة.
«الزمرة المتوحشة» (The Wild Bunch) فيلم عنيف وملهم. الموت عند بكنباه هو حالة إنسانية عليه أن يصوّرها بمراحل سقوطها. يقطع منها وإليها في مونتاج متعاقب. لا شيء يتم بسهولة ولا يسقط الناس أرضًا في ثانية واحدة. هناك من حاول إحصاء عدد القتلى في الفيلم وفي كل مرّة يخرج برقم مختلف.
حين تعرض بكنباه للانتقاد بسبب عنفه قرر تحقيق فيلم غير عنيف. سمّاه «أنشودة غايبل هوغ» (1970): وسترن آخر لكنه ليس وسترن قتال، بل يدور حول جايسون روباردس يكتشف الماء في بقعة صحراوية ما تلبث أن تصبح محطة يتوقف عندها المسافرون. لكن كون الفيلم خالٍ من العنف لا يعني أنه خالٍ من المضمون أيضًا. مرّة أخرى هو فيلم عن عالم يتلاشى وآخر (حضاري لا يعترف به بطل بكنباه ولا بكنباه نفسه) يتبلور.
عندما فشل الفيلم تجاريًا (على جودته الواضحة) تندّر بكنباه وقال: «ينتقدونني لأني أحقق أفلامًا عنيفة وحين لا أفعل لا يقبل الجمهور على فيلمي».
أنجز بعد هذا الفيلم «كلاب من قش» (تقع أحداثه في بريطانيا مع سوزان جورج ودستين هوفمن) ثم «جونيور بونر» (وسترن معاصر مع ستيف ماكوين فيه ذات الحنان للأمس) وبعد ذلك التقى مع ستيف ماكوين في فيلم «الفرار» عن قصّة للروائي البوليسي جيم تومسون كتب السيناريو لها وولتر هيل: المؤسسة (ممثلة بمدير سجن يدير عصابة سرقة على الهامش، ويؤديه بن جونسون) يفرج عن ستيف ماكوين ليسرق له. السرقة تتم لكن ماكوين وصديقته (آلي ماكغرو) يفران بالمبلغ. العصابة، كما أحد القتلة الذي اعتقد ماكوين أنه تخلص منه، في أعقابهما.
المعركة الأخيرة مذهلة وبعدها نهاية توفر ما اعتبره بكنباه الحل المثالي لأزمة المكان: ترك أميركا التي تتغير نحو حياة جديدة إلى المكسيك التي لا تزال أكثر فطرة.
مرثاة لماضٍ يذبل

* فيلمه الأفضل جاء مباشرة بعد «الفرار» وهو «بات غاريت وبيلي ذا كيد». مقطوعة من التاريخ الأميركي (الشخصيتان حقيقيّتان) يرسمهما المخرج بالكاميرا في عرض الولايات المتحدة. سبق تقديم الشخصيّتين عشرات المرّات (بيلي ذا كيد كان من عتاة مجرمي الغرب وبات غاريت كان صديقًا له ثم أصبح رجل قانون يحاول، هنا، اصطياده) لكن ليس من بين تلك المرّات أي فيلم يشابه هذا العمل لا في حسن ودقة إدارته لممثليه ولا للشعور المنساب كمرثاة للماضي الذابل. في النهاية يقتل بات غاريت غريمه هذا كان أكثر أفلام بكنباه شاعرية وأحد أفضل ما حققته السينما من أفلام وَسترن في تاريخها.
بعد ذلك فيلم خاص آخر هو «أجلب لي رأس ألفريدو غارسيا» (العنف والشعر ذاتيهما في فيلم رحلة يقودها وورن أوتس) ثم أربعة أفلام معادية للمؤسسة والنظام هي التشويقي «النخبة القاتلة» (1977) والفيلم المعادي للحرب «نيشان من حديد» (1977) وفيلم الشاحنات «قافلة» (1978) ثم الفيلم الذي قدر له أن يكون أخيره «أوسترمان ويك إند» (1983).
ليس أن بكنباه لم يعد لديه ما يقدّمه، لكن الواقع هو أن معاداته للمؤسسات (بما فيها المؤسسات الإنتاجية ذاتها) تركته عاريًا من مساندتها له. كان أدمن على المخدرات والكحول والشقاء (خلال تصوير «الزمرة المتوحشة» لم يشأ ترك التصوير رغم أنه كان ينزف دمًا بسبب البواسير خوفًا من أن تقوم شركة الإنتاج، وورنر، بصرفه وإحلال سواه) والكثير من النقاد وجدوا أعماله الأربعة الأخيرة ركيكة المضمون والمحتوى، لكن حتى مع حقيقة أنها لا تساوي ما سبقها جودة، إلا أنها تبقى من صلب فنّه ونظرته إلى العالم الذي كان يذبل حوله وأراد التعبير عنه بمزيج من الرسم والشعر.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز