الفارون من الموت في السودان... قصص محزنة

القتال في شوارع العاصمة يعيق وصول الجرحى إلى المستشفيات (أ.ف.ب)
القتال في شوارع العاصمة يعيق وصول الجرحى إلى المستشفيات (أ.ف.ب)
TT

الفارون من الموت في السودان... قصص محزنة

القتال في شوارع العاصمة يعيق وصول الجرحى إلى المستشفيات (أ.ف.ب)
القتال في شوارع العاصمة يعيق وصول الجرحى إلى المستشفيات (أ.ف.ب)

صبيحة يوم العيد، حزم الدكتور معاوية سيف الدين أمتعته، واصطحب أبناءه إلى الميناء البري، ليستقل الحافلة متجهاً إلى مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، أقرب الولايات للعاصمة السودانية الخرطوم. وقبل أن يغادر معاوية منزله بحي جبرة، اتصل على والده ليخبره أنه بعد نحو 3 ساعات سيكون وسطهم. فرح الأب بالخبر ودعا الله أن يوصله سالماً من الحرب التي تعيشها البلاد.
بعد دقائق قليلة، استقبل الوالد مكالمة من حفيده البالغ من العمر 16 عاماً، ليبلغ جده أن الدكتور معاوية تعرض لإطلاق نار، وأصابته رصاصة في فخذه من أحد المتقاتلين، فانهار الوالد من هول المصيبة. وقال شقيق معاوية لـ«الشرق الأوسط»: «كان شقيقي يحاول دفع تذاكر (الباص) عبر أحد تطبيقات الدفع الإلكتروني، وأثناء محاولاته، وبسبب ثقل التطبيق والأعطال التي أصابت النظام المصرفي، أصيب معاوية برصاصة في فخذه دون غيره من المسافرين».
وأشار الأخ المكلوم إلى أن بعض الموجودين بالميناء حاولوا إسعاف شقيقه، فتنقلوا بين 4 مستشفيات، وجدوها خارج الخدمة بسبب الاعتداءات على المستشفيات، أو انقطاع التيار الكهربائي، وبعد أن فشلوا في إيجاد مشفى عادوا به إلى «مسجد الميناء البري، فظل ينزف حتى فارق الحياة». وقال: «توفي شقيقي ولم نتمكن من الصلاة عليه، أو نلقي عليه النظرة الأخيرة»، إذ تم أخذه إلى مدفن غير معلوم، وتُرك أبناؤه يعيشون حالة نفسية سيئة، فقد شهدوا بشاعة إطلاق النار عليه، ثم فجعهم خبر وفاته.
وفي اليوم الثاني من المعركة، أصيب يوسف الصادق، الموظف بوزارة التعليم العالي بصدمة، نتيجة مضاعفات مرض السكري. ويقول زميله عز الدين بيلو لـ«الشرق الأوسط»: «طفنا به على عدد من المستشفيات بالعاصمة؛ لكنها أيضاً كانت خارج الخدمة، بعد ذلك قررت أسرته الذهاب به إلى منطقة فداسي على بعد نحو 150 كيلومتراً، علَّهم يجدون دواء لعلاجه؛ لكنه فارق الحياة دون وداع أسرته»، وأضاف: «هذه الحرب اللعينة التي حصدت أرواح شعب السودان يجب أن تتوقف، وعلى الفور».
وأدى استمرار الحرب إلى انهيار النظام الصحي في السودان، وتبعاً لذلك خرجت مستشفيات كثيرة من الخدمة في البلاد، نتيجة للقصف المباشر بالأسلحة الثقيلة الذي تعرض له بعضها، وهو ما أكده سكرتير نقابة أطباء السودان، الطبيب عطية عبد الله، بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «فقد مواطنون حياتهم لعدم توفر الدواء، أو لأنهم لم يجدوا سبيلاً للذهاب إلى المراكز والمستشفيات للحصول على الخدمة الطبية». وقال سكرتير نقابة أطباء السودان، إن الوفيات بلغت 265 حالة، بينما بلغ عدد الجرحى 1454 جريحاً؛ مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة غير مشمولة في الحصر لأنها لم تصل إلى المستشفيات؛ خصوصاً في مدينة الأبيض بغرب البلاد التي شهدت قتالاً ضارياً بالأسلحة الثقيلة؛ لكن في آخر تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، فاق عدد القتلى الـ400، بينما بلغ عدد الجرحى أكثر من 3550 جريحاً.
وشهدت المنطقة الواقعة غرب جسر المك نمر وسط الخرطوم اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» طوال الأيام الماضية، أسفرت عن مقتل وإصابة مواطنين، واضطر سكانها إلى الفرار خارج الخرطوم بحثاً عن مكان آمن. وقال أحد ذوي الضحايا، وهو سياسي بارز طلب عدم ذكر اسمه، إن حالة من الخوف أصابت العائلة، إثر سقوط عدد من القذائف المدفعية في منزل أسرته وسط الخرطوم، وأدت لإصابة عدد من الأفراد تراوحت إصابتهم بين خطيرة ومتوسطة، وألحقت بالمنزل دماراً كبيراً.
وأصيبت طفلة بطلق ناري في البطن بعد لحظات من بداية المعركة، فوجدت الأسرة نفسها أمام خيارين، إما أن تترك الطفلة تنزف وإما أن تذهب بها إلى المستشفى تحت وابل الرصاص والأسلحة الثقيلة، فاختارت الخيار الأخير وغامرت بحياتها، ولطف الله بالطفلة، فأجريت لها جراحة وأخرجت الرصاصة ونجت. وكانت شقيقة الطفلة قد أصيبت بكسر في يدها وبجروح متفاوتة، نتجت عن سقوط أحد الأبواب بفعل الانفجار، فتجرعت الأسرة مأساتها؛ لكن الطفلة لا تزال تعيش المأساة والذعر والهلع.
وأثار القتال العنيف والموت الذي يحيط بالجميع حالة من الخوف بين المواطنين، ما جعلهم يحاولون الفرار بأي طريقة، على الرغم من المخاطر الناجمة عن المحاولة. ونتيجة لهذه الحالة، غرق أمس 13 شخصاً حاولوا الفرار مستقلين قارباً مهترئاً لعبور النيل الأبيض في الخرطوم.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

المدن المصرية الجديدة... «إقبال محدود» رغم تقديرات حكومية بـ«إشغال تدريجي»

بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)
بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)
TT

المدن المصرية الجديدة... «إقبال محدود» رغم تقديرات حكومية بـ«إشغال تدريجي»

بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)
بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)

مع التوسع العمراني الملحوظ في مصر لتخفيف الضغط على التكتلات السكانية القديمة في ظل الزيادة المستمرة بأعداد السكان، طُرحت تساؤلات بشأن قدرة المدن الجديدة على أن تكون بيئة جاذبة للمواطنين، مع وجود دراسات أشارت إلى «فجوات بين المستهدفات السكانية وأعداد المقيمين فعلياً».

وقدم عضو مجلس النواب ياسر الهضيبي سؤالاً إلى كل من وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية راندا المنشاوي، ووزير العمل حسن رداد، «بشأن جدوى الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في المدن الجديدة على مدار 50 عاماً»، مشيراً إلى عدد من «مدن الجيل الرابع» بينها العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) وأكتوبر الجديدة (جنوب القاهرة) والعلمين الجديدة (شمال)، حققت حتى الآن أقل من 1 في المائة من مستهدفاتها السكانية.

واستند الهضيبي في سؤاله البرلماني، إلى نتائج دراسة حديثة أجراها «المركز المصري للدراسات الاقتصادية»، خلُصت إلى أن معدلات الإشغال في عدد من المدن الأقدم، تتراوح بين 5 في المائة و20 في المائة من الأعداد المستهدفة، رغم مرور سنوات وعقود على إنشائها.

وتؤشر تقديرات الحكومة إلى أن هناك إشغالاً تدريجياً مرتقباً خلال السنوات المقبلة، وتشير «هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة» (حكومية تتبع وزارة الإسكان)، إلى أن «المدن الجديدة تستهدف مواجهة الزيادة السكانية المرتقبة، وإنقاذ القاهرة والمحافظات من كارثة حقيقية تهددها وتتمثل في التكدس المروري».

وبحسب تصريحات تلفزيونية سابقة لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة» خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن»، متوقعاً وصول العدد بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص.

وتتضمن خطط الحكومة بشأن المحاور المرتبطة بالمدن الجديدة، تحقيق أهداف «إعادة توزيع السكان عن طريق إعداد مناطق جذب مستحدثة خارج نطاق المدن والقرى القائمة مع زيادة معدلات التنمية وتشجيع السكان على الانتقال والاستثمار في المدن الجديدة»، وفق بيان لوزارة الإسكان.

وأنشأت الحكومات المتتابعة منذ عام 1979، نحو 49 مدينة جديدة على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان، وبطاقة استيعابية تزيد على 27 مليون نسمة، لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا وخلق مجتمعات عمرانية جديدة للسكن والعمل والاستثمار، بحسب «المركز المصري للدراسات الاقتصادية».

وتشير الحكومة المصرية إلى أنها «حققت طفرة عمرانية كبرى رغم التحديات الاقتصادية والنمو السكاني، حيث توسعت في إنشاء المدن الجديدة ومشروعات البنية الأساسية، ما أسهم في مضاعفة مساحة المعمور المصري من نحو 7 في المائة عام 2014 إلى 14 في المائة بنهاية عام 2024، بهدف إعادة توزيع السكان وتخفيف الضغوط عن المدن القائمة وخلق مراكز تنموية جديدة».

توسع عمراني مصري نجح في تدشين البنايات السكنية وبحاجة لمزيد من التسويق لشغلها (وزارة الإسكان المصرية)

خبير «التطوير الحضاري والتنمية المستدامة»، الدكتور الحسين حسان، يشير إلى أن «تراجع التوطين في المدن الجديدة يرجع إلى ضعف آليات التسويق من جانب الحكومة، وضآلة المبادرات التي تحفز المواطنين للانتقال إليها، وعدم ملاءمة أسعار العقارات مع متوسط الأجور لدى غالبية المواطنين»، مضيفاً: «من الممكن أن يتحقق الجذب في بعض الوحدات التي ينفذها (الإسكان الاجتماعي) وهو موجه لمحدودي الدخل، لكن ذلك لا يكفي لتعمير المدن وشغلها بالسكان».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أسعار المواصلات تعد عاملاً مهماً أيضاً؛ إذ إن التنقل داخل المدن القديمة، إذا قسنا ذلك على العاصمة القاهرة، يبقى أقل كثيراً من الانتقال إلى مدينة جديدة»، مشيراً إلى أن الحكومة «وفرت بالفعل وسائل مواصلات، لكنها لا تناسب قطاعات كبيرة من المواطنين بسبب أسعارها، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطعام والشراب مقارنة بالمدن القديمة»، وفقاً لحسان الذي أشار إلى أن «استمرار بقاء فرص العمل المركزية بالمدن القديمة، يُصعّب من مهمة الجذب».

وبحسب الدراسة الأخيرة لـ«المركز المصري للدراسات الاقتصادية»، فإنه خلال الربع الأول من العام الحالي، تم تسجيل نحو 15 ألف وظيفة شاغرة معلن عنها في محافظة القاهرة، مقابل نحو 240 وظيفة فقط في 6 محافظات؛ هي: «المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف» (جنوب)، بفارق يتجاوز 60 ضعفاً.

مدن عمرانية جديدة بانتظار السكان (وزارة الإسكان المصرية)

ولا يرتبط تراجع الإشغال على المدن التي أنشاتها الحكومة المصرية خلال العقد الأخير، بل إن مدن الجيل الأول التي تم تأسيسها في نهاية سبعينات القرن الماضي، تعاني الأزمة ذاتها، وفقاً لأستاذ التخطيط العمراني بـ«جامعة عين شمس»، الدكتور محمد جبر، مشيراً إلى أن «المواطن لا يحتاج فقط توفر البنايات السكنية، ولكن أيضاً فرص العمل والخدمات التجارية والترفيهية».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تخطيط المدن «يرتبط بصورة وثيقة بمفهومي الجذب والطرد، فالقاهرة، على سبيل المثال، كانت تمثل عامل طرد نتيجة الزيادة السكانية والضغوط العمرانية، بينما لم تكن المدن الجديدة قادرة بالقدر الكافي على خلق عوامل جذب موازية تتمثل في فرص العمل والخدمات والأنشطة الاقتصادية، وهو ما أدى إلى استمرار ارتباط السكان بمراكز عمرانية أخرى».

و«استطاعت المدن التي ظهرت في صورة أكثر ارتباطاً بالنشاط الصناعي، تحقيق قدر أكبر من الجذب، لأن النشاط الاقتصادي وفر قاعدة للوظائف. ومن هنا، فإن التفكير في المدن الجديدة كان يجب أن يقوم منذ البداية على إنشاء ظهير اقتصادي وإنتاجي يوفر فرصاً رئيسية للسكان، وليس الاكتفاء بإنشاء ظهير سكني»، بحسب جبر.

وأوضح أن «إعادة رسم الحدود الإدارية للمحافظات والأقاليم، إذا تمت وفق رؤية تنموية متكاملة، يمكن أن تساعد في بناء أقاليم أكثر قدرة على استغلال مواردها، بحيث يتوافر داخل كل إقليم مزيج من فرص الاستثمار والعمل والخدمات، بدلاً من إنشاء تجمعات سكنية منفصلة عن محيطها الاقتصادي».


مصر تنفي مقايضة قناة السويس بالديون

هبّة شعبية ضد مقترح لمقايضة قناة السويس لتسوية الديون (هيئة قناة السويس)
هبّة شعبية ضد مقترح لمقايضة قناة السويس لتسوية الديون (هيئة قناة السويس)
TT

مصر تنفي مقايضة قناة السويس بالديون

هبّة شعبية ضد مقترح لمقايضة قناة السويس لتسوية الديون (هيئة قناة السويس)
هبّة شعبية ضد مقترح لمقايضة قناة السويس لتسوية الديون (هيئة قناة السويس)

نفت الحكومة المصرية، الأحد، طرح قناة السويس ضمن أي صفقات لتصفية الدين، إثر جدل واسع حول مقترح رجل الأعمال حسن هيكل، بنقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى «البنك المركزي المصري»، مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية للحكومة، فيما يعُرف بـ«المقايضة الكبرى».

وقالت الحكومة في بيان، إن «قناة السويس ليست محلاً لأي مقترح من هذا النوع، ولا توجد أي توجهات لدى الحكومة لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات».

وقُدر الدين الخارجي المصري بنحو 164.8 مليار دولار

بنهاية الربع الأول من عام 2026، في حين سجل الدين المحلي 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار)، وفق وزارة التخطيط المصرية.

ولا يعد مقترح «المقايضة الكبرى» بالجديد، إذ يردده هيكل منذ نحو عام ونصف العام، بوصفه حلاً لأزمة الديون، وإتاحة فرصة أمام الحكومة للإنفاق على التعليم والصحة، بدلاً من استهلاك معظم موارد الدولة لسد فوائد الدين.

ويأتي حديثه هذه المرة بعد اتفاق نهائي لتسوية ديون «اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري» (ماسبيرو)، في 27 أغسطس (آب) الحالي، حين عُقدت صفقة بين «الهيئة الوطنية للإعلام» و«بنك الاستثمار العربي»، لتصفية ديون «ماسبيرو»، من خلال تنازل البنك عن الفوائد، ونقل ملكية بعض الأراضي والأصول التابعة لـ«ماسبيرو» للبنك، وسددت الحكومة باقي المبلغ لغلق ملف ديون الهيئة وإتاحة الفرصة للتطوير.

الرئيس السيسي يوجه الحكومة و«البنك المركزي» بزيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

واستغل هيكل الصفقة الأخيرة، ليعيد طرح فكرته، على أساس أن ما حدث مع «ماسبيرو» هو ما يدعو إليه، ووصفه بـ«المقايضة الصغرى»، قائلاً عبر «إكس»، السبت: «صفّرت الدولة الديون على ماسبيرو عن طريق مقايضة أصول (أراض بشكل أساسي) مع نقل الدين على ماسبيرو إلى بنك الاستثمار القومي، ما يعني مقايضة أصول بنقل دين بين مؤسستين للدولة».

وأضاف هيكل: «استبدل كلمة ماسبيرو بالدولة، والبنك المركزي ببنك الاستثمار القومي، والأراضي بملكية الدولة في الشركات العامة أو حتى قناة السويس، وسينتج تصفير الدين العام»، وهنا انفجر الجدل حول «المقايضة الكبرى»، ليشمل سياسيين ومواطنين ممن هاجموا هيكل واتهموه بمحاولة «المساس بمرفق يمس الأمن القومي وله رمزية كبيرة».

وشمل الهجوم الحكومة، على أساس أن هيكل ضمن أعضاء «اللجنة الاستشارية للاقتصاد الكلي» التي تأسست في يناير (كانون الثاني) 2025، ما استدعى تبرؤ الحكومة من «المقايضة الكبرى»، مؤكدة أن الموقف في صفقة «ماسبيرو» مختلف، وأن «الفكرة المقترحة تعبر عن رأي صاحبها»، الذي وصفته بأنه «من الشخصيات العامة».

واستدعى منتقدو هذا المقترح، الدماء التي سالت في حفر قناة السويس، وفي قرار تأميمها، متعجبين من صدوره من نجل الكاتب محمد حسنين هيكل، الذي كان عرّاباً لنظام الرئيس جمال عبد الناصر صاحب قرار «تأميم القناة».

وقال أستاذ الاقتصاد في «جامعة الإسكندرية» عاطف ويليام، لـ«الشرق الأوسط»، إن المقترح «غير ذي جدوى اقتصادياً، فهو لن يخفض قيمة الديون الكلية على مصر بالأساس، كما أن البنك المركزي مهمته وضع السياسة المالية والحفاظ على قيمة العملة المحلية، وليس إدارة الأصول فهو غير مؤهل لذلك»، عادّاً أن «الهبّة التي حدثت بعد المقترح طبيعية للدفاع عن مرفق حيوي ومهم مثل القناة».

وهاجمت أستاذة الاقتصاد في «جامعة القاهرة» علياء المهدي، المقترح، مشيرة إلى أن حسن هيكل كان واحداً من أنجب طلابها، لكنها تتعجب من طرحه، متسائلة: «أين حسك الوطني، واحترامك لواحد من أهم أصول الدولة، هل بمنتهى السهولة تتكلم عن بيع القناة وكأنك تتكلم عن بيع سيارة أو شقة؟».

وتابعت، عبر «فيسبوك»: «حتى لو افترضنا جدلاً، ووافقناك الرأي، هل بهذه الطريقة يتم تصفير الديون؟ أم بالعمل الجاد نحو نمو الناتج وتنمية الاقتصاد».

«البنك المركزي المصري» وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وكانت الحكومة أشارت في بيانها، إلى أن «أفكاراً تتعلق بمقايضة مثل هذه الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة في إطار دراسة البدائل المختلفة لإدارة وخفض الدين العام وتكلفة خدمته، وقد انتهت الدراسة إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور، وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام، إذ إن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل».

وثمّن الخبير الاقتصادي أنور النقيب بيان مجلس الوزراء، قائلاً عبر «فيسبوك»، إنه «وضع النقاط فوق الحروف، وحسم الأمر بشكل أكثر من محترف، في وقت جد لا يمكن فيه السماح بالهزل. لأن الأوضاع الاقتصادية لا تحتمل مثل هذه المبادرات غير المعقولة».

وطالب عضو مجلس النواب ضياء الدين داود، الحكومة «بإقالة هيكل من اللجنة الاستشارية، بعد آرائه المثيرة للغط»، عادّاً أن كونه «محسوباً على الحكومة بشكل أو آخر، يفاقم من الأزمة الأخيرة». وشدّد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، على «رفضه الشديد لمقترحه، والمساس بالقناة بأي شكل».

ولم تثنِ موجات الهجوم هيكل عن رأيه، إذ ردّ، عقب نحو ساعة من بيان الحكومة، قائلاً عبر «إكس»، إنه «ليس مستشاراً للحكومة»، وتابع أن «الحكومة طبقت المقايضة في ماسبيرو، فالقول بأنها غير مجدية مش متأكد منه لأنه تم تطبيق الأمر بالفعل».

واستكمل: «أنا أطالب بنقل ملكية بعض الشركات العامة من وزارة المالية للبنك المركزي. أي الجهة التي نأتمنها على احتياطي نقدي يفوق 50 مليار دولار، وعلى جهاز مصرفي، وعلى الودائع، فهل لا نأتمنها على ملكية بعض أصول البلد؟».

وتابع: «إذا كانت الحساسية مرتبطة بقناة السويس، فممكن ملكيات أخرى»، منوهاً في تعليق آخر بأنه قد يخرج للظهور ليشرح فكرته علناً.

وانتقد الخبير الاقتصادي علي الإدريسي موجة الهجوم الواسعة على هيكل، التي وصلت حد «التخوين»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يطرحه رأي، وفكرة اقتصادية لنا أن نقبلها أو نرفضها، لكن ما يتعرض له من هجوم يتجاوز ذلك». وأضاف الإدريسي أنه لا يتبنى وجهة نظر هيكل، ويرى في المقابل «أن أزمة الدين تحتاج في البداية إلى وقف القروض الجديدة، وضبط عملية الاستدانة، ووضع أولويات تمضي عليها الوزارات كافة».


تسرب من تكييف سيارة يتسبب في وفاة أسرة بالقاهرة

الوفاة يُرجح أن تكون ناجمة عن استنشاق كميات كبيرة من غاز الفريون نتيجة تسربه من نظام تكييف السيارة (أرشيفية - رويترز)
الوفاة يُرجح أن تكون ناجمة عن استنشاق كميات كبيرة من غاز الفريون نتيجة تسربه من نظام تكييف السيارة (أرشيفية - رويترز)
TT

تسرب من تكييف سيارة يتسبب في وفاة أسرة بالقاهرة

الوفاة يُرجح أن تكون ناجمة عن استنشاق كميات كبيرة من غاز الفريون نتيجة تسربه من نظام تكييف السيارة (أرشيفية - رويترز)
الوفاة يُرجح أن تكون ناجمة عن استنشاق كميات كبيرة من غاز الفريون نتيجة تسربه من نظام تكييف السيارة (أرشيفية - رويترز)

تحقق الأجهزة الأمنية في القاهرة في ملابسات العثور على جثث 3 أفراد من أسرة واحدة داخل سيارة خاصة كانت متوقفة على جانب الطريق الدائري في منطقة مصر القديمة.

أظهرت المعاينات الأولية والفحوص الطبية أن وفاة أفراد الأسرة الثلاثة يُرجح أن تكون ناجمة عن الاختناق بسبب تسرب غاز من نظام تكييف السيارة.

وكانت غرفة عمليات شرطة قد تلقت بلاغاً من مارة يفيد بوجود سيارة خاصة متوقفة منذ مدة طويلة على جانب الطريق الدائري في اتجاه مصر القديمة، وبداخلها أشخاص لا يستجيبون.

وانتقلت الأجهزة الأمنية وسيارة إسعاف على الفور إلى الموقع، حيث عُثر على جثث رجل وزوجته وابنتهما داخل السيارة المغلقة، من دون وجود علامات ظاهرة تشير إلى شبهة جنائية أو آثار عنف على الجثث.

نتائج المعاينة الأولية

أشارت المعاينة الفنية الأولية للسيارة والفحص الطبي للضحايا إلى أن الوفاة يُرجح أن تكون ناجمة عن استنشاق كميات كبيرة من غاز الفريون نتيجة تسربه من نظام تكييف السيارة في أثناء توقفها؛ ما أدى إلى اختناق أفراد الأسرة داخل مقصورة السيارة المغلقة.

وأمرت النيابة العامة بنقل الجثث إلى مصلحة الطب الشرعي لإجراء التشريح، وتحديد سبب الوفاة، وإعداد تقرير طبي شرعي.

كما استُدعي خبراء فنيون لفحص السيارة، وتحديد طبيعة العطل الفني ومصدر التسرب، بينما كلفت النيابة العامة أجهزة البحث الجنائي بالتحري عن ملابسات الواقعة، واستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.