إجراءات صارمة في السلفادور ضد الجرائم.. والعصابات تتكاثر

اقتصاد البلاد ليس قادرًا على خلق الوظائف المطلوبة لتوفير البديل لأفراد العصابات

جندي من القوات الخاصة يحرس واحدة من الحافلات التي تدور في سان سلفادور (أ.ف.ب)
جندي من القوات الخاصة يحرس واحدة من الحافلات التي تدور في سان سلفادور (أ.ف.ب)
TT

إجراءات صارمة في السلفادور ضد الجرائم.. والعصابات تتكاثر

جندي من القوات الخاصة يحرس واحدة من الحافلات التي تدور في سان سلفادور (أ.ف.ب)
جندي من القوات الخاصة يحرس واحدة من الحافلات التي تدور في سان سلفادور (أ.ف.ب)

لقي سبعة من سائقي الحافلات حتفهم خلال أربعة أيام في السلفادور وذلك ضمن أعمال عنف تشهدها البلاد؛ إذ كشف أحد عمال المشرحة أن أحد الضحايا تلقى 224 طعنة في جسده.
وتدور السلفادور في دوامة من العنف المستمر بمستويات لم تشهد البلاد لها مثيلا منذ الحرب الأهلية التي اندلعت في الثمانينات. وارتفعت معدلات القتل في حين تكافح الحكومة لبسط سيطرتها على عصابات الجريمة القوية التي تسيطر فعليا على الأحياء في كثير من المدن والبلدات في الدولة.
وفي هجوم بدأ مع بداية العام الحالي (يعد آخر مواجهة من سلسلة المواجهات التي تعود لعقود من الكفاح والنضال لكبح جماح الجريمة) اندفعت قوات الشرطة إلى عمق الأحياء الفقيرة التي تحتلها العصابات الإجرامية، وتتكاتف هناك ثلاث وحدات من قوات النخبة الشرطية استعدادا للانخراط في المعركة التي تتخذ من شوارع المدن ميدانا لها ولأول مرة، إلا أن تلك الاستراتيجية رجعت بنتائج عكسية وتصاعدت وتيرة العنف.
وفي يونيو (حزيران) الماضي لقي 677 مواطنا حتفهم - وهو ضعف من لقوا حتفهم من المواطنين في المواجهات التي اندلعت قبل ستة أشهر هناك - في دولة يزيد تعداد سكانها على ستة ملايين نسمة بقليل، فيما تعرض أكثر من 300 فرد من أفراد العصابات للقتل على يد قوات الشرطة منذ بداية هذا العام.
وتصاعدت معدلات القتل في السلفادور في الوقت الذي تكافح فيه قوات الشرطة المحلية لكبح جماح العصابات الإجرامية القوية.
وتمكنت تلك العصابات من اغتيال نحو 50 عنصرا من الشرطة بين ضباط وجنود. وعلى الرغم من تراجع معدلات القتل المسجلة في يوليو (تموز) الماضي، فإن تلك العصابات شرعت في عرض مرعب لقوتها في نهاية الشهر ذاته، وذلك عندما وجهت الأوامر لشركات الحافلات بإيقاف الخدمة والتسبب في شلل وسائل النقل العامة في العاصمة، سان سلفادور. ولتأكيد طلباتهم المذكورة عمدت العصابات إلى اغتيال سبعة من سائقي الحافلات العامة.
وفي قلب ذلك الصراع الدامي، تقع كبرى عصابات السلفادور قاطبة، عصابة «مارا سالفاتروشا» المعروفة اختصارا باسم «إم إس 13» وفصيلان من عصابة «باريو 18»، التي تدير أعمالا إجرامية مستقلة.
ويقاتل الصغار من أتباع هاتين العصابتين سعيا وراء أهون الغنائم، ويقتل بعضهم بعضا، كما يقتلون من يقاومهم وأي شخص يتعثر في تبادل لإطلاق النار بين الجانبين.
يوجد أعضاء العصابات في كل مكان في الأحياء؛ حيث يزرعون الخوف والرعب بين المواطنين، ويقتاتون على ابتزاز أصحاب المحلات وسائقي الشاحنات، ويبيعون المواد المخدرة، كما يطردون من يشتبهون في أنهم عملاء للشرطة خارج منازلهم، ويعملون على حماية مواقعهم بمنتهى الشدة، حتى إن الأطفال الذين يعيشون في منطقة إحدى العصابات لا يجرؤون على العبور إلى منطقة العصابة الأخرى لمجرد الذهاب إلى المدرسة.
وتهدف الحملة الحكومية الحالية إلى طرد العصابات وأفرادها خارج تلك الأحياء، والشرطة - حال اندفاعهم داخل الأحياء المكتظة للغاية بالسكان لاعتقال المجرمين والمشتبه بهم - تملك تفويضا مطلقا لإطلاق النار دفاعا عن النفس وفقا لقواعد الاشتباك التي أعلنتها الحكومة هناك.
ويقول باولو لويرس، وهو كاتب صحافي ساعد في مفاوضات الهدنة مع العصابات في عام 2012، إن «محرك العنف الآن هو الصراع القائم بين الدولة والعصابات».
وصرح الرئيس السلفادوري سانشيز سيرين في أبريل (نيسان) الماضي أن «ما يقرب من 30 في المائة من حالات القتل التي وقعت في مارس (آذار) الماضي شملت أفراد العصابات الذين سقطوا في المناوشات مع قوات الشرطة».
وعلى الرغم من أن حملة الرئيس تحظى بشعبية في البلاد من الناحية السياسية، فإن عددا متزايدا من الأصوات بدأ في التحذير من الانتهاكات التي تنال من الأبرياء الذين يلقي بهم حظهم العاثر في مداهمات الشرطة. وخرجت تقارير تفيد بأن قوات الشرطة تعمد إلى قتل المشتبه بهم من أفراد العصابات.
وتقول الجامعة الأميركية المركزية التي تديرها الطائفة اليسوعية هناك: «انتهاكات حقوق الإنسان الحالية ضمن مداهمات الشرطة ستؤدي إلى دائرة عنف مفرغة لن يسهل أبدا الفكاك منها».
وفي الشوارع، يدفع الضباط بأنهم لا يزالون في حاجة إلى مزيد من المرونة لمواجهة العصابات التي صارت أفضل تسليحا عن ذي قبل. ويقول صامويل هيرنانديز، وهو ضابط شرطة في إحدى الدوريات المسائية الأخيرة: «إننا مقيدون بحقوق الإنسان».
وبرزت العصابات إلى سطح الأحداث عقب اتفاقية السلام المبرمة في عام 1992، التي أنهت حالة الحرب بين المتمردين اليساريين والجيش الوطني المدعوم من الولايات المتحدة، ولكن الاتفاقية أخفقت في التعامل مع حالة اللامساواة الضاربة بجذورها في أعماق البلاد؛ حيث جلب زعماء عصابات السلفادور المرحلين من مدينة لوس أنجليس الأميركية، مختلف الأساليب الإجرامية ونقلوها إلى الشباب الفقير الذين وجدوا ضالتهم في سبل البقاء على قيد الحياة من خلال تلك العصابات. وفشلت الحملات الحكومية السابقة في بدايات القرن الحالي، والمعروفة باسم «القبضة الحديدية» ثم «القبضة الحديدية المركزة»، في تفكيك هياكل تلك العصابات ونجحت فقط في إشعال وتيرة العنف المتزايد.
وفي جزء من الاتفاقية المذكورة، نقلت حكومة السلفادور زعماء العصابات إلى سجون ضعيفة الحراسة، وفيها استمر كثير منهم في إدارة أعمالهم الإجرامية عن طريق الهواتف الجوالة. وانتهى ذلك الوضع في فبراير (شباط) الماضي عندما أمرت الحكومة بإعادة ترحيل زعماء العصابات إلى سجون شديدة الحراسة وفصلت بينهم وبين معاونيهم في الخارج.
ويلقي بعض المحللين باللائمة في ذلك على الهدنة التي عقدتها الحكومة السابقة مع تلك العصابات؛ حيث إنها أظهرت أنه يمكن استخدام تلك العصابات لها كأداة داعمة لمطالبهم السياسية. ويقول عن ذلك هنري كامبوس، أستاذ القانون لدى الجامعة الأميركية المركزية والمسؤول الأمني السابق، إن الارتفاع المسجل في جرائم القتل ليس إلا تكتيكا من جانب العصابات لدفع الحكومة إلى التفاوض.
ولكن في رسالة خطية مهربة خارج أحد السجون شديدة الحراسة وموجهة إلى إحدى المجموعات الاستشارية الوطنية ومكتب وزير العدل في البلاد، وجه زعماء العصابات الاتهامات إلى الحكومة قائلين إن الحملة الأخيرة قد زادت من وتيرة عنف العصابات على نحو غير متناسب، وطالبوا بفتح حوار مع منظمات المجتمع المدني.
وتقول الحكومة إن تلك الحملة جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين التعليم وخلق فرص العمل في أكثر المجتمعات عنفا في البلاد، وإعادة تأهيل أفراد العصابات، وتعزيز سيادة القانون.
وخارطة الطريق الخاصة بتلك الاستراتيجية تشتمل على خطة طموحة بقيمة 2.1 مليار دولار بمساعدة القطاع الخاص، والكنائس، والمجموعات الداعمة.
ولكن اقتصاد السلفادور المنهك ليس بمقدوره خلق الوظائف المطلوبة لتوفير البديل الحقيقي لأفراد العصابات؛ حيث يتراوح النمو حول نقطتين مئويتين فقط لعدة سنوات. والتحويلات النقدية من مواطني السلفادور في الولايات المتحدة تصل إلى 17 في المائة فقط من الدخل القومي، ونصف قوة العمل الوطنية قابع في الاقتصاد غير الرسمي بالبلاد.
ومن غير الواضح من أين ستأتي تلك الأموال المطلوبة؛ فنظام جباية الضرائب في السلفادور يحوي كثيرا من الثغرات، وكثير من أصحاب الأعمال المحافظين في القطاع الخاص يفضلون القيام بالمبادرات الخيرية الخاصة بهم على الانضمام إلى برنامج كبير تشرف عليه حكومة يسيطر عليها المتمردون اليساريون السابقون.
* خدمة «نيويورك تايمز»



ما دلالة تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً»؟

محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

ما دلالة تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً»؟

محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)

دفع تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً» إلى تساؤلات حول تأثير القرار على مستقبل التنظيم وعناصره. يأتي هذا في ظل تصاعد الصراع بين «قيادات (الإخوان) في الخارج» حول قيادة التنظيم. وقال باحثون في الحركات المتطرفة والإرهاب إن «قرار باراغواي أشار إلى ارتباط (الإخوان) بـ(تنظيمات الإرهاب)، وقد يدفع القرار دولاً أخرى إلى أن تتخذ قرارات مماثلة ضد التنظيم».
ووافقت اللجنة الدائمة بكونغرس باراغواي على «اعتبار (الإخوان) (تنظيماً إرهابياً) يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، ويشكل انتهاكاً خطيراً لمقاصد ومبادئ الأمم المتحدة». جاء ذلك في مشروع قرار تقدمت به ليليان سامانيغو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس المكوّن من 45 عضواً. وقال البرلمان في بيان نشره عبر موقعه الإلكتروني (مساء الخميس) إن «تنظيم (الإخوان) الذي تأسس في مصر عام 1928، يقدم المساعدة الآيديولوجية لمن يستخدم (العنف) ويهدد الاستقرار والأمن في كل من الشرق والغرب». وأضاف البيان أن «باراغواي ترفض رفضاً قاطعاً جميع الأعمال والأساليب والممارسات (الإرهابية)».
ووفق تقارير محلية في باراغواي، فإن باراغواي رأت في وقت سابق أن «(حزب الله)، و(القاعدة)، و(داعش) وغيرها، منظمات (إرهابية)، في إطار مشاركتها في الحرب على (الإرهاب)». وقالت التقارير إن «تصنيف (الإخوان) من شأنه أن يحدّ من قدرة هذه الجماعات على التخطيط لهجمات (إرهابية) وزعزعة استقرار الدول». كما تحدثت التقارير عن دول أخرى أقرت خطوات مماثلة ضد «الإخوان» من بينها، روسيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين.
وتصنف دول عربية عدة «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً». وعدّت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية التنظيم «جماعة إرهابية منحرفة» لا تمثل منهج الإسلام. وذكرت الهيئة في بيان لها، نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020، أن «(الإخوان) جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفُرقة، وإثارة الفتنة، والعنف، والإرهاب». وحذّرت حينها من «الانتماء إلى (الإخوان) أو التعاطف مع التنظيم».
كذلك أكد مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أن كل مجموعة أو تنظيم يسعى للفتنة أو يمارس العنف أو يحرّض عليه، هو تنظيم إرهابي مهما كان اسمه أو دعوته، معتبراً «(الإخوان) تنظيماً (إرهابياً)».
وتحظر الحكومة المصرية «الإخوان» منذ عام 2014، وقد عدّته «تنظيماً إرهابياً». ويخضع مئات من قادة وأنصار التنظيم حالياً، وعلى رأسهم المرشد العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا يتعلق معظمها بـ«التحريض على العنف»، صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن «المشدد والمؤبد».
وحسب الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب، فإن «تصنيف باراغواي (الإخوان) يؤكد الاتهامات التي توجَّه إلى التنظيم، بأن تنظيمات العنف خرجت من رحم (الإخوان)، أو أنها نهلت من أفكار التنظيم»، لافتاً إلى أن «قرار باراغواي أشار إلى أن (الإخوان) وفّر الحماية لتنظيمات التطرف التي نشأت في الشرق والغرب». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار بعض الدول العربية في وقت سابق حظر (الإخوان) يعود إلى أمرين؛ الأول أن التنظيم مارس العنف، والآخر أن التنظيم وفّر الحماية لجماعات الإرهاب».
وفي وقت سابق أكدت وزارة الأوقاف المصرية «حُرمة الانضمام لـ(الإخوان)»، مشيرةً إلى أن التنظيم يمثل «الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي». وفي فبراير (شباط) 2022 قالت دار الإفتاء المصرية إن «جميع الجماعات الإرهابية خرجت من عباءة (الإخوان)». وفي مايو (أيار) الماضي، قام مفتي مصر شوقي علام، بتوزيع تقرير «موثق» باللغة الإنجليزية على أعضاء البرلمان البريطاني يكشف منهج «الإخوان» منذ نشأة التنظيم وارتباطه بـ«التنظيمات الإرهابية». وقدم التقرير كثيراً من الأدلة على علاقة «الإخوان» بـ«داعش» و«القاعدة»، وانضمام عدد كبير من أعضاء «الإخوان» لصفوف «داعش» عقب عزل محمد مرسي عن السلطة في مصر عام 2013، كما لفت إلى أذرع «الإخوان» من الحركات المسلحة مثل «لواء الثورة» و«حسم».
وحول تأثير قرار تصنيف باراغواي «الإخوان» على «قيادات التنظيم في الخارج»، أكد الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن «قرار باراغواي سوف يؤثر بالقطع على عناصر التنظيم في الخارج، لأن التنظيم يزعم أنه ينتشر في دول كثيرة حول العالم، ومثل هذا القرار يؤثر على عناصر (الإخوان) الموجودة في باراغواي وفي الدول المجاورة لها، كما أن القرار قد يدفع دولاً أخرى إلى اتخاذ قرار مماثل ضد (الإخوان)».
يأتي قرار باراغواي في وقت يتواصل الصراع بين «قيادات الإخوان في الخارج» حول منصب القائم بأعمال مرشد التنظيم. ويرى مراقبون أن «محاولات الصلح بين جبهتي (لندن) و(إسطنبول) لحسم الخلافات لم تنجح لعدم وجود توافق حول ملامح مستقبل التنظيم». والصراع بين جبهتي «لندن» و«إسطنبول» على منصب القائم بأعمال المرشد، سبقته خلافات كثيرة خلال الأشهر الماضية، عقب قيام إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد «الإخوان» السابق، بحلّ المكتب الإداري لشؤون التنظيم في تركيا، وقيامه بتشكيل «هيئة عليا» بديلة عن «مكتب إرشاد الإخوان». وتبع ذلك تشكيل «جبهة لندن»، «مجلس شورى» جديداً، وإعفاء أعضاء «مجلس شورى إسطنبول» الستة، ومحمود حسين (الذي يقود «جبهة إسطنبول»)، من مناصبهم.


بولوارتي تضع البيرو في مواجهة مع حكومات المنطقة

رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
TT

بولوارتي تضع البيرو في مواجهة مع حكومات المنطقة

رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)

بعد التدهور الأخير في الأوضاع الأمنية التي تشهدها البيرو، بسبب الأزمة السياسية العميقة التي نشأت عن عزل الرئيس السابق بيدرو كاستيو، وانسداد الأفق أمام انفراج قريب بعد أن تحولت العاصمة ليما إلى ساحة صدامات واسعة بين القوى الأمنية والجيش من جهة، وأنصار الرئيس السابق المدعومين من الطلاب من جهة أخرى، يبدو أن الحكومات اليسارية والتقدمية في المنطقة قررت فتح باب المواجهة السياسية المباشرة مع حكومة رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي، التي تصرّ على عدم تقديم موعد الانتخابات العامة، وتوجيه الاتهام للمتظاهرين بأنهم يستهدفون قلب النظام والسيطرة على الحكم بالقوة.
وبدا ذلك واضحاً في الانتقادات الشديدة التي تعرّضت لها البيرو خلال القمة الأخيرة لمجموعة بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي، التي انعقدت هذا الأسبوع في العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس، حيث شنّ رؤساء المكسيك والأرجنتين وكولومبيا وبوليفيا هجوماً مباشراً على حكومة البيرو وإجراءات القمع التي تتخذها منذ أكثر من شهر ضد المتظاهرين السلميين، والتي أدت حتى الآن إلى وقوع ما يزيد عن 50 قتيلاً ومئات الجرحى، خصوصاً في المقاطعات الجنوبية التي تسكنها غالبية من السكان الأصليين المؤيدين للرئيس السابق.
وكان أعنف هذه الانتقادات تلك التي صدرت عن رئيس تشيلي غابرييل بوريتش، البالغ من العمر 36 عاماً، والتي تسببت في أزمة بين البلدين مفتوحة على احتمالات تصعيدية مقلقة، نظراً لما يحفل به التاريخ المشترك بين البلدين المتجاورين من أزمات أدت إلى صراعات دموية وحروب دامت سنوات.
كان بوريتش قد أشار في كلمته أمام القمة إلى «أن دول المنطقة لا يمكن أن تدير وجهها حيال ما يحصل في جمهورية البيرو الشقيقة، تحت رئاسة ديما بولوارتي، حيث يخرج المواطنون في مظاهرات سلمية للمطالبة بما هو حق لهم ويتعرّضون لرصاص القوى التي يفترض أن تؤمن الحماية لهم».
وتوقّف الرئيس التشيلي طويلاً في كلمته عند ما وصفه بالتصرفات الفاضحة وغير المقبولة التي قامت بها الأجهزة الأمنية عندما اقتحمت حرم جامعة سان ماركوس في العاصمة ليما، مذكّراً بالأحداث المماثلة التي شهدتها بلاده إبّان ديكتاتورية الجنرال أوغوستو بينوتشي، التي قضت على آلاف المعارضين السياسيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي.
وبعد أن عرض بوريتش استعداد بلاده لمواكبة حوار شامل بين أطياف الأزمة في البيرو بهدف التوصل إلى اتفاق يضمن الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، قال «نطالب اليوم، بالحزم نفسه الذي دعمنا به دائماً العمليات الدستورية في المنطقة، بضرورة تغيير مسار العمل السياسي في البيرو، لأن حصيلة القمع والعنف إلى اليوم لم تعد مقبولة بالنسبة إلى الذين يدافعون عن حقوق الإنسان والديمقراطية، والذين لا شك عندي في أنهم يشكلون الأغلبية الساحقة في هذه القمة».
تجدر الإشارة إلى أن تشيلي في خضمّ عملية واسعة لوضع دستور جديد، بعد أن رفض المواطنون بغالبية 62 في المائة النص الدستوري الذي عرض للاستفتاء مطلع سبتمبر (أيلول) الفائت.
كان رؤساء المكسيك وكولومبيا والأرجنتين وبوليفيا قد وجهوا انتقادات أيضاً لحكومة البيرو على القمع الواسع الذي واجهت به المتظاهرين، وطالبوها بفتح قنوات الحوار سريعاً مع المحتجين وعدم التعرّض لهم بالقوة.
وفي ردّها على الرئيس التشيلي، اتهمت وزيرة خارجية البيرو آنا سيسيليا جيرفاسي «الذين يحرّفون سرديّات الأحداث بشكل لا يتطابق مع الوقائع الموضوعية»، بأنهم يصطادون في الماء العكر. وناشدت المشاركين في القمة احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، والامتناع عن التحريض الآيديولوجي، وقالت «يؤسفني أن بعض الحكومات، ومنها لبلدان قريبة جداً، لم تقف بجانب البيرو في هذه الأزمة السياسية العصيبة، بل فضّلت تبدية التقارب العقائدي على دعم سيادة القانون والنصوص الدستورية». وأضافت جيرفاسي: «من المهين القول الكاذب إن الحكومة أمرت باستخدام القوة لقمع المتظاهرين»، وأكدت التزام حكومتها بصون القيم والمبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، رافضة أي تدخّل في شؤون بلادها الداخلية، ومؤكدة أن الحكومة ماضية في خطتها لإجراء الانتخابات في الموعد المحدد، ليتمكن المواطنون من اختيار مصيرهم بحرية.
ويرى المراقبون في المنطقة أن هذه التصريحات التي صدرت عن رئيس تشيلي ليست سوى بداية لعملية تطويق إقليمية حول الحكومة الجديدة في البيرو بعد عزل الرئيس السابق، تقوم بها الحكومات اليسارية التي أصبحت تشكّل أغلبية واضحة في منطقة أميركا اللاتينية، والتي تعززت بشكل كبير بعد وصول لويس إينياسيو لولا إلى رئاسة البرازيل، وما تعرّض له في الأيام الأخيرة المنصرمة من هجمات عنيفة قام بها أنصار الرئيس السابق جاير بولسونارو ضد مباني المؤسسات الرئيسية في العاصمة برازيليا.


واشنطن: مادورو غير شرعي

نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
TT

واشنطن: مادورو غير شرعي

نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)

قالت الولايات المتحدة اليوم (الثلاثاء)، إنها ما زالت ترفض اعتبار نيكولاس مادورو الرئيس الشرعي لفنزويلا، وتعترف بسلطة الجمعية الوطنية المُشَكَّلة عام 2015 بعد أن حلت المعارضة «حكومتها المؤقتة».
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس للصحافيين: «نهجنا تجاه نيكولاس مادورو لا يتغير. إنه ليس الرئيس الشرعي لفنزويلا. نعترف بالجمعية الوطنية المُشَكَّلة عام 2015»، وفق ما أفادت به وكالة الصحافة الفرنسية.
ولدى سؤاله عن الأصول الفنزويلية، ولا سيما شركة النفط الفنزويلية في الولايات المتحدة، قال برايس إن «عقوباتنا الشاملة المتعلقة بفنزويلا والقيود ذات الصلة تبقى سارية. أفهم أن أعضاء الجمعية الوطنية يناقشون كيف سيشرفون على هذه الأصول الخارجية».