لقي سبعة من سائقي الحافلات حتفهم خلال أربعة أيام في السلفادور وذلك ضمن أعمال عنف تشهدها البلاد؛ إذ كشف أحد عمال المشرحة أن أحد الضحايا تلقى 224 طعنة في جسده.
وتدور السلفادور في دوامة من العنف المستمر بمستويات لم تشهد البلاد لها مثيلا منذ الحرب الأهلية التي اندلعت في الثمانينات. وارتفعت معدلات القتل في حين تكافح الحكومة لبسط سيطرتها على عصابات الجريمة القوية التي تسيطر فعليا على الأحياء في كثير من المدن والبلدات في الدولة.
وفي هجوم بدأ مع بداية العام الحالي (يعد آخر مواجهة من سلسلة المواجهات التي تعود لعقود من الكفاح والنضال لكبح جماح الجريمة) اندفعت قوات الشرطة إلى عمق الأحياء الفقيرة التي تحتلها العصابات الإجرامية، وتتكاتف هناك ثلاث وحدات من قوات النخبة الشرطية استعدادا للانخراط في المعركة التي تتخذ من شوارع المدن ميدانا لها ولأول مرة، إلا أن تلك الاستراتيجية رجعت بنتائج عكسية وتصاعدت وتيرة العنف.
وفي يونيو (حزيران) الماضي لقي 677 مواطنا حتفهم - وهو ضعف من لقوا حتفهم من المواطنين في المواجهات التي اندلعت قبل ستة أشهر هناك - في دولة يزيد تعداد سكانها على ستة ملايين نسمة بقليل، فيما تعرض أكثر من 300 فرد من أفراد العصابات للقتل على يد قوات الشرطة منذ بداية هذا العام.
وتصاعدت معدلات القتل في السلفادور في الوقت الذي تكافح فيه قوات الشرطة المحلية لكبح جماح العصابات الإجرامية القوية.
وتمكنت تلك العصابات من اغتيال نحو 50 عنصرا من الشرطة بين ضباط وجنود. وعلى الرغم من تراجع معدلات القتل المسجلة في يوليو (تموز) الماضي، فإن تلك العصابات شرعت في عرض مرعب لقوتها في نهاية الشهر ذاته، وذلك عندما وجهت الأوامر لشركات الحافلات بإيقاف الخدمة والتسبب في شلل وسائل النقل العامة في العاصمة، سان سلفادور. ولتأكيد طلباتهم المذكورة عمدت العصابات إلى اغتيال سبعة من سائقي الحافلات العامة.
وفي قلب ذلك الصراع الدامي، تقع كبرى عصابات السلفادور قاطبة، عصابة «مارا سالفاتروشا» المعروفة اختصارا باسم «إم إس 13» وفصيلان من عصابة «باريو 18»، التي تدير أعمالا إجرامية مستقلة.
ويقاتل الصغار من أتباع هاتين العصابتين سعيا وراء أهون الغنائم، ويقتل بعضهم بعضا، كما يقتلون من يقاومهم وأي شخص يتعثر في تبادل لإطلاق النار بين الجانبين.
يوجد أعضاء العصابات في كل مكان في الأحياء؛ حيث يزرعون الخوف والرعب بين المواطنين، ويقتاتون على ابتزاز أصحاب المحلات وسائقي الشاحنات، ويبيعون المواد المخدرة، كما يطردون من يشتبهون في أنهم عملاء للشرطة خارج منازلهم، ويعملون على حماية مواقعهم بمنتهى الشدة، حتى إن الأطفال الذين يعيشون في منطقة إحدى العصابات لا يجرؤون على العبور إلى منطقة العصابة الأخرى لمجرد الذهاب إلى المدرسة.
وتهدف الحملة الحكومية الحالية إلى طرد العصابات وأفرادها خارج تلك الأحياء، والشرطة - حال اندفاعهم داخل الأحياء المكتظة للغاية بالسكان لاعتقال المجرمين والمشتبه بهم - تملك تفويضا مطلقا لإطلاق النار دفاعا عن النفس وفقا لقواعد الاشتباك التي أعلنتها الحكومة هناك.
ويقول باولو لويرس، وهو كاتب صحافي ساعد في مفاوضات الهدنة مع العصابات في عام 2012، إن «محرك العنف الآن هو الصراع القائم بين الدولة والعصابات».
وصرح الرئيس السلفادوري سانشيز سيرين في أبريل (نيسان) الماضي أن «ما يقرب من 30 في المائة من حالات القتل التي وقعت في مارس (آذار) الماضي شملت أفراد العصابات الذين سقطوا في المناوشات مع قوات الشرطة».
وعلى الرغم من أن حملة الرئيس تحظى بشعبية في البلاد من الناحية السياسية، فإن عددا متزايدا من الأصوات بدأ في التحذير من الانتهاكات التي تنال من الأبرياء الذين يلقي بهم حظهم العاثر في مداهمات الشرطة. وخرجت تقارير تفيد بأن قوات الشرطة تعمد إلى قتل المشتبه بهم من أفراد العصابات.
وتقول الجامعة الأميركية المركزية التي تديرها الطائفة اليسوعية هناك: «انتهاكات حقوق الإنسان الحالية ضمن مداهمات الشرطة ستؤدي إلى دائرة عنف مفرغة لن يسهل أبدا الفكاك منها».
وفي الشوارع، يدفع الضباط بأنهم لا يزالون في حاجة إلى مزيد من المرونة لمواجهة العصابات التي صارت أفضل تسليحا عن ذي قبل. ويقول صامويل هيرنانديز، وهو ضابط شرطة في إحدى الدوريات المسائية الأخيرة: «إننا مقيدون بحقوق الإنسان».
وبرزت العصابات إلى سطح الأحداث عقب اتفاقية السلام المبرمة في عام 1992، التي أنهت حالة الحرب بين المتمردين اليساريين والجيش الوطني المدعوم من الولايات المتحدة، ولكن الاتفاقية أخفقت في التعامل مع حالة اللامساواة الضاربة بجذورها في أعماق البلاد؛ حيث جلب زعماء عصابات السلفادور المرحلين من مدينة لوس أنجليس الأميركية، مختلف الأساليب الإجرامية ونقلوها إلى الشباب الفقير الذين وجدوا ضالتهم في سبل البقاء على قيد الحياة من خلال تلك العصابات. وفشلت الحملات الحكومية السابقة في بدايات القرن الحالي، والمعروفة باسم «القبضة الحديدية» ثم «القبضة الحديدية المركزة»، في تفكيك هياكل تلك العصابات ونجحت فقط في إشعال وتيرة العنف المتزايد.
وفي جزء من الاتفاقية المذكورة، نقلت حكومة السلفادور زعماء العصابات إلى سجون ضعيفة الحراسة، وفيها استمر كثير منهم في إدارة أعمالهم الإجرامية عن طريق الهواتف الجوالة. وانتهى ذلك الوضع في فبراير (شباط) الماضي عندما أمرت الحكومة بإعادة ترحيل زعماء العصابات إلى سجون شديدة الحراسة وفصلت بينهم وبين معاونيهم في الخارج.
ويلقي بعض المحللين باللائمة في ذلك على الهدنة التي عقدتها الحكومة السابقة مع تلك العصابات؛ حيث إنها أظهرت أنه يمكن استخدام تلك العصابات لها كأداة داعمة لمطالبهم السياسية. ويقول عن ذلك هنري كامبوس، أستاذ القانون لدى الجامعة الأميركية المركزية والمسؤول الأمني السابق، إن الارتفاع المسجل في جرائم القتل ليس إلا تكتيكا من جانب العصابات لدفع الحكومة إلى التفاوض.
ولكن في رسالة خطية مهربة خارج أحد السجون شديدة الحراسة وموجهة إلى إحدى المجموعات الاستشارية الوطنية ومكتب وزير العدل في البلاد، وجه زعماء العصابات الاتهامات إلى الحكومة قائلين إن الحملة الأخيرة قد زادت من وتيرة عنف العصابات على نحو غير متناسب، وطالبوا بفتح حوار مع منظمات المجتمع المدني.
وتقول الحكومة إن تلك الحملة جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين التعليم وخلق فرص العمل في أكثر المجتمعات عنفا في البلاد، وإعادة تأهيل أفراد العصابات، وتعزيز سيادة القانون.
وخارطة الطريق الخاصة بتلك الاستراتيجية تشتمل على خطة طموحة بقيمة 2.1 مليار دولار بمساعدة القطاع الخاص، والكنائس، والمجموعات الداعمة.
ولكن اقتصاد السلفادور المنهك ليس بمقدوره خلق الوظائف المطلوبة لتوفير البديل الحقيقي لأفراد العصابات؛ حيث يتراوح النمو حول نقطتين مئويتين فقط لعدة سنوات. والتحويلات النقدية من مواطني السلفادور في الولايات المتحدة تصل إلى 17 في المائة فقط من الدخل القومي، ونصف قوة العمل الوطنية قابع في الاقتصاد غير الرسمي بالبلاد.
ومن غير الواضح من أين ستأتي تلك الأموال المطلوبة؛ فنظام جباية الضرائب في السلفادور يحوي كثيرا من الثغرات، وكثير من أصحاب الأعمال المحافظين في القطاع الخاص يفضلون القيام بالمبادرات الخيرية الخاصة بهم على الانضمام إلى برنامج كبير تشرف عليه حكومة يسيطر عليها المتمردون اليساريون السابقون.
* خدمة «نيويورك تايمز»
إجراءات صارمة في السلفادور ضد الجرائم.. والعصابات تتكاثر
اقتصاد البلاد ليس قادرًا على خلق الوظائف المطلوبة لتوفير البديل لأفراد العصابات
جندي من القوات الخاصة يحرس واحدة من الحافلات التي تدور في سان سلفادور (أ.ف.ب)
إجراءات صارمة في السلفادور ضد الجرائم.. والعصابات تتكاثر
جندي من القوات الخاصة يحرس واحدة من الحافلات التي تدور في سان سلفادور (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
