أفلام ومسلسلات بدّلت المجتمعات... وعدّلت القوانين

مجموعة من الأفلام التي أحدثت تغييرات اجتماعية
مجموعة من الأفلام التي أحدثت تغييرات اجتماعية
TT

أفلام ومسلسلات بدّلت المجتمعات... وعدّلت القوانين

مجموعة من الأفلام التي أحدثت تغييرات اجتماعية
مجموعة من الأفلام التي أحدثت تغييرات اجتماعية

يُحسَب للدراما المصرية أنها عاماً بعد عام، وموسماً تلفزيونياً رمضانياً تلو الآخر، تضيء على قضايا اجتماعية وحقوقية بهدف نشر الوعي حولها. منذ سنتين وكتّابُ المسلسلات ومنتجوها، يضعون في صلب أولوياتهم قضايا المرأة المغبونة من القوانين، والمظلومة من المجتمع.
لا يؤمَل من مسلسلات مثل «تحت الوصاية» (بطولة منى زكي)، و«عملة نادرة» (بطولة نيللي كريم)، أن تضيء على قضايا النساء فحسب، بل أن تُحدث تغييراً على المستوى القانوني في ما يتعلّق بحقوق الزوجة الأرملة من الميراث وحضانة الأولاد.

لعلّ مسلسل «فاتن أمل حربي» الذي عُرض خلال رمضان 2022، كان من أبرز الأعمال التي رفعت الصوت عالياً ضد الظلم اللاحق بالمرأة المطلّقة. شرّع المسلسل الذي أدّت بطولته الممثلة نيللي كريم، الأبواب أمام مزيد من الأعمال الدرامية الهادفة. وكأنّ الأمر تحوّل إلى «ترند» تقوده النساء المظلومات، إلى حين تغيير الواقع الظالم.
وفي ما اعتبرته كريم نتيجةً للوَقع الذي أحدثه «فاتن أمل حربي»، اتّخذ القضاء المصري العام الماضي قرارات متعلّقة بالمرأة المطلّقة، معيداً النظر في قانون الأحوال الشخصية. وليس مستبعداً أن تنتَج عن مسلسلات هذه السنة كذلك، تعديلاتٌ على القوانين المرتبطة بحقوق الأرملة.


تسترجع هذه المسلسلات الهادفة تقليداً كان قد أرساه عدد من الأفلام المصرية. أفلامٌ مثل «جعلوني مجرماً» (1955)، و«كلمة شرف» (1972)، و«أريد حلاً» (1975)، استطاعت أن تخترق جدران القوانين وتُحدث فيها تعديلات. فالفيلمان الأول والثاني اللذان أدّى بطولتيهما الفنان الراحل فريد شوقي، تسبّبا بتعديل في كلٍ من القانون المتعلّق بجنَح القاصرين، وذاك المرتبط بحقوق السجناء بتلقّي الزيارات وبالذهاب إلى عائلاتهم في الظروف الاستثنائية. أما الفيلم الثالث وهو من بطولة الفنانة الراحلة فاتن حمامة، فأوحى بتعديل على قانون الطلاق لصالح المرأة.

لطالما حرصت السينما الغربية عموماً والأميركية خصوصاً، على تضمين أعمالها رسائل اجتماعية وإنسانية هادفة. وفي المكتبة السينمائية الأجنبية، كثيرةٌ تلك الأفلام التي نتجَ عنها تبدّلٌ مجتمعي أو اختراقٌ قانوني، إذ إن عدداً كبيراً من المنتجين والمخرجين يلتزمون بقاعدة أن الفيلم العظيم هو الذي يرفع نسبة الوعي، ويلمس القلوب والعقول، ويجعل المتفرّج يعيد النظر في أحكامه المسبقة.
ذهبت مجموعة من الأفلام والمسلسلات إلى حدّ إحداث تغييرات في تصرّفات المشاهدين ومواقفهم، مقدّمةً لهم مُثلاً عليا على هيئة ممثلين أبطال، ومسوّقةً لقيَمٍ وقضايا اجتماعية ملحّة لم تخطر في بالهم سابقاً. فما هي أبرز تلك الأفلام «التغييرية»... وما الأثر الذي تركته على المجتمع والقانون؟

«بامبي» ضد الصيد
قد لا يصدّق أحد أن فيلم رسوم متحرّكة مثل «بامبي»، موجّهاً في الأساس للأطفال، قد يتسبب بتحوّلات مجتمعية جذرية. إلا أن الفيلم الذي أنتجته شركة «ديزني» عام 1942، والذي يروي حكاية غزال صغير يواجه وحشيّة الصيّادين، لعب دوراً محورياً في الحرب ضد الصيد، وقد رُبط مباشرةً بتراجع هذا النشاط الذي كان يتهدّد حيوانات الغابات.


ملصق فيلم "بامبي" (والت ديزني بيكتشرز)

زواج أبيض وأسود
في وقتٍ كانت الزيجات بين المواطنين السود والبيض في الولايات المتحدة أمراً شبه مستحيل، جاء فيلم «خمّن من سيأتي للعشاء (Guess Who’s Coming to Dinner)» عام 1967 ليقلب الموازين في 17 ولاية أميركية كانت تجرّم قانوناً هذا الزواج المختلط. تحدّى الفيلم الأعراف العنصرية بسرده قصة حب تجمع بين فتاة بيضاء وشاب أسود يرغبان في الزواج. وقد تزامن إطلاقه مع إسقاط تلك القوانين بموجب قرار عُرف باسم «Loving v. Virginia».

مليون متعلّم بفضل مسلسل
في عام 1975، أطلق المنتج المكسيكي ميغيل سابيدو مسلسل «تعالَ معي (Ven Conmigo)» من أجل الترويج لتعليم الراشدين. من بين سطور السردية الدرامية، وجّه المسلسل رسائل إيجابية إلى البالغين لتشجيعهم على استئناف دراستهم. ويُعتقد بأنه ونتيجةً للأثر الذي تركه المسلسل على المشاهدين، تسجّل نحو مليون شخص غير متعلم في برامج محو الأمية عبر المكسيك، بهدف تعلّم القراءة والكتابة.

«الإيدز» ليس عاراً
عندما تُلبسُ الممثلَ الأحَب إلى قلب الأميركيين شخصيةُ رجل مصابٍ بالإيدز، لا بدّ أن يتعاطف المشاهدون معه وتلينَ مواقفهم حيال المرض. هذا ما أنجزه توم هانكس وفيلم «فيلاديلفيا» سنة 1993، فأسهَما في رفع وصمة العار عن المصابين، وانخراطهم من جديد في المجتمع. ولم يقتصر الوعي الذي نشره الفيلم على الولايات المتحدة فحسب، بل حقق نجاحاً على شبابيك تذاكر صالات السينما حول العالم.

ضد السلاح المتفلّت
قضية السلاح المتفلّت في الولايات المتحدة قديمة جداً، وقد ألقى الضوء عليها المخرج مايكل مور عام 2002 من خلال فيلم «بولينغ لكولمباين (Bowling for Columbine)». الفيلم المستوحى من المجزرة التي ارتكبها تلميذان سنة 1999 في مدرسة «كولمباين»، ضغط بشكل غير مباشر على سلسلة متاجر «Kmart»، حيث اشترى القاتلان ذخيرتهما. ونتيجةً للفيلم، أوقفت المتاجر بيع الذخائر في كل فروعها.

«سوبر سايز مي»
متجرٌ آخر رضخ لضغطٍ تسبب به أحد الأفلام. حدث ذلك عام 2004، بعد أن طرح المخرج مورغان سبورلوك فيلمه الوثائقي الشهير «Super Size Me». يتطرق العمل الصادم إلى مضار الطعام السريع على صحة الأميركيين، ويكشف كيف أنه السبب المباشر لأوزانهم الزائدة. فور عرض الفيلم، باشرت شبكة مطاعم «ماك دونالدز» بإدخال الفاكهة والخضراوات إلى قوائم طعامها، كما أنها ألغت وجبة الـ«Super Size» أو الحجم الضخم.

زواج المثليين
كان فيلم «Brokeback Mountain» الحائز 3 جوائز أوسكار عام 2006، طليعياً في طرح قضية العلاقات المثلية على الملأ. ويشير النقّاد السينمائيون إلى أن هذا الفيلم الأميركي كانت له اليد الطولى في تقبّل مجتمع الميم، كما أنه أسهم في تشريع زواج المثليين في بعض الولايات الأميركية.

قانون جريمة الشرف
يروي فيلم «فتاة في النهر: ثمن الغفران (A Girl in the River: the Price of Forgiveness)» حكاية فتاة باكستانية نجت من محاولة قتلها على يد والدها، بسبب وقوعها في حب «الرجل الخطأ». الوثائقي الصادر عام 2015 فاز بجائزة أوسكار، وحرّك مشاعر الملايين حول العالم، كما أنه دفع برئيس الوزراء الباكستاني آنذاك نواز شريف إلى تقديم وعد بتعديل قانون جريمة الشرف في البلاد.

«باراسايت» والمساكن الشعبية
يعرف كثيرون أن فيلم «طفيلي (Parasite)» حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً وحصد 4 جوائز أوسكار عام 2019، لكن قلّةً تعلم بالأثر الاجتماعي الذي خلّفه الفيلم. القصة التي تخترق الطبقة الاجتماعية الفقيرة في كوريا الجنوبية وتصوّر ظروف معيشتها، حثّت السلطات على التحقيق في هذا الواقع المزري. ونتيجةً لتلك المتابعة الرسمية، وُضع مخطط لإعادة ترميم 1500 مسكن شعبي في العاصمة سيول.



«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
TT

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)

كشفت دراسة أميركية عن أن جرعة واحدة من مادة «السيلوسيبين»، المركب النشط فيما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين.

وأوضح الباحثون من جامعة جونز هوبكنز أن العلاج بـ«السيلوسيبين» إلى جانب العلاج السلوكي المعرفي يوفر نهجاً مختلفاً وأكثر فاعلية لمساعدة المدخنين على التخلص من إدمان التبغ، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ التدخين أحد أبرز أسباب تدهور الصحة حول العالم، إذ يتسبَّب في نحو 480 ألف حالة وفاة سنوياً في أميركا وحدها، ونحو 8 ملايين وفاة عالمياً. ورغم رغبة كثير من المدخنين في الإقلاع عن هذه العادة، فإن العلاجات المتاحة حالياً غالباً ما تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد. وتشمل العلاجات التقليدية بدائل النيكوتين والأدوية المساعدة مثل فارينيكلين، إضافة إلى جلسات الإرشاد النفسي، إلا أن كثيرين يعودون للتدخين خلال 6 أشهر من بدء العلاج.

وتركز الدراسة السريرية على تقييم فعالية «السيلوسيبين»، وهو مركب مهلوس مستخلص من نوع من «الفطر السحري»، في دعم الإقلاع عن التدخين. ويجري حالياً اختبار المركب أيضاً لعلاج بعض اضطرابات الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفوائده على الصحة النفسية.

وشارك في التجربة 82 مدخناً بالغاً سبق لهم محاولة الإقلاع عن التدخين، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين، تلقَّت الأولى جرعةً واحدةً عالية من «السيلوسيبين» تحت إشراف طبي، بينما استخدمت المجموعة الثانية لصقات النيكوتين لمدة تتراوح بين 8 و10 أسابيع. وخضع جميع المشاركين لبرنامج علاج سلوكي معرفي استمرَّ لمدة 13 أسبوعاً لدعم عملية الإقلاع عن التدخين.

وبعد 6 أشهر من بدء التجربة، بقي 38 مشارِكاً في مجموعة السيلوسيبين و32 في مجموعة لصقات النيكوتين. وأظهرت النتائج أن 40.5 في المائة من المشاركين في مجموعة «السيلوسيبين» تمكَّنوا من الامتناع المستمر عن التدخين، مقابل 10 في المائة فقط في مجموعة اللصقات. كما بيّنت الفحوص البيوكيميائية أن 52.4 في المائة من المشاركين في المجموعة الأولى لم يدخنوا خلال الأسبوع السابق للفحص، مقارنة بـ25 في المائة فقط في مجموعة اللصقات.

ويختلف تأثير «السيلوسيبين» عن العلاجات التقليدية للإدمان، إذ لا يستهدف مستقبلات النيكوتين مباشرة في الدماغ. ويعتقد الباحثون أنه يعمل عبر تغيير طريقة تفكير الشخص وإدراكه لذاته، ما يساعد على كسر أنماط السلوك الإدماني وتعزيز المرونة النفسية. وتشير النتائج إلى أن جرعة واحدة فقط قد تحقق تأثيراً طويل الأمد، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام أدوية يومية أو طويلة المدى.

ولم تُسجل آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة، لكن بعض المشاركين أبلغوا عن أعراض خفيفة، مثل ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وصداع، وغثيان.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوةً مهمةً نحو تسريع تطوير العلاجات النفسية المعتمدة على المواد المخدرة لعلاج اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك إدمان التبغ، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد أفضل طرق العلاج وتكلفته وإمكانية تطبيقه على نطاق واسع.


عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.


مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
TT

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي؛ إذ تقرَّر -على سبيل المثال- وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض البحوث على الكلاب في 2030؛ حيث تنص السياسة الجديدة على أنّ عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنّ دولاً أخرى في العالم اتخذت إجراءات مماثلة؛ إذ أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي الستار عن خطّة لجعل التجارب على الحيوانات هي «الاستثناء وليست القاعدة» في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات. وفي الشهر عينه، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأميركية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في البحوث التي تموّلها. وفي العام الحالي، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خريطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيميائيات.

وقد عزَّزت المخاوف الأخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدّي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل إلى تقنيات علمية حديثة تُغني عن حيوانات التجارب.

ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم «أعضاء على رقائق»، وهي أنسجة مجسَّمة تُزرع على رقائق إلكترونية وتُخضَع لاختبارات علمية مختلفة.

وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة «بحوث خالية من تجارب الحيوان» في بريطانيا أنّ عدد الرسائل العلمية التي نُشرت في مجال علوم الطبّ الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من نحو 25 ألف رسالة علمية إلى نحو 100 ألف رسالة بين 2006 و2022.

وتضخّ الصين أيضاً استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ إذ أطلقت عام 2024 «منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة»، وهي مشروع مخصَّص لتطوير مناهج بحث بديلة تُغني عن استخدام حيوانات التجارب، بقيمة 2640 مليون يوان (382 مليون دولار).

ويقول مؤيّدو هذه الفكرة إنّ مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للإنسان، والتنبُّؤ بشكل أفضل بمدى سلامة الأدوية الجديدة وفاعليتها؛ إذ كثيراً ما تُصنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية.

ويقول خبير الهندسة الحيوية في معهد «وايس» للبحوث في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، دونالد إنغبر، لموقع «ساينتفيك أميركان» المعني بالبحوث العلمية، إنّ التحوّل إلى التقنيات البديلة هو خطوة «مستحقّة منذ مدّة طويلة».

يُذكر أنّ جهود إيجاد بديل للاختبارات على الحيوان، وتنقيحها، والحدّ منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود، وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول.

وتشير البيانات في بريطانيا إلى أنّ عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجع من 14.4 مليون تجربة في 2015 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5 في المائة بين 2018 و2022.

وخلال العقد الماضي، طوَّر العلماء نماذج مصغَّرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض، مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموها في ابتكار أدوية جديدة والتأكد من سلامتها.

وعام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجاً مصغَّراً من الكبد البشري، واستخدموه لاختبار 238 من الأدوية التي تُستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتُعدّ النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة بديلاً عن تجارب الحيوان. وعام 2021 أيضًا طوَّر فريق بحثي نموذجاً حوسبياً لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معيّنة.

وتُعدّ هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة عدد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلَّب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.

وبنى الفريق البحثي نموذجاً حوسبياً باستخدام بيانات تخصّ 430 مادة اختُبِرت على البشر وفئران التجارب في وقت سابق، وتبيَّن من هذه التجربة أنّ هذا النموذج يمكنه التعرُّف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحوسبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية.

ويأمل الباحثون أيضاً في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال البحوث العلمية بدلاً من حيوانات التجارب؛ إذ تعمل جهات رقابية عدّة -مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأميركية- على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.

ويؤكد الباحثون أنّ بعض الاختبارات التي تُجرى على الحيوان ستظلّ ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج، المتخصّص في مجال علوم الأحياء في معهد «فرنسيس كريك» بلندن، إنه «من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة، بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية».

وتضيف سارة بايلي، المتخصّصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا، أنه من المستحيل أيضاً دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت لموقع «ساينتفيك أميركان» أنه عندما يتعلَّق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سنظلّ بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل».