ليال نعمة لـ«الشرق الأوسط»: على صنّاع الفن الراقي ألا يخافوا

قدّمت ترنيمة وحفلاً موسيقياً دينياً في الأردن

عائلة نعمة الفنية (حساب الفنانة)
عائلة نعمة الفنية (حساب الفنانة)
TT

ليال نعمة لـ«الشرق الأوسط»: على صنّاع الفن الراقي ألا يخافوا

عائلة نعمة الفنية (حساب الفنانة)
عائلة نعمة الفنية (حساب الفنانة)

مَن نشأوا على جوّ طربي في البيت، هم الشقيقات والأشقاء في عائلة نعمة، المؤلفة من تسعة أفراد يحرّكهم جميعاً الشغف الفني. ليال نعمة، رقم «اثنان» في الأسرة، بعد شقيقتها الفنانة عبير نعمة، تشعر بأنها تشرّبت الموسيقى في الرحم، بدل النشوء عليها، فالتحمت مع تكوينها. يلوح مشهد طفلة في الخامسة تتمرّن على العزف على البيانو، خلال حديثها مع «الشرق الأوسط». تمتنّ لأب دفعه جمال صوته إلى توجيه عائلة بكاملها نحو درب الفن الراقي.
هذّبت الموسيقى الغربية والشرقية الآذان، ودلّ الإصغاء المكثف لأغنيات وديع الصافي، وفيروز، وزكي ناصيف، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، والقدود الحلبية… على براعم تتفتّح في تربة ولّادة. حين تستعيد ليال نعمة البدايات، تعلم أنها قطعت شوطاً في التعلّم وإشباع الموهبة بالمعرفة. دراستها في علوم الموسيقى والغناء الشرقي وآلتي الكمان والعود؛ تأكيد بأنّ التحلّي بالموهبة لا يكفي دون الاجتهاد والتعب.
الخدمة في الكنيسة بالترتيل والمناجاة تشكل إضافة إلى مُسببات تهذيب الصوت وصقله: «علّمني الأداء المنفرد والجماعي للألحان الكنسية كيفية تهذيب صوتي، والتدريب على المساحات الصوتية، وتداخل الموسيقى مع الروح الخلّاقة. يسعدني ارتباط اسمي بصفتي مرنّمة، فالصلاة فرح، وتمجيد الله أشبه بامتنان أقابله به على موهبة أهداني إياها».
لم يكن «قراراً» الانغماس بالفن، بل قدَرَها: «كأنه من البديهي أن أصبح موسيقية!». فإضافة إلى اختصاصها في التنمية الاجتماعية، ونيلها دراسات معمّقة في علم الاجتماع السياسي، درست الموسيقى، على أنواعها واختلافاتها: «أنجذب إلى الموسيقى الكونية، ويحرّكني فضول التعرّف إلى لغات الأرض من خلال الفن، فلا أشعر بغربة الإنسان في العالم».
«أنا آرامية»، عنوان أغنيتها الخاصة الأولى، أطلقتها في عام 2015. يسحرها الغناء بالسريانية؛ «فهي ليست دخيلة علينا، تُكوّن جزءاً من موروثنا الثقافي». من الأغنية، وُلد آنذاك ألبوم «أحلام ملونة». تُشبّه رنّة اللغة الآرامية - السريانية بإيقاع اللغة الإيطالية والنغم الدافئ بين حروفها.

من حفل ليال نعمة الأخير في الأردن    -   ليال نعمة تدعو الفنانين الحقيقيين إلى عدم الخوف (الشرق الأوسط)

تُخرج نفسها من موقع المُنتقد للمشهد الفني المسيطر، وتُعنى بنشر «عدوى العمل اللائق». تتمسك بما تسميه قناعات وتربية، «فنقدّم ما يشبهنا». قد تبدو كلمة «رسالة» مستهلَكة، لكن العائلة تُسلّم بها: «نرفض غناء يسيء إلى الذوق والمكانة الموسيقية. ليس صحيحاً أنّ الجيل الشاب على مسافة من الأصالة والمستوى».
لا تحصر طغيان الرداءة بزمن القحط هذا وحده: «في التاريخ وجميع الأزمان، ثمة دائماً اليباس والزهر. هنا دور صنّاع الفن الراقي؛ أقول لهم أكملوا المشوار ولا تخافوا. لا ظلام يلغي الفجر». حقيقة أنّ المال والشهرة مغريان، تُسرّع - برأيها - انزلاق الفن وسائر المهن. هل من نجاة؟ «المسار صعب، لكن الجيد هو الذي يبقى».
غنّت والعائلة للأمل في عزّ اختناق البشرية بالوباء وعَبَقِ روائح الموت. كتبت أغنية «رح نرجع نتلاقى»، ولحّنها شقيقها الفنان جورج نعمة. تذكر أنّ الواقع كان ضاغطاً، وسط فيض الجنازات، «مع ذلك، اخترنا الأمل. هو الرسالة الأعظم». وبعد مأساة الرابع من أغسطس (آب)، حين هشّمت النيترات المدينة، كتبت كلمات أغنية «الوطن»، وغنّتها (ألحان وسيم ربيع)، ولحنت وغنت أغنية «بكرا إلنا» من كلمات الإعلامي رمزي عزام، التي حملت أملاً رغم المصاب الكبير: «دورنا بصفتنا عائلة أبعد من الترفيه بالموسيقى. ننتمي إلى المؤمنين بقدرة الفنان على تغيير المجتمع».
منذ «الكوفيد»، أعادت ليال نعمة حساباتها. تدرك عجز الإنسان عن التحكم بمستقبله، فقد يصادف ما يعرقل فيبدّل الخطط. تطلق نداء «عدوى الإيجابية»: «كما يتأثر المرء بالطاقة السلبية حوله، فتشلّه وتُحبطه؛ بإمكانه الإيمان بالضوء المستحيل إطفاؤه. هذه الشعلة الداخلية، إن أوقدناها بكتلة النور، فستجرّ نفوساً باتجاه الشمس، وإن أحبطها نواحٌ لا يهدأ، فلن يبقى منها سوى السواد والرماد».
أهو تعالٍ على الألم؟ بالنسبة إليها، المسألة ليست شعارات على مواقع التواصل: «الضعف لا يليق باللبنانيين. هو على النقيض من مثابرتهم وحبهم للحياة. نغني للتخلّص منه، وليكون الأمل قدراً، لا الإحباط».
تستعير من الأب صوته الجميل، ومن الأم قلمها الميّال إلى اللحظة الشعرية. تكتب منذ صغرها، وتُلقي الأوراق في الجارور. قصائد تنتظر تلحينها، وأخرى لحّنتها وتترقّب صدورها منفردة أو في ألبوم. لا تخفي أنّ النفق اللبناني مُنهك، و«الجريمة الجماعية»، وفق تسميتها، استنزفت أبناء الأرض. «نعيش بإشكالية، كشهود على توالي الصفعات والصدمات»، تقول؛ ومع ذلك، «التوق إلى السلام هو رجاء دائم وحاجة لن نكفّ عن مطاردتها».
في أسبوع الآلام، قدّمت ليال نعمة ترنيمة جديدة بعنوان «جراحك يا ابني» من كلماتها، ولحن ابنتها كلارا مطر؛ توزيع نبيل يوسف، وتوقيع المخرج شربل منصور. وقدّمت حفلاً موسيقياً دينياً في مدينة الفحيص في الأردن، حيث توافد المؤمنون من كل الأردن لحضورها.
تكشف الخبر السار: «على النار، عمل يجمع كل العائلة، ونحن نتحمّس له». هذه العائلة التي تربطها الألفة بجانب الأخوّة، وصداقة المهنة والحياة. تلتقي على وَقْع الغناء والعزف ونشر البهجة: «نتمسّك بجَمعتنا فهي أغلى ما نملك».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.