هل كان هتلر مثقفاً؟

كانت مكتبته تضم 16 ألف كتاب

هل كان هتلر مثقفاً؟
TT

هل كان هتلر مثقفاً؟

هل كان هتلر مثقفاً؟

كم دهشت، بل وصعقت، عندما اكتشفت أن هتلر كان عاشقاً للكتب وقارئاً نهماً لا يشبع! في البداية لم أكد أصدق عيني حتى تعمقت في الموضوع مؤخراً وتوقفت عنده. بعد أكثر من سبعين سنة على سقوط النازية كنا نعتقد أننا نعرف كل شيء عن هتلر. فالمؤلفات التي نُشرت عنه في شتى لغات العالم لا تُعد ولا تُحصى. لم يتركوا شاردة وواردة في حياته إلا نقّبوا عنها ودرسوها وأشبعوها تمحيصاً وتدقيقاً. ولكن حتى الآن لم يفكر أحد في دراسة الموضوع التالي: علاقة هتلر بالثقافة والكتب. فهم يتهمونه بحرقها فإذا به مولع بها. والواقع أنه حرق منها الملايين، ولكنه جمع منها الآلاف أيضاً في مكتبته الخاصة. ما هي المطالعات التي شكّلت ثقافته وشخصيته؟
أول شيء نستخلصه هو أن هتلر كان مصاباً بعقدة النقص تجاه الثقافة والمثقفين بشكل عام. لماذا؟ ليس لأنه كان يكرههم على عكس ما نظن. وإنما لأنه كان يشعر بعقدة النقص تجاه المثقفين جداً أو الحائزين شهادات عليا؛ لأنه هو كان محروماً منها. لم يكن يحمل حتى شهادة البكالوريا! من يصدق ذلك؟ وبالتالي فكل ثقافته كوّنها بشكل عصامي معتمداً على نفسه. ولهذا السبب انخرط في اقتناء الكتب وقراءتها بكل حماسة لسد النقص. وعندما انتحر عام 1945 وجدوا في مكتبته الخاصة ما لا يقل عن ستة عشر ألف كتاب! وهو رقم كبير جداً بالنسبة لذلك الزمان، بل وحتى بالنسبة لزماننا. ولكن كيف كان يجد الوقت الكافي لإشباع هوايته في المطالعة أو عطشه للقراءة وهو على رأس الدولة؟ وأي دولة! أعظم دولة في ذلك التاريخ. في بعض اللحظات كان يهيمن على أوروبا، بل والعالم كله تقريباً. تقول لنا الأخبار بأنه كان ينتظر بفارغ الصبر حتى تنتهي آخر مواعيده الرسمية كل مساء، لكي يختلي في مكتبته مع إبريق كامل من الشاي فيطالع الكتب حتى ساعة متأخرة من الليل. ويقال بأنه كان يقرأ كتاباً واحداً كل ليلة! شيء عجيب. شيء لا يكاد يصدقه العقل. أنا المتفرغ كلياً للكتابة والمطالعة على مدار الساعة لا أستطيع أن أقرأ كتاباً كاملاً في اليوم. ربما قرأت نصفه أو ربعه لا أكثر. أقول ذلك وأنا لست رئيساً على أي شخص ولا على أي دولة ما عدا دولة نفسي وبالكاد! ولا أقود الجماهير ولا يخطر على بالي أن أشتغل في السياسة لحظة واحدة. ولا أعقد اجتماعات مع أي شخص اللهم إلا مع ذاتي. عصر السياسة لم يحن أوانه بعد. هذا عصر التفكير والتحليل والتعزيل الكبير. ربما أصبحت السياسة ممكنة في العالم العربي بعد عشرين أو ثلاثين سنة قادمة. السياسة الوحيدة الممكنة اليوم هي سياسة الفكر المبدع الخلاق:
لا تصلح الدنيا ويصلح أمرها
إلا بفكر كالضياء صراح
(بدوي الجبل متحدثاً عن المعري)
على أي حال، كان هتلر مولعاً بالقراءة والمطالعة إلى حد الهوس. كان مولعاً بقراءة السير الذاتية عن كبار الفاتحين في التاريخ: كنابليون، ويوليوس قيصر، والإسكندر المقدوني، وفريدريك الكبير الذي ربما كان آخر كتاب قرأه قبيل انتحاره في 30 أبريل (نيسان) عام 1945. ربما تساءلتم هنا: لكن ما هي أهم الكتب الأدبية التي كانت تحظى بإعجابه؟ أولاً: دون كيشوت، وروبنسون كروزو، ورحلات غوليفر، إلخ. كان يعدّ هذه الكتب من روائع الأدب العالمي. وكان يمتلك الأعمال الكاملة لويليام شكسبير الذي كان يضعه فوق غوته وشيلر رغم عصبيته الآرية الألمانية. وكان يتساءل أحياناً بغضب: لماذا أنجب عصر التنوير الألماني مسرحية «ناثان الحكيم» للفيلسوف ليسنغ التي تقص حكاية ذلك الحاخام الذي حاول المصالحة بين المسيحيين والمسلمين واليهود، هذا في حين أن شكسبير قدّم للعالم الصورة الحقيقية عن اليهودي، أي الصورة البشعة، من خلال مسرحيته الشهيرة «تاجر البندقية» وشخصية شايلوك المقززة؟. لهذا السبب؛ كان هتلر يفضّل شكسبير لأن هذه الفكرة كانت تتماشى مع كرهه الشديد؛ ليس فقط لليهود وإنما للساميين بشكل عام، ومن بينهم نحن العرب بالذات!
من هنا انقلابه على عصر التنوير وقيم التسامح والعقلانية والنزعة الإنسانية وكل إمكانية للمصالحة بين الأعراق البشرية والأديان المختلفة. من هنا عنجهيته الآرية وإشعاله كل النزعات الهيجانية اللاعقلانية التي اكتسحت ألمانيا في عهده وأدت إلى النتيجة الكارثية التي نعرفها.
هذا، وقد اطلع في الترجمة الألمانية على كتاب الصناعي الأميركي الشهير هنري فورد عن «اليهودي العالمي الكوسموبوليتي: مشكلة العالم الكبرى». وتأثر به كثيراً على ما يبدو. ونستنتج ذلك من خلال التعليقات الكثيرة التي كان يكتبها على هوامش الكتاب. وعموماً، كان يقرأ بنهم كل الأدبيات العنصرية التي كانت مسيطرة على عصره وتتخذ صفة الحقيقة العلمية المطلقة. كان ذلك بعد داروين ونظرية الاصطفاء الطبيعي والبقاء للأصلح، إلخ. كان يعتقد بأن الأعراق الدنيا ينبغي أن تنقرض لكي يخلو الجو فقط للأعراق العليا، وبالأخص العرق الآري الجرماني. هذا الفهم الخاطئ لداروين والنظرية البيولوجية الحديثة هو الذي أودى بهتلر وأفسد كل مشروعه السياسي لأنه أصبح مفرغاً من كل نزعة أخلاقية أو إنسانية. هنا يكمن مقتل هتلر بالضبط. وذلك لأنه لا يمكن أن ينجح أي مشروع سياسي قائم فقط على الكره والبغض واحتقار الآخرين. كل الحضارات البشرية العظمى ومنها حضارتنا العربية الإسلامية قامت على أكتاف الحب العارم والنزعة الإنسانية. وقد سقطت هذه النظرية البيولوجية العنصرية لحسن الحظ لاحقاً. ولكن اليمين المتطرف الأوروبي لا يزال متعلقاً بها بدليل نظرته السلبية عن العرب والسود مثلاً. فنحن في نظرهم من عرق أدنى غير صالح للحضارة. وسوف نظل همجاً متخلفين إلى أبد الدهر. فهناك أعراق بشرية خُلقت للحضارة وهناك أعراق لم تُخلق لها. هذا هو المنظور الأساسي الذي كان يخيم على عقل هتلر.
أما قصة تأثره بنيتشه وشوبنهاور وفيخته فمبالغ فيها جداً؛ لسبب بسيط: هو أن ثقافته الفلسفية كانت سطحية ولا تسمح له بفهم المقاصد العميقة لكبار الفلاسفة. كان يفهم الكتب السياسية والتاريخية، ولكن ليس الكتب الفلسفية العميقة التي تحتاج إلى اختصاص وتبحر. ولكن بما أنه زار بيت نيتشه واستقبلته أخته إليزابيث بكل حماسة وأهدته عصا الفيلسوف وأخذوا له صورة أمام تمثال أخيها العظيم، فإن الناس اعتقدوا بأنه كان نيتشوياً صرفاً! في الواقع، إن الدعاية النازية سطت على فلسفة نيتشه واستخدمتها لأغراضها الديماغوجية الغوغائية كما تفعل الحركات السياسية عادة مع كبار المثقفين. ومعلوم أن نيتشه كان وقتها في أوج شهرته ومجده. وكان قد مات مجنوناً منذ أكثر من ثلاثين سنة عندما زار «الفوهرر» بيته ومتحفه وتمسح بركابه وادعى أنه من تلامذته المعجبين! نقول ذلك ونحن نعلم أن شهرة نيتشه انفجرت بعد موته كالقنبلة الموقوتة.
أما في حياته فلم يكترث له أحد ولم يُنشر عن كتبه العبقرية المتتالية شيء يذكر في الصحف. ولم يُبع منها إلا بضع نسخ، وهكذا ظلت ملقاة على الرفوف حتى تلفت أو كادت. وكان ينشرها على نفقته الخاصة رغم فقره وتعتيره. ولكن بعد موته أصبحت تُطبع بالملايين! تصوروا لو أن نيتشه عاش بما فيه الكفاية لكان قد أصبح مليونيراً أو مليارديراً فقط من مبيعات كتبه. من هنا نفهم سر عبارته الشهيرة: «هناك أناس يولدون بعد موتهم»! كان يعرف أن لحظته آتية لا ريب فيها، ولكنه لن يكون هنا لكي يستمتع بثمار شهرته وعبقريته. مسكين نيتشه!
على أي حال كل الشهادات التي نقلت إلينا تدل على أن هتلر كان يفضل رفقة الكتب على رفقة البشر، وتضييع الوقت في الثرثرة مع هذا أو ذاك كما يفعل الآخرون. كانت تنطبق عليه كلمة المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب! ولكن مشكلته هي أن قراءاته كانت متبعثرة ومتشتتة أكثر من اللزوم.
أخيراً، لا بد من طرح هذا السؤال: كيف استطاع شخص نكرة، ضائع، عاطل عن العمل، متسكع في الشوارع، جائع، مثل هتلر، أن يصبح في ظرف سنوات معدودات قائد ألمانيا وزعيمها الأوحد؟ لا نستطيع الإجابة عن سؤال ضخم كهذا بكلمات معدودات. ولكن ينبغي العلم بأن الشخصيات الاستثنائية في التاريخ هي شخصيات إشكالية، عصابية، بل ومرضية بالمعنى الحرفي للكلمة. وإلا لما تجرأت على القذف بنفسها في فوهة المجهول وحرق المراحل والانتقال من الحضيض إلى القمة بسرعة صاروخية. الإنسان العاقل المتوازن أكثر من اللزوم لا يمكن أن يصبح قائداً تاريخياً لأنه يحسب الحساب لكل صغيرة وكبيرة ويخاف على حياته وأولاده ولا يتجرأ على الإقدام والاقتحام في اللحظة المناسبة. تنقصه جرعة الجنون الضرورية لذلك. لا عبقرية من دون جرعة جنونية أو حتى جرعات كما قلت في كتابي الذي سيصدر قريباً عن «دار المدى» بعنوان «العباقرة وتنوير الشعوب». ولذلك؛ لا يمكن للأشخاص العاديين الطبيعيين الخوافين من أشكالنا أن يصبحوا شخصيات عبقرية أو استثنائية. هتلر كان لا يتردد عن المخاطرة بنفسه في أي لحظة تماماً مثل نابليون وبقية القادة الكبار. بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة ينبغي القول بأن تاريخ البشرية ينقسم عموماً إلى نوعين من العباقرة: عباقرة الخير، وعباقرة الشر. ومأساة هتلر هي أنه كان ينتمي إلى النوع الثاني لا الأول؛ بدليل أن مشروعه انتهى بالانتحار الشخصي والجماعي لألمانيا التي كانت عزيزة جداً على قلبه. ومن الحب ما قتل! لقد دُمرت ألمانيا عن بكرة أبيها وانهارت على عروشها بسبب المشروع النازي. وبالتالي، فهتلر كان عبقرياً شريراً من الطراز الأول، على عكس نابليون الذي طبق فلسفة الأنوار ونشر مبادئ الحرية والمساواة والإخاء في شتى أنحاء أوروبا. وحتى عندما غزا مصر جلب معه مئات العلماء والفلاسفة لنقل نور الحضارة إلى الشرق! مَن هناك يرُجُّ الشرق؟ يقول شاعر عربي كبير (أدونيس).



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).