قتلى وجرحى بتجدد عنف طائفي في دارفور

الأمم المتحدة: الأوضاع لا تزال مضطربة في مناطق الأحداث

صورة أرشيفية لنازحين في إقليم دارفور بالسودان (رويترز)
صورة أرشيفية لنازحين في إقليم دارفور بالسودان (رويترز)
TT

قتلى وجرحى بتجدد عنف طائفي في دارفور

صورة أرشيفية لنازحين في إقليم دارفور بالسودان (رويترز)
صورة أرشيفية لنازحين في إقليم دارفور بالسودان (رويترز)

أعلن مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة بالسودان (أوتشا) مقتل 10 أشخاص وإصابة 4 آخرين وتشرد الآلاف، في اندلاع نزاع قبلي بمنطقة فور برنقا بولاية غرب دارفور، مشيراً إلى أن هذه الإحصائيات أولية ويجري التحقق من الأعداد.
وأفاد المكتب في نشرة صحافية، أمس، بأن السلطات نشرت قوات مشتركة من الأمن في المنطقة، لكن الوضع لا يزال مضطرباً.
وبدأت الأحداث، مطلع الأسبوع الحالي، بهجمات ميليشيات مسلحة وإحراق أكثر من 50 منزلاً في عدد من ضواحي المنطقة.
وذكر تقرير الأمم المتحدة أن المنازل والسوق المحلية في فور برنقا قد نهبت.
وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الضحايا من القتلى والجرحى أكثر من الأرقام المتداولة عند الجهات الرسمية، مشيرة إلى أن هناك عدداً من الأحياء تعرضت لهجوم وإطلاق كثيف للرصاص الحي وحرق المنازل.
وتضيف المصادر أن تأخر السلطات في التدخل الفوري لوقف العنف بالمنطقة تسبب في زيادة أعداد الضحايا، متوقعة أن يتجاوز أعداد القتلى والجرحى أكثر من 20 شخصاً.
وأعلن حاكم ولاية غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، الاثنين الماضي، حالة الطوارئ لمدة شهر وتقييد حركة المواطنين بالمنطقة.
وإثر تجدد الاشتباكات، أصدر الحاكم، أمس، قرارات جديدة؛ حيث منح القوات النظامية تفويضاً باستعمال القوة أثناء قيامها بواجباتها لحسم المتفلتين ومحاربة جميع أشكال الظواهر السالبة لفرض الأمن والاستقرار وبسط هيبة الدولة بكل مناطق ولاية غرب دارفور.
وشدد الحاكم على القوات النظامية وكل الجهات المعنية اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لتنفيذ هذا القرار.
وذكر مكتب الأمم المتحدة أن أعمال عنف طائفية اندلعت في 10 أبريل (نيسان) الحالي بين أفراد قبائل المساليت وبعض القبائل العربية في بلدة «فور برنقا» بغرب دارفور.
وأفادت التقارير التي وردت إلى المنظمة الدولية بأن أفراد القبيلة العربية هاجموا وأحرقوا نحو 50 منزلاً في أحياء السلام والشاتي في المنطقة، ما أدى إلى نزوح ما يقدر بنحو 20 ألف شخص.
ووفقاً لمنظمة العمل والهجرة الدولية، نزح الآلاف من مواطني المنطقة داخلياً وبعضهم عبر الحدود إلى الجارة تشاد.
وأكد تقرير مكتب الشؤون الإنسانية مقتل ما لا يقل عن 10 أشخاص وجرح 4 آخرين، على الرغم من عدم التحقق من هذه الأعداد حتى الآن.
وأضاف: «هنالك تقارير تفيد بأن المنازل والسوق المحلية في فور برنقا قد نُهبت».
وذكر تقرير الأمم المتحدة أنه على الرغم من قيام السلطات بنشر قوات أمن مشتركة في المنطقة، وردت أنباء عن أن العنف امتد إلى 9 ضواحٍ بالمنطقة، حيث أُحرقت العشرات من المنازل ولا يزال الوضع ملتهباً.
وكونت السلطات، وفقاً لبند الترتيبات الأمنية في اتفاق «جوبا للسلام» الموقع مع الفصائل المسلحة في دارفور 2020، قوات أمنية مشتركة من جميع الأطراف لحماية المدنيين ومنع وقوع أعمال العنف والاقتتال القبلي.
وخلال العام الحالي، شهدت العديد من ولايات دارفور اقتتالاً قبلياً واشتباكات مسلحة راح ضحيتها مئات المواطنين وآلاف النازحين واللاجئين، ودماراً كبيراً في الممتلكات وحرق الأسواق ومنازل المواطنين.
وكانت الأمم المتحدة قد أوردت إحصائيات عن مقتل 900 شخص وإصابة 1100 آخرين، ونزوح أكثر من 300 ألف جراء النزاعات القبلية والطائفية في ولايتي دارفور وكردفان خلال العام الماضي.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)
مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)

يعيش الليبيون صدمة واسعة عقب قرار «المصرف المركزي» تعويم سعر صرف الدينار بنسبة 14.7 في المائة مقابل الدولار، وسط ترقب وتحذيرات من تآكل القدرة الشرائية وتفاقم التهريب، ومخاوف من موجة غلاء شاملة تزيد من معاناة المواطنين، في ظل أزمة اقتصادية ممتدة منذ سنوات.

وبرَّر «المصرف المركزي» قراره خفض سعر الصرف باستمرار «الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة، وتفاقم الإنفاق المزدوج خارج الضوابط المالية»، إلى جانب تراجع أسعار النفط العالمية، وما سببه من هبوط حاد في الإيرادات التي سجلت 482 مليون دولار فقط منذ مطلع يناير (كانون الثاني).

جُل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

والدولار يساوي حالياً في السوق الرسمية 6.37 دينار، مقابل 5.43 دينار نهاية الأسبوع الماضي.

ويحذر أحمد الكردي، رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك»، من «ضغوط تضخمية مضاعفة» بفعل قرار خفض سعر صرف الدينار، متوقعاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «انعكاسات سلبية ستطول الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل الذين ستتآكل القوة الشرائية لمرتباتهم، مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية».

وتشهد ليبيا حالياً موجة تضخم واسعة، ارتفعت معها أسعار السلع الأساسية، ما دفع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة إلى اعتماد ما تسميه «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع، كحل مؤقت لاحتواء تقلبات السوق، وهو ما وصفه مراقبون بأنه «إجراء شكلي».

ويتوقع الكردي ارتفاعاً جديداً لأسعار منتجات أساسية، مثل الأرز والسكر والدقيق، بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، رغم وفرة المعروض، مقدراً أن أسعار السلع في ليبيا «تتحدد وفق مزاج شركات الاستيراد التي تسيطر على السوق».

الدبيبة ومحافظ «المركزي» ناجي عيسى في لقاء بطرابلس يوم 17 ديسمبر 2025 (المركزي)

وازدحمت صفحات التواصل الاجتماعي الليبية بانتقادات حادة من جانب اقتصاديين وناشطين، عقب قرار تعويم العملة المحلية، الأحد. ووصف الناشط المدني، محمد قشوط، القرار بأنه «نتيجة سياسة نقدية فاشلة وتجاوزات أسهمت في تدهور قيمة العملة المحلية»، بينما حذَّر الخبير الاقتصادي، يوسف يخلف مسعود، من أن التعويم المدار في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد «لا ينتج إصلاحاً؛ بل يكرِّس الانهيار».

وطغت مظاهر الاحتقان الشعبي بوضوح، مع دعوات تتداولها صفحات على مواقع التواصل الليبية لخروج مواطنين في وقفات احتجاجية الثلاثاء؛ خصوصاً في مدن غرب البلاد، ومن بينهما طرابلس ومصراتة، وهي دعوات أكدها المستشار مفتاح القيلوشي، مستشار «المجلس الأعلى لقبائل وأعيان ليبيا» لـ«الشرق الأوسط».

ويبدو أن المخاوف من تداعيات القرار لن تتوقف عند السلع الأساسية في المتاجر؛ خصوصاً مع قرب شهر رمضان؛ إذ قد تمتد لتشمل مصاريف العلاج وأقساط المدارس، وفق رئيس «اتحاد جمعيات حماية المستهلك».

وأشار الكردي إلى أن دور جمعيات حماية المستهلك يتوقف عند إصدار بيانات إدانة، غالباً دون تأثير يُذكر، في مقابل ما وصفها بأنها «سياسات استيراد عشوائية للحكومة، تفاقم من استنزاف الاحتياطيات الدولارية، وتدفع البلاد إلى دائرة مفرغة تنتهي بخفض سعر الصرف مجدداً».

وعلى مدار 5 سنوات، فقد الدينار نحو 39 في المائة من قيمته مقابل الدولار، في 3 موجات تعويم خلال 2021 و2025 و2026؛ حيث انخفض من 3.90 دينار للدولار إلى 6.38 دينار تحت وطأة ضغوط مالية واختلالات اقتصادية متراكمة.

«المصرف المركزي الليبي» (رويترز)

وعدَّ المسؤول السابق بـ«غرفة تجارة وصناعة ليبيا»، وحيد الجبو، أن خطوة «المركزي» تهدف إلى «حماية الاستقرار المالي»، ولكنه أضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن خفض قيمة الدينار يعني في المقابل «زيادة أعباء المعيشة والتكاليف على المواطنين والمؤسسات».

أما الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي، فقال: «كل عام يزحف سعر صرف الدولار مقابل الدينار إلى الأمام، ويزحف الشعب إلى الخلف»، مضيفاً أن «وعود المصرف المركزي ومحاولاته في الإنعاش ذهبت أدراج الرياح»، في إشارة إلى تصريحات محافظ «المركزي»، ناجي عيسى، في أغسطس (آب) الماضي بشأن خفض سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي.

وفي بلد يعاني منذ 2011 من مظاهر الفوضى الأمنية وضعف الرقابة، يلقي تخفيض سعر العملة المحلية ظلالاً سلبية أعمق على ظاهرة تهريب الوقود التي تشكل منذ سنوات قضية اقتصادية خطيرة؛ حيث تتجاوز خسائرها السنوية 6.7 مليار دولار وفق مؤسسة «ذا سنتري».

ويحذّر أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور عطية الفيتوري، من أن قرار خفض سعر الدينار مقابل الدولار قد يشجع على زيادة تهريب البنزين؛ بل وأيضاً تهريب سلع أساسية أخرى.

ويوضح الفيتوري لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تنخفض قيمة العملة المحلية، تصبح السلع المدعومة محلياً -مثل الوقود والطحين وبعض السلع الأساسية- أرخص بكثير عند تسعيرها بالدولار مقارنة بأسعارها في الدول المجاورة، ما يوسِّع الفجوة السعرية ويجعل تهريبها أكثر ربحية»؛ مشيراً إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار «الفوضى الأمنية ورخاوة غياب الرقابة».

رئيس مجلس النواب عقيلة صالح (المركز الإعلامي)

وقد تتصاعد الآثار التضخمية لقرار «المصرف المركزي»، حسب مراقبين، مع قرار مجلس النواب فرض ضرائب جديدة على السلع تتراوح بين 2 في المائة على المواد الغذائية، و35 في المائة على الكماليات، وهو ما بدا -من منظور الفيتوري- مثل «ضربتين في الرأس يتلقاهما المواطن، في غياب تعويض نقدي، واختفاء الجمعيات الاستهلاكية التي كانت موجودة في عهد النظام السابق».

في المقابل، برزت آراء اقتصادية تدافع عن القرار في خضم موجة الغضب، من بينها لرجل الأعمال الليبي حسني بي، الذي اعتبره «إجراءً اضطرارياً فرضته أوضاع مالية ونقدية غير قابلة للاستمرار، في ظل إنفاق عام منفلت، واعتماد مفرط على الإيرادات الدولارية»، ورأى -في تصريحات إعلامية- أن «الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر موازنة الإنفاق بالإيرادات، وتحقيق نمو اقتصادي فعلي ينعكس تحسناً في معيشة المواطن».


الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدأ السودانيون يعودون إلى عالم القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب. العاصمة الخرطوم، بعد أن بدَّلت الحرب ملامحها، أصرت على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة. وسارع سكانها العائدون إلى تقليب صفحات الكتب، كأسلوب هادئ للمقاومة، وملاذ نفسي وثقافي يستعيدون به حيوية مدينتهم، ويعيدون نبضها الذي خَفَت نحو 3 سنوات.

لا تُعد القراءة بالنسبة لكثيرٍ من السودانيين ترفاً؛ بل وسيلة مواجهة يضمدون بها أحزانهم وجراحهم، ويعلنون من خلالها تمرُّدهم على أوجاعهم. فأقبلوا على شراء الكتب، وعادت المكتبات ودور النشر إلى المدينة لتلبِّي حاجتهم.

التعلق بأمل

في شارع الشريف الهندي، المتفرِّع من شارع الحرية، في الخرطوم، تنتصب دار «المصورات» للنشر، شاهدة على حجم المأساة. غير أن صاحبها أسامة عوض دأب على الجلوس إلى مكتبه ساعاتٍ طويلة، مشرفاً على برنامج تخفيض أسعار الكتب، لتشجيع الناس على القراءة.

وقال عوض لـ«الشرق الأوسط»: «إن الثقافة مهمَّة، لذلك اجتهدنا في توفير الكتاب بسعرٍ زهيدٍ. ولهذا صمدت مكتبتنا في وجه الحرب والقصف والنهب والسرقة». وأضاف: «واصلنا العمل مدَّة 3 أشهر دون جمهور، ولكن عندما بدأنا بازار تخفيض أسعار الكتب ذات القيمة الثقافية العالية، رحَّبت به أعدادٌ كبيرة من الجمهور. وتعلَّقت آمال الناس بالعودة إلى الخرطوم وممارسة القراءة كعادة حياتيَّة».

وأوضح عوض أن دار «المصورات» تعمل على إعادة الناس إلى القراءة، لمواجهة تبدُّل المفاهيم الناتج عن الحرب، قائلاً: «شخصياً شعرت بقيمة الوطن بعد النزوح والتشرُّد، ودفعت ثمناً باهظاً».

حواجز نفسية

عبد الرحيم عبد الله صاحب مكتبة «كابيلا» في الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جانبه، يرى مالك مكتبة «دار العلوم» عبد اللطيف إبراهيم، في عودة المكتبات أملاً كان بعيد المنال في ظلِّ الحرب، ويعتبر عودة بعض المكتبات إلى العمل باباً يُفتح على الاطمئنان والسواء النفسيِّ.

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «أعدنا فتح المكتبة قبل شهر، ووجدنا إقبالاً متزايداً، ولكننا واجهنا ندرة في الكتب الثقافية، ونسعى إلى توفيرها». وأضاف: «في نظري، القراءة بمنزلة تعويضٍ نفسيٍّ، والقُرَّاء القدامى انشرحت صدورهم بعودة بعض المكتبات، وبحصولهم على بعض الكتب النادرة؛ إذ إن نار الحرب التهمت آلاف الكتب في العاصمة الخرطوم ومدنٍ أخرى».

ندرة الكتب الثقافيَّة

وقال أيضاً صاحب مكتبة «كابيلا» عبد الرحيم عبد الله: «لقد توقَّفت القراءة بسبب الحرب، واحتلَّت وسائل التواصل الاجتماعي المكان، تعويضاً لتوقُّف عمل المكتبات في البلاد». وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «مع عودة الحياة تدريجياً، رجع الناس إلى القراءة، وبعض المكتبات مستقرة حالياً وتفتح أبوابها يومياً، بعد توقف تبادل إطلاق النار في الخرطوم».

ووصف عبد الرحيم القراءة بأنها «الوسيلة الأفضل» لتحقيق الاستقرار النفسي، بقوله: «يقبل القُرَّاء على المكتبة يومياً، رغم ندرة الكتب الثقافية بسبب توقف معرض الكتاب 4 دوراتٍ».

قراءةٌ ضد الإحباط

يتفحَّص طالب كلية الطب، محمد إبراهيم (26 عاماً) عناوين الكتب المفروشة على الأرض أمام دار «المصورات» للنشر، لاختيار ما يقرأه، قائلاً إنه يريد دراسة تاريخ السودان، لعلَّه يساعد في اكتشاف مكامن الضعف والخلل التي تعيق البلاد.

وتابع لـ«الشرق الأوسط»: «خلَّفت الحرب تشوُّهاتٍ نفسيَّة لدى الناس الذين أصابهم الرعب وفقدوا الأحبَّة. لذلك فإن القراءة والحصول على المعلومات أمرٌ مهم». وأضاف: «أبحث أيضاً عن رواياتٍ مؤثِّرة تعيد إلى نفسي ترتيب مكوِّناتها؛ خصوصاً تلك التي كُتبت في زمن الحرب».

استعادة التوازن

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل «الهلال الأحمر السوداني» الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت اختصاصية علم النفس، الدكتورة سميَّة البصير: «مع انحسار دخان الحرب في السودان، ودمار المدن والبنى التحتيَّة، برز مشهدٌ صغير بالغ الدلالة، وهو أن المكتبات بدأت تفتح أبوابها من جديد، والناس يقفون أمام رفوف الكتب، علَّهم يستعيدون جزءاً من حياتهم». وتابعت: «هذا المشهد -رغم بساطته- يحمل قيمة رمزيَّة تتجاوز فعل الشراء والبيع؛ فهو مؤشرٌ على بدء المجتمع التقاط أنفاسه، وأن رغبته في الحياة أقوى من ذاكرة الدمار».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تُظهر الدراسات النفسية أن القراءة ليست مجرَّد نشاط ثقافيٍّ؛ بل ممارسة علاجيَّة تساعد على تخفيف التوتر واستعادة التوازن الداخلي. وفي سياق ما بعد الحرب، تصبح القراءة وسيلة لإعادة بناء ما تهشم في الداخل».

انهيارٌ ذهني

وقالت أيضاً الباحثة المتخصِّصة في دراسة المجتمعات، الدكتورة نجلاء عبد المحمود: «في مشهدٍ يختزل معنى الصمود، تعاود مكتبات في العاصمة (الخرطوم) فتح أبوابها، رغم الجروح التي تنزفها الحرب». وتابعت: «هذه العودة ليست مجرَّد استئناف للنشاط الثقافي؛ بل تحوَّلت إلى ظاهرة علاجية نفسية تعيد تعريف دور القراءة في حياة الإنسان المحاصر».

وأضافت: «كل كتابٍ يُفتح في الخرطوم اليوم هو إعلان عدم استسلام. فالمقاومة ليست بالسلاح فقط؛ بل مقاومة الذهن للانهيار، والذاكرة للنسيان، والأمل للانقراض. القراءة تمرين يومي على البقاء، ومن خلالها يثبت القارئ لنفسه أنه ما زال قادراً على التفكير والحلم والشعور، بما يتجاوز صوت الرصاص».

فعلُ حياة

ساحة المتحف التي كانت متنزهاً ومتنفساً لسكان الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جهته، قال الكاتب والمؤلف إسحاق علي: «إن القراءة فعلُ حياة؛ فإذا عادت، عادت معها الحياة». وتابع: «أحدثت الحرب شرخاً نفسياً عميقاً في الشخصية السودانية، وصل عند البعض إلى درجة الاكتئاب، فغامت الرؤية، وانحسر الطموح في المأوى والمأكل والمشرب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في هذه الظروف، أن تفتح مكتبات أبوابها في الخرطوم، فذلك يعيد النبض إلى انتظامه، ويرسم تحدياً صريحاً للحرب وآثارها». وأضاف: «إن تقرأ يعني أن تفكر، وأن تفكر يعني أن تكون إنساناً».

وتابع: «لا شكَّ في أن للقراءة أثراً على الصحة النفسية، وفي ظروف إنسان السودان يظل أثرها كبيراً لا يمكن قياسه. فهي تخلق شعوراً دافقاً بالحياة، قد يخرج في نظم قصيدة، أو في تحدِّي شخصية روائية لظروف مشابهة، أو في مقالة تنير العقل وتهدي إلى أفكار وتجارب مُلهمة».


تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
TT

تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)

أمرت النيابة العامة في تونس بإيقاف المحامي والنائب السابق في البرلمان سيف الدين مخلوف، بعد ترحيله من الجزائر، لتنفيذ عقوبات سجنية بحقّه.

ونقلت «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» عن مصدر قضائي أن النيابة العامة «أمرت بالاحتفاظ بمخلوف المفتَّش عنه من أجل أحكام صادرة ضده».

ويواجه مخلوف حكماً غيابياً يقضي بسجنه لمدة خمس سنوات، بتهمة «التآمر على أمن الدولة الداخلي».

ويُعد مخلوف، النائب عن «ائتلاف الكرامة» في البرلمان المنحلّ إبان إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 بدعوى مكافحة الفساد والفوضى، أحد أشد معارضي الرئيس سعيد.

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيّد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

وكان قد اعتُقل من قِبل السلطات الجزائرية في يوليو 2024 بتهمة «دخول البلاد بشكل غير قانوني»، في محاولة منه للسفر، على الأرجح، إلى دولة ثالثة، وفق وسائل إعلام محلية.

ويقبع العشرات من المعارضين السياسيين في السجن بتونس بتهمة «التآمر على أمن الدولة». وقد أصدرت محكمة الاستئناف ضدهم أحكاماً مشددة يصل أقصاها إلى السجن 45 عاماً. وتقول المعارضة إن التُّهَم الموجهة للمعتقلين «سياسية وملفَّقة»، وتتهم الرئيس قيس سعيد «بتقويض أسس الديمقراطية»، على ما أفادت «وكالة الأنباء ألمانية».