أجهزة استشعار للكشف المبكر عن الأمراض

علماء «كاوست» وباحثون في مستشفى الملك فيصل التخصصي يطورونها

من اليسار: أشرف الدادا وساهيكا إينال وستيفان أرولد في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة (كاوست 2023)
من اليسار: أشرف الدادا وساهيكا إينال وستيفان أرولد في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة (كاوست 2023)
TT

أجهزة استشعار للكشف المبكر عن الأمراض

من اليسار: أشرف الدادا وساهيكا إينال وستيفان أرولد في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة (كاوست 2023)
من اليسار: أشرف الدادا وساهيكا إينال وستيفان أرولد في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة (كاوست 2023)

في عام 1998، تم تطوير أول جهاز استشعار إلكتروني بيولوجي، يمكنه اكتشاف مسببات الأمراض، من قبل فريق من الباحثين في معهد كاليفورنيا للتقنية. وقد استخدم المستشعر مزيجاً من الجزيئات البيولوجية والدوائر الإلكترونية، للكشف عن وجود بكتيريا «الإشريكية القولونية» في العينة المدروسة. ومنذ ذلك الحين، استمرت المستشعرات الحيوية الإلكترونية في التطور، وتستخدم الآن في مجموعة متنوعة من التطبيقات، بما في ذلك اكتشاف الفيروسات، ومراقبة مستويات الغلوكوز، واكتشاف السموم في الطعام والماء.
استشعار حيوي
في السعودية، نجح باحثون في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بتعاون وثيق مع باحثي مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، في تطوير واختبار فعالية أجهزة استشعار حيوية جديدة، والتحقق من قدرتها على التشخيص السريع للأمراض.
«تكمن كلمة السر وراء بناء تعاون ناجح مع الأطباء في قضاء الوقت معهم، والتعرف عن قرب إلى احتياجاتهم»، كان هذا مستهل حديث الدكتورة ساهيكا إينال، أستاذة الهندسة الحيوية المساعدة في «كاوست»، مضيفة أنّ توفير أدوات للأطباء تساعدهم في تحسين التفاعل مع المرضى، يتطلب فهماً كاملاً لطبيعة عمل المنظومة الصحية، وخبرات العنصر البشري فيها، إذ ترى إينال أن «الافتقار لهذه المعرفة يجعل الأدوات بلا قيمة حقيقية».

يقوم موظفو مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بإعداد عينة لاختبار تفاعل البوليمراز المتسلسل (كاوست 2023)

بشكل عام، فإن المستشعرات عبارة عن أجهزة تكتشف التغيرات في الكمية المادية، مثل درجة الحرارة والرطوبة وتدفق المياه وشدة الضوء وما إلى ذلك، وتحولها إلى كمية يمكن قياسها أو تحليلها.
أما المستشعرات الحيوية الإلكترونية، فهي عبارة عن أجهزة تجمع بين المكونات البيولوجية، مثل الإنزيمات أو الأجسام المضادة، وبين المكونات الإلكترونية، مثل الأقطاب الكهربائية أو الترانزستورات، لاكتشاف وتحديد جزيئات أو عمليات بيولوجية محددة.
وتعمل هذه المستشعرات عن طريق تحويل إشارة بيولوجية، مثل وجود عامل ممرض أو تغيير في نشاط الإنزيم، إلى إشارة كهربائية يمكن قياسها وتحليلها. تحتوي المستشعرات الإلكترونية الحيوية على مجموعة واسعة من التطبيقات، بما في ذلك التشخيص السريري، والمراقبة البيئية، واختبار سلامة الأغذية، وغالباً ما تُستخدم لقدرتها على توفير اكتشاف سريع وحساس ومحدد للأهداف البيولوجية.
وإذا تحدثنا عن الأهمية التي تمثلها أجهزة الاستشعار الحيوية لملايين المرضى حول العالم، فلنتذكر مرضى السكري الذين يستفيدون من هذه التقنية في مراقبة مستويات الغلوكوز لديهم بشكل متكرر ودقيق، وإجراء تعديلات في الوقت المناسب على نظامهم الغذائي، وممارسة الرياضة، والأدوية.
أيضاً المرضى الذين لديهم أجهزة طبية مزروعة، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب، والمفاصل الصناعية. يكونون معرضين بسبب هذه الأجهزة لخطر العدوى، مما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، وحتى الموت. يمكن أن تكتشف المستشعرات الإلكترونية الحيوية وجود البكتيريا ومسببات الأمراض الأخرى في محيط الجهاز، مما يسمح للأطباء بتشخيص وعلاج الالتهابات قبل أن تصبح شديدة.

تطويرات حديثة

تتمثل التطويرات الحديثة في تصميم أجهزة الاستشعار التي تستخدم المكونات البيولوجية للتعرف على بعض المؤشرات الحيوية للأمراض، في تحسين حساسيتها وخصوصياتها وانتقائها. وهناك عدة طرق لتحقيق ذلك، من ضمنها استخدام المواد النانوية، (الأنابيب النانوية الكربونية)، والغرافين، وجسيمات الذهب النانوية. أيضاً استخدام الموائع الدقيقة التي تنطوي على التلاعب بأحجام صغيرة من السوائل في القنوات الدقيقة، لتحسين كفاءة وحساسية الكشف عن العلامات الحيوية.
إضافة إلى ذلك، سمح التقدم في علم الأحياء التركيبي بتصميم وهندسة المكونات البيولوجية، مثل الإنزيمات والأجسام المضادة، مع تحسين الخصوصية والألفة للواسمات الحيوية للأمراض. ويمكن دمج هذه المكونات البيولوجية في أجهزة الاستشعار، لتحسين انتقائها ودقتها في اكتشاف المؤشرات الحيوية للمرض.
ويركّز البحث الذي أجرته إينال على تصميم مستشعرات ذات مكونات حيوية، يمكنها التعرف إلى المؤشرات الحيوية للأمراض في عينة واحدة مأخوذة من مريض.
لتحقيق هذا الهدف، تعاونت ساهيكا إينال وفريقها بشكل وثيق مع الدكتور أشرف الدادا، رئيس قسم الباثولوجيا المناعية، والدكتورة فاطمة الهملان، وهي أستاذة مساعدة في قسم المناعة والأمراض المعدية، وزملاء العمل في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في المملكة العربية السعودية؛ حيث استهدفت الشراكة المساعدة في تطوير واختبار أجهزة الاستشعار الإلكترونية الحيوية، والتي ستساعد بدورها في الكشف عن مسببات الأمراض بتكلفة زهيدة، مع توفر الدقة والسرعة.
وبشيء من التوضيح، تقول إينال: «هدفي هو تسهيل مهمة الأطباء في تشخيص المرضى في أسرع وقت ممكن، عبر توفير تقنية جديدة لتحل محلّ الاختبارات المعملية التقليدية». وتتابع: «نستهدف إتاحة أجهزة الاستشعار هذه للأطباء، لتوفير البيانات التي تساعد على تشخيص الأمراض بشكل أسرع. كما نأمل أيضاً أن تدعم التقنية المتخصصين في الرعاية الصحية في البلدان منخفضة الدخل، وفي المجتمعات النائية، والتي تفصلها مسافات طويلة عن خدمات الرعاية الصحية».
جدير بالذكر أن الدكتورة ساهيكا إينال كانت قد تعاونت سابقاً مع البروفسور ستيفان أرولد، أستاذ العلوم البيولوجية في «كاوست»؛ لتطوير شرائح إلكترونية قادرة على اكتشاف فيروس «كوفيد– 19» في عينات اللعاب؛ حيث تكون رقاقاتها قريبة من الحساسية لاختبارات تفاعل البوليمراز المتسلسل التقليدية، وتقدم النتائج في غضون 15 دقيقة فقط.

ثمار التعاون البحثي

وعن بداية التعاون مع الفريق الطبي في مستشفى الملك فيصل التخصصي، تقول إينال: «للتحقيق في نجاعة هذه التقنية المبتكرة، ومعرفة مدى ملاءمتها في بيئة سريرية، وللتحقق أيضاً من دقة أجهزة الاستشعار التي طورناها، تواصلنا مع الخبراء في مستشفيات السعودية، وفي هذا الصدد، قدّم لنا باحثون من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث عينات، وقاموا بتقييم النتائج استناداً إلى تقنياتهم التقليدية كأداة مقارنة. ثم أطلعونا على النتائج، مما مكننا من التحقق من فعالية تقنيتنا».
من جهته يقول أشرف الدادا: «يوجد في مستشفانا مركز أبحاث متقدم؛ لدعم الرعاية الصحية السريرية لمرضانا من خلال التشخيصات المبتكرة والدراسات العلاجية». وأعرب الدادا عن سعادته بالتقنية الجديدة ذات الحساسية والدقة العالية في التشخيص، والتي طورها باحثو «كاوست».
يشار إلى أنّ التعاون بين فريقي إينال وأرولد داخل «كاوست» والفريق البحثي داخل المستشفى، قد ازداد متانة منذ التجارب التي أجريت على مستشعرات «كوفيد– 19»، إذ تعمل الفرق البحثية عن كثب لتعظيم إمكانات المستشعرات الحيوية الإلكترونية.
تقول إينال: «الأطباء يجعلون بحثنا وثيق الصلة بالواقع، إذ يزودوننا بالبيانات المفقودة من واقع نمط عملهم اليومي، فضلاً عن إخبارنا بالأدوات التي كانت لديهم الرغبة في امتلاكها، ومن ثم فإن فهم هذا الواقع يعود بالنفع على الأطباء والمرضى على حدٍّ سواء؛ لأن حالات المرضى يمكن علاجها بوتيرة أسرع؛ حيث ستسمح أجهزتنا لمقدم الخدمة الصحية بفحص مؤشرات متعددة في وقت قصير، مما يسمح له ببناء صورة شاملة وأكثر وضوحاً عن الوضع الصحي لكل مريض». وتصف إينال القدرة على التحقق من فعالية أجهزة الاستشعار باستخدام بيانات أصلية عالية الجودة جمعت بعناية، بأنها «فرصة لا تقدر بثمن».
ويعلق الدادا آمالاً واسعة على هذا المشروع، إذ يتطلع إلى أن تنتج عنه تقنية متطورة تُحدث ثورة في تشخيص مسببات الأمراض، وتغير مشهد أدوات التشخيص في مجال الأمراض المعدية، للمساعدة أيضاً في ضمان جاهزية البشرية بشكل أفضل في التعامل مع الأوبئة مستقبلاً.
من جانبها، تأمل إينال في أن تتطور تقنيتهم بسرعة؛ لتوفير تشخيص مبكر ودقيق لكل من الأمراض المعدية وغير المعدية. يمكن القول إنّ إينال والدادا لديهما حماس كبير لرؤية ثمار هذا التعاون تنتشر على نطاق أوسع في المستقبل.
بشكل عام، يمكن القول إن هذه التطورات في تصميم المستشعرات قد تكون لديها القدرة على إحداث ثورة في تشخيص المرض ومراقبته، من خلال تمكين الكشف السريع والدقيق والفعال من حيث التكلفة عن المؤشرات الحيوية للمرض في عينة واحدة مأخوذة من مريض.



حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم

في الطب الحديث لم يعد السرطان مجرد كتلة من الخلايا الشاذة تنمو في أحد أعضاء الجسم، بل يُنظَر إليه، اليوم، بوصفه نظاماً بيولوجياً معقَّداً تتفاعل فيه الخلايا السرطانية مع جهاز المناعة والأنسجة المحيطة بها، ضِمن شبكة دقيقة من الإشارات الجزيئية.

الورم يحمل بصمته الجينية الخاصة

كل ورم يحمل بصمته الجينية الخاصة وسلوكه البيولوجي المختلف، حتى بين مرضى يعانون النوع نفسه من السرطان.

لهذا بدأ العلماء يدركون أن السؤال الحقيقي في علاج السرطان لم يعد ببساطة: ما الدواء المناسب لهذا المرض؟ بل أصبح سؤالاً أكثر دقة وعمقاً: ما العلاج الأنسب لهذا المريض تحديداً؟ أيْ أن الطب لم يعد يكتفي بتشخيص المرض، بل يسعى لفهم الخصائص الفردية لكل ورم وكل مريض.

هذا التحول الفكري يقود، اليوم، ثورة علمية جديدة في علم الأورام، تقف في قلبها تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والصور النسيجية والسجلات السريرية. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الهائلة، بدأ العلماء يتحدثون عن مرحلة جديدة قد يتمكن فيها الذكاء الاصطناعي من قراءة خريطة الورم البيولوجية قبل أن يقرر الطبيب أي علاج هو الأنسب.

الذكاء الاصطناعي يحلل البيئة الدقيقة للورم

لغة الورم الخفية

خلال مؤتمر الطب الدقيق العالمي «Precision Medicine World Conference»، الذي عُقد في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) 2026، عرض باحثون من شركة «بوسطنجين» (BostonGene) نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل التعقيد البيولوجي للأورام السرطانية، بهدف اختيار العلاج المناعي الأكثر فاعلية لكل مريض. وتعتمد هذه النماذج على تحليل كميات ضخمة من البيانات الجزيئية والجينية الخاصة بالورم، بما يسمح بفهمٍ أعمق للبيئة البيولوجية التي ينمو فيها السرطان داخل الجسم.

وتنتمي هذه الأنظمة إلى ما يُعرَف في علوم الذكاء الاصطناعي باسم نماذج الأساس «Foundation Models»، وهي خوارزميات متقدمة صُممت للتعامل مع مجموعات هائلة من البيانات البيولوجية؛ مثل المعلومات الجينية، وخصائص الخلايا المناعية، وبيئة الورم الدقيقة. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الواسعة، تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط خفية في سلوك الورم يصعب على الإنسان ملاحظتها، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد يصبح فيها اختيار العلاج مبنياً على قراءة دقيقة لخريطة الورم البيولوجية.

حين يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة السرطان

يوضح الدكتور ناثان فاولر، المدير الطبي بشركة «بوسطنجين»، أن التحدي الحقيقي في علم الأورام لم يعد نقص البيانات، بل القدرة على فهمها وتحليلها بصورة متكاملة. فكل ورم سرطاني يُنتج شبكة معقدة من المعلومات البيولوجية تشمل الطفرات الجينية، وأنماط التعبير الجيني، واستجابة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية. وتُعرف هذه الشبكة المعقدة في علم الأورام باسم «البيئة الدقيقة للورم» وهي البيئة البيولوجية التي يتفاعل فيها الورم مع الخلايا المحيطة به داخل الجسم.

إن تحليل هذه البيئة الدقيقة يتطلب قدرة حسابية هائلة تتجاوز قدرة التحليل البشري التقليدي، وهنا يظهر الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على دراسة ما يُعرَف ببيانات «متعددة الأوميكس» (Multi-Omics)، وهي مجموعات بيانات تشمل علم الجينوميات الذي يدرس المادة الوراثية، وعلم البروتيوميات؛ أي دراسة البروتينات التي تنتجها الخلايا، إضافة إلى بيانات الجهاز المناعي والسجلات السريرية للمريض. ومن خلال دمج هذه الطبقات المتعددة من المعلومات، يستطيع الذكاء الاصطناعي رسم خريطة بيولوجية شاملة للورم تساعد الأطباء على فهم سلوكه واختيار العلاج الأكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي يقود الطب نحو العلاج الشخصي

أبحاث حديثة: التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي

في دراسةٍ نُشرت، عام 2026، بمجلة «إن بي جيه بريسيجن أونكولوجي» (NPJ Precision Oncology) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، أظهر فريق بحثي دولي من مراكز أبحاث السرطان بالولايات المتحدة وأوروبا أن تحليل البيئة المناعية للأورام باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة يمكن أن يساعد في التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي بدقّةٍ تفوق الطرق التقليدية. وقد أوضحت الدراسة أن فهم العلاقة بين الخلايا السرطانية والخلايا المناعية داخل الورم قد يصبح مفتاحاً أساسياً لاختيار العلاج الأكثر فاعلية لكل مريض.

كما كشفت دراسات أخرى حديثة أن استخدام الشبكات العصبية الرسومية (Graph Neural Networks) يتيح للعلماء دراسة العلاقات المكانية بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية داخل نسيج الورم. ويُعد هذا التفاعل المكاني عاملاً مهماً في علم الأورام؛ لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمدى استجابة المرضى للعلاج وبفرص بقائهم على قيد الحياة. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل البيانات الجينية، بل بدأ أيضاً قراءة البنية الميكروسكوبية المعقدة للورم وفهم كيفية تفاعل خلايا الورم مع البيئة المحيطة بها.

ثورة العلاج المناعي

خلال العقد الأخير، أصبح العلاج المناعي أحد أهم التحولات في علم الأورام الحديث. فبدلاً من مهاجمة الورم مباشرة، كما يحدث في العلاج الكيميائي، يعمل هذا النوع من العلاج على تنشيط جهاز المناعة ليقوم هو نفسه بالتعرّف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد غيّرت هذه المقاربة الجديدة طريقة التفكير في علاج السرطان؛ لأنها تعتمد على تسخير قدرات الجسم الدفاعية، بدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية السامّة للخلايا.

لكن التحدي الكبير في هذا المجال أن العلاج المناعي لا ينجح إلا لدى نسبة محدودة من المرضى، فبعض الأورام تستجيب له بصورة ملحوظة، بينما لا يظهر تأثيره لدى مرضى آخرين، لهذا يسعى العلماء، اليوم، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الخصائص البيولوجية لكل ورم، والتنبؤ مسبقاً بالمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا العلاج، قبل البدء به. وقد يفتح هذا النهج الباب أمام مرحلة جديدة من الطب الشخصي، حيث يصبح اختيار العلاج مبنياً على فهم دقيق لخريطة الورم لدى كل مريض على حدة.

من ابن سينا إلى الطب الدقيق

رغم حداثة هذه التقنيات المتقدمة، فإن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ليست جديدة تماماً في تاريخ الطب. ففي كتابه الشهير «القانون في الطب» شدّد الطبيب والفيلسوف العربي ابن سينا على أن مهمة الطبيب لا تقتصر على علاج المرض بوصفه ظاهرة عامة، بل تمتد إلى فهم طبيعة المريض نفسه بكل اختلافاته الفردية. وقد أشار إلى أن استجابة الناس للأمراض والعلاجات ليست واحدة، وأن الطبيب الحكيم ينبغي أن يراعي خصائص كل مريض وظروفه الجسدية والبيئية.

واليوم، يعود هذا المبدأ القديم في إطار علمي جديد يُعرف باسم الطب الدقيق «Precision Medicine»، حيث لم تعد القرارات العلاجية تعتمد فقط على اسم المرض، بل على الخصائص البيولوجية الفريدة لكل مريض، مثل التركيب الجيني، وخصائص الورم، وطبيعة استجابة الجهاز المناعي. وفي هذا السياق أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مركزية تساعد الأطباء على تحليل هذه الطبقات المعقَّدة من البيانات واختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة على حدة.

التحدي الأخلاقي

إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب القرار الطبي يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يمكن للآلة أن تشارك في قرارٍ قد يرتبط بحياة إنسان ومستقبله الصحي؟ فالتقنيات الحاسوبية أصبحت قادرة، اليوم، على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية والجينية، لكن هذا التطور يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة التفكير في حدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه الخوارزميات داخل الممارسة الطبية.

ويرى معظم الباحثين في أخلاقيات الطب الرقمي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة لدعم القرار الطبي، لا بديلاً عن الطبيب. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف الأنماط البيولوجية المعقدة في البيانات الجينية أو النسيجية، لكنها لا تستطيع أن تدرك البعد الإنساني للمريض، أو أن تُوازن بين الاعتبارات الطبية والنفسية والاجتماعية التي تدخل في القرار العلاجي. لهذا يؤكد الخبراء أن دور الطبيب سيبقى محورياً؛ لأنه الوحيد القادر على الجمع بين الدقة العلمية والحكم الإنساني عند اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

طبّ المستقبل

مع تسارع تطور هذه التقنيات قد يصبح تحليل الجينوم والبيئة المناعية للورم جزءاً روتينياً من تشخيص السرطان، خلال السنوات القليلة المقبلة. فعوضاً عن الاعتماد على نماذج علاجية عامة تُطبَّق على جميع المرضى، يتجه علم الأورام نحو مرحلةٍ يُبنى فيها القرار العلاجي على الخريطة البيولوجية الفريدة لكل ورم ولكل مريض. وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة قادرة على قراءة ملايين الإشارات الجينية والمناعية التي تُشكل شخصية الورم وسلوكه داخل الجسم.

إن ما نشهده، اليوم، ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة علاج السرطان. فالعلاج لم يعد يستند فقط إلى اسم المرض، بل إلى فهم دقيق لتفاعلات الخلايا والأنسجة والجهاز المناعي داخل الورم. ومع قدرة الخوارزميات على تحليل هذه الطبقات المعقّدة من البيانات، قد يصبح اختيار العلاج في المستقبل أقرب إلى قراءة خريطة بيولوجية دقيقة لكل مريض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة لغة الخلايا والأنسجة والبيانات الجينية، يبقى دور الطبيب أن يقرأ شيئاً لا تستطيع الخوارزميات إدراكه بالكامل: الإنسان نفسه. ففي النهاية يظل الطب علماً بالدقة... لكنه أيضاً فنٌّ بالحكمة والرحمة.


الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها
TT

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

على مدى العامين الماضيين، جرى تأطير الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للإنتاجية، وأداة لخفض التكاليف، وسباقاً في تطوير البنية التحتية، بل إنه وُصف في الأيام الأكثر دراماتيكية بكونه «نقطة تحول حضارية». وفي هذه الأجواء تطالب مجالس الإدارات بخرائط طريق للذكاء الاصطناعي، ويعلن الرؤساء التنفيذيون عن أجندات تضع «الذكاء الاصطناعي أولاً»، بينما تُعاد هيكلة أقسام بأكملها حول أدوات تتغير قدراتها كل ربع سنة.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق الوضوح الاستراتيجي

ولكن، خلف هذا الضجيج، تكمن حقيقة أكثر هدوءاً وأبعد أثراً: الذكاء الاصطناعي لا يخلق وضوحاً استراتيجياً، وإنما يكشف مدى وجود ذلك الوضوح بالأساس.

لقد جادلتُ سابقاً بأن الطبقة التالية من المزايا التنافسية للشركات في مجال الذكاء الاصطناعي لن تأتي من امتلاك البنية التحتية، وإنما من بناء نماذج داخلية أفضل لكيفية عمل بيئة الأعمال فعلياً. كما حذرتُ من أن اختزال الذكاء الاصطناعي في مجرد أداة لتقليص القوى العاملة هو «قصر نظر استراتيجي»؛ لأن التقنيات العامة نادراً ما تقدم قيمتها الحقيقية من خلال برامج الكفاءة البسيطة.

والنتيجة المنطقية التالية حتمية: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية، وإنما سيكون اختباراً كاشفاً لها.

وهم «الذكاء المستورد»

ثمة افتراض مُغرٍ يترسخ في الكثير من أدبيات الذكاء الاصطناعي اليوم، مفاده أن «الذكاء» يمكن إضافته إلى المؤسسة بالطريقة نفسها التي تُضاف بها تراخيص البرمجيات... أي يكفي أن تنشر نموذجاً لغوياً كبيراً، وتدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سير العمل، وتؤتمت التحليلات، وتدعم الموظفين؛ ليزداد الذكاء تلقائياً.

بيد أن المؤسسات ليست «أوعية فارغة» تنتظر من يملؤها بالمعرفة. وإنما هي أنظمة معقدة من الحوافز، والعمليات التراكمية الموروثة، والافتراضات الضمنية، وتدفقات البيانات المجزأة، والتوازنات السياسية.

كشف العيوب

وحين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا النظام، فإنه لا يطفو فوقه، إنما يتفاعل معه... فإذا كانت بياناتك مجزأة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على إبراز هذا التجزؤ وتضخيمه على نطاق واسع.

وإذا كانت حوافزك غير متوافقة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين النتائج الخاطئة... وإذا كانت استراتيجيتك غامضة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق هذا الغموض وتغليفه بصياغات إنشائية بليغة.

إن النماذج اللغوية الكبيرة هي «آلات أنماط» قوية، ولكنها — كما استعرضتُ سابقاً — لا تمتلك فهماً راسخاً. فهي «مجرد» أدوات لتوليد مخرجات محتملة ذات دلالة إحصائية. وينسحب الأمر نفسه على المستوى المؤسسي؛ فالفصاحة ليست تماسكاً، والنشاط ليس بالضرورة استراتيجية.

إن البنية التحتية المشتركة لا تنتج فهماً مشتركاً، والأدوات المشتركة لا تنتج حكماً (تقديرياً) مشتركاً.

الذكاء الاصطناعي: «اختبار للجهد الاستراتيجي»

كل موجة تكنولوجية تكشف عن نقاط ضعف هيكلية. فقد عاقبت شبكة الإنترنت الشركات التي تعاملت معها كمجرد «كتيّب دعائي»، وعاقبت تقنيات الهاتف المحمول أولئك الذين تمسكوا بافتراضات أنها مثل الحواسيب المكتبية، كما عاقبت الحوسبة السحابية الشركات المهووسة بامتلاك الأجهزة بدلاً من بناء القدرات.

بيد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق إلى أبعد من ذلك؛ لأنه يعمل على مستوى الإدراك والمعرفة: في التنبؤ، والتسعير، والتوظيف، وتقييم المخاطر، والتفاعل مع العملاء، وتطوير المنتجات... وفي كل مجال تقريباً تتخذ فيه المؤسسات قرارات مصيرية ذات عواقب ملموسة.

وهذا ما يجعل منه «اختبار جهد» استراتيجياً.

مثالان لمسارين مختلفين باعتماد النموذج نفسه

بإمكان شركتين اعتماد نماذج تقنية متماثلة، ومع ذلك تمران بمسارين مختلفين تماماً:

الشركة (أ): تمتلك رؤية واضحة لكيفية خلق القيمة الخاصة بها، حيث تتدفق البيانات بسلاسة عبر جميع الوظائف، وتسمح قيادتها بالتجريب. وهي تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات». وتكون حلقات التغذية الراجعة صريحة. ويجري تحديث الافتراضات بصورة منهجية.

الشركة (ب): تعلن عن مبادرة للذكاء الاصطناعي، فتنتشر المشاريع التجريبية في «جزر منعزلة». ويعمل كل قسم على تحسين عائد الاستثمار الخاص به فقط، ويهيمن منطق «خفض التكاليف» على المشهد. تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «إجابات نهائية»، وتظل الاستراتيجية مجرد شعارات في عروض «باور بوينت».

أدوات متماثلة... ونتائج متباينة

تؤكد الأبحاث أن تأثيرات الذكاء الاصطناعي ليست متساوية، بل تعتمد على السياق المؤسسي؛ حيث يصف «معهد تصميم البيانات الرقمية» بجامعة هارفارد ما يسميه «الحدود التكنولوجية المتعرجة - jagged technological frontier»، حيث يتفوق الذكاء الاصطناعي في مهام محددة بينما يخفق في أخرى، ما يعيد تشكيل أنماط التعاون بطرق غير متوقعة. وهذا «التعرج» يعني أن الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع، وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع.

وبالمثل، كشفت دراسة واسعة النطاق أجراها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية - NBER» حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم العملاء عن مكاسب إنتاجية ملموسة بصفة عامة، لكن مع تأثيرات متفاوتة؛ حيث استفاد العمال الأقل خبرة بشكل أكبر، ما أعاد تشكيل كيفية انتشار المعرفة داخل الشركات. ففي هذه الحالة، لم يعمل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للأتمتة، وإنما عمل كآلية لنقل «أفضل الممارسات».

والدلالة هنا واضحة: الذكاء الاصطناعي يضخم المنطق المؤسسي القائم ولا يحل محله.

* الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع*

أتمتة الارتباك

من أخطر الغرائز القيادية في هذه اللحظة هو السؤال: «كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين هذه العملية؟».

إنه سؤال أول خاطئ؛ فإذا كانت العملية نفسها تعكس افتراضات عفى عليها الزمن، فإن تحسينها بالذكاء الاصطناعي سيجعل من هذا الخلل أسرع وأرخص فحسب. أنت هنا لا تغير العمل، بل «تؤتمت الارتباك».

السؤال الأنسب هو: «ما هي الافتراضات حول عملائنا، ووضعنا الاقتصادي، وموقعنا التنافسي المتضمنة في سير العمل هذا؟ وماذا سيحدث إذا لم تعد تلك الافتراضات صالحة؟».

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي «مزعجاً»؛ لأنه يجبر المؤسسات على مواجهة تناقضات نجحت في تجاهلها طويلاً.

المرآة المزعجة

ثمة سبب يدفع العديد من الشركات للاكتفاء بسرديات «خفض التكاليف» عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي. فالكفاءة قابلة للقياس، وتقليص عدد الموظفين يترجم بوضوح في الأرباح ربع السنوية، وهي قصة مفهومة للجميع، على عكس «التأمل الاستراتيجي» الذي يفتقر لهذا الوضوح.

وعندما يكشف الذكاء الاصطناعي عن بُنى بيانات مجزأة، فإن ذلك يعكس سنوات من نقص الاستثمار في التكامل. وعندما يكشف عن مؤشرات أداء متناقضة بين الأقسام، فإن ذلك يشير إلى فشل في الحوكمة. وعندما ينتج مخرجات غير متسقة بسبب انعزال المعرفة الداخلية، فإن ذلك يضع التشرذم الثقافي تحت مجهر الاختبار.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المشكلات، وإنما يُسلط الضوء عليها

إن التاريخ يدعونا للحذر من التسرع في وضع مقاييس الأداء المبكرة؛ فقد لاحظ الاقتصادي روبرت سولو في مقال شهير بملحق مراجعة الكتب في صحيفة «نيويورك تايمز» عام 1987: «يمكنك أن ترى عصر الحوسبة في كل مكان، إلا في إحصاءات الإنتاجية». لاحقاً، أُعيدت صياغة «مفارقة الإنتاجية» لعصر تقنية المعلومات عبر مفهوم «منحنى جيه للإنتاجية - Productivity J-Curve»؛ حيث تتأخر المكاسب الملموسة لأن الاستثمارات المكملة (مثل إعادة التصميم التنظيمي، وتطوير المهارات، ونماذج الأعمال الجديدة) هي أصول غير ملموسة ولا تظهر بوضوح في البيانات الأولية.

ومن المرجح أن يتبع الذكاء الاصطناعي مساراً مماثلاً؛ إذ ستكون أهم المكاسب مشتتة وكامنة في العمليات المعاد تصميمها وأشكال التنسيق الجديدة، ولن تظهر بشكل فوري في نسب التكاليف. لذا، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المقام الأول كآلية لتقليص كشوف الرواتب ينطوي على مخاطرة بالتضحية بالمزايا الهيكلية طويلة الأمد في سبيل تحقيق «وضوح ظاهري» قصير الأجل.

من مجرد أدوات إلى «إدراك مؤسسي»

إن الفرصة الأعمق في الذكاء الاصطناعي لا تكمن في الأتمتة، وإنما في التعلم المؤسسي. فالنماذج المتقدمة تتيح محاكاة السيناريوهات، وإظهار الحالات الشاذة (كشف الثغرات)، واختبار الافتراضات البديلة، وضغط دورات التغذية الراجعة بشكل هائل. ولكن، هذه السرعة لا تخلق قيمة إلا إذا كانت المؤسسة قادرة على «تحديث قناعاتها».

بهذا المعنى، تنتقل الميزة التنافسية إلى مستوى أعلى: من البنية التحتية إلى «الإدراك». وكما جادل يانسيتي ولاخاني في كتابهما «المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي»، فإن المنافسة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تنحاز بشكل متزايد للشركات القادرة على دمج البيانات والخوارزميات والعمليات التنظيمية في «أنظمة تعلم متماسكة». إن الفارق الجوهري ليس في النموذج التقني بحد ذاته، وإنما في مدى إحكام دمجه ضمن عملية اتخاذ القرار.

هذه هي «الحدود» التي يجب على المديرين التنفيذيين التفكير فيها.

والسؤال هنا ليس: «أي نموذج يجب أن نعتمد؟»، وإنما: «ما الذي نؤمن به حقاً حول كيفية تحقيقنا للفوز؟ وهل نحن مستعدون لأن يتحدى الذكاء الاصطناعي هذه القناعات؟».

شكل جديد للميزة التنافسية

تتحول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى سلعة عامة متاحة للجميع؛ فالنماذج التأسيسية متاحة على نطاق واسع، والحوسبة السحابية مشتركة، والأنظمة البيئية مفتوحة المصدر تتطور بسرعة مذهلة. وبينما تصبح البنية التحتية أمراً شائعاً، ينتقل التميز إلى مستوى أعلى وآفاق أرحب.

ولا يكمن التميز في الرقائق الاحتكارية، ولا في المشاريع التجريبية المشتتة؛ وإنما في «الذكاء المؤسسي المُنظم».

إن الشركات التي ستتسارع وتيرتها وتحقق قفزات نوعية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي «تؤتمت» عملياتها بأسرع شكل، وإنما تلك التي تتعلم بأسرع شكل؛ تلك التي تعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات»، وتجعل التغذية الراجعة جزءاً من بنيتها المؤسسية، والتي توائم حوافزها مع التكيف طويل الأمد بدلاً من «المكاسب الجذابة» قصيرة الأجل.

لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الاستراتيجية، ولكنه سيجعل إخفاء غيابها أمراً مستحيلاً.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان
TT

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

كشفت دراسة دولية حديثة عن وجود توازن وراثي معقّد بين خطر الإصابة بقصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي والحدّ من تطور بعض أنواع السرطان، في اكتشافٍ قد يغير فهم العلماء للعلاقة بين المناعة والسرطان ويفتح آفاقاً جديدة للطب الدقيق.

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي (AIHT) autoimmune hypothyroidism هو أكثر أمراض المناعة الذاتية شيوعاً، ويحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي الغدة الدرقية عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج هرمونات تُنظم عملية الأيض. ورغم شيوعه لكن آلياته البيولوجية لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وقد حددت الدراسة، التي قادها باحثون من معهد برود «Broad Institute» (هو مركز أبحاث طبية حيوية وجينومية يقع في كمبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية)، بالتعاون مع جامعة هلسنكي الفنلندية ومؤسسات أخرى، أكثر من 400 علامة وراثية مرتبطة بالمرض، وهو رقم يفوق بكثيرٍ ما توصلت إليه الدراسات السابقة. ومن بين هذه العلامات قرابة 50 تغيراً في جينات مُرمِّزة للبروتينات ترتبط بوظائف المناعة والغدة الدرقية.

ونُشرت نتائج البحث بمجلة «Nature Genetics»، في 25 فبراير (شباط) 2026، بعد تحليل جينيّ واسع شمل أكثر من 81 ألف شخص مصاب بالمرض، اعتماداً على بيانات مشروع «FinnGen» وهو أكبر مشروع أبحاث طبية في فنلندا يستخدم بيانات البنوك الحيوية، إضافة إلى بيانات بنك البيانات الحيوية بالمملكة المتحدة «UK Biobank».

فصل مكونات المرض وراثياً

يقول مارك دالي، الباحث المشارك في الدراسة من معهد الطب الجزيئي الفنلندي جامعة هلسنكي وعضو معهد برود، إن العمل يرسم مساراً واضحاً لكيفية استخدام علم الوراثة، لا لاكتشاف المتغيرات المرتبطة بالمرض فحسب، بل أيضاً لتقسيمها إلى مكونات مستقلة تمثل جوانب مختلفة منه.

وللمرة الأولى، تمكّن الفريق من التمييز بين العوامل الجينية المرتبطة بخلل المناعة الذاتية عموماً، وتلك الخاصة بوظيفة الغدة الدرقية تحديداً. وأظهرت النتائج أن 38 في المائة من الإشارات الجينية المكتشَفة ترتبط بالمناعة الذاتية، بشكل عام، في حين أن 20 في المائة منها خاصة بالغدة الدرقية كعضو مستهدف.

من جهتها توضح ماري بات ريف، الباحثة الرئيسية في الدراسة من معهد الطب الجزيئي بفنلندا والعالِمة في معهد برود، أن المرض يقع عندما تتقاطع المناعة ووظيفة الأعضاء والتمثيل الغذائي، مشيرة إلى أن جمع هذا العدد الكبير من الحالات منح الفريق القدرة الإحصائية على فصل الجوانب الوراثية المختلفة للمرض.

صلة مفاجئة للوقاية من سرطان الجلد

وتمثَّل أحد أبرز الاكتشافات في أن نحو 10 في المائة من المتغيرات الجينية المرتبطة بزيادة خطر قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي، أظهر، في الوقت نفسه، تأثيراً وقائياً ضد سرطان الجلد.

وظهر ارتباط عدد من هذه الجينات ببروتينات تُعرَف باسم «بروتينات نقاط التفتيش المناعية» checkpoint inhibitors التي تعمل ككابح للجهاز المناعي، لمنعه من مهاجمة الأنسجة السليمة. وتشير النتائج إلى أن المتغيرات التي تقلل نشاط هذه الكوابح قد تؤدي إلى استجابة مناعية أقوى قادرة على مهاجمة الخلايا السرطانية بكفاءةٍ أكبر، لكنها، في المقابل، قد تزيد من احتمال مهاجمة أنسجة الجسم السليمة مثل الغدة الدرقية.

ويحمل هذا الاكتشاف صدى سريرياً مهماً، إذ إن أدوية السرطان المعروفة باسم «مثبّطات نقاط التفتيش المناعية» تعمل على تحرير الجهاز المناعي من قيوده ليهاجم الأورام. ويلاحظ الأطباء أن بعض المرضى الذين يستجيبون جيداً لهذه الأدوية يصابون بقصور الغدة الدرقية كأثر جانبي، وغالباً ما تكون نتائج علاجهم السرطاني أفضل.

ويرى دالي أن النتائج تتسق مع الخبرة السريرية، حيث تُظهر أن المرضى الذين يطوّرون استجابات مناعية ذاتية أثناء العلاج المناعي، غالباً ما يحققون نتائج أفضل في مكافحة السرطان.

نحو فهم أعمق للآليات البيولوجية

تشير الدراسة إلى أن خطر الإصابة بالمناعة الذاتية أو السرطان قد يختلف من شخص لآخر، تبعاً لاختلافاتهم الجينية. ويعمل الفريق حالياً على فهم كيفية إسهام هذه المتغيرات في مكونات المرض المختلفة، تمهيداً لإيجاد سُبل تدخُّل علاجية أكثر دقة.

ويؤكد الباحثون أن علم الوراثة السكاني يمثل أداة قوية لاكتشاف الآليات الأساسية التي تنظّم المناعة، سواء على مستوى عضو محدد كالغدة الدرقية أم على مستوى الجسم ككل.

ويمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو الطب الشخصي، حيث قد تساعد الخرائط الجينية التفصيلية مستقبلاً في التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية أو السرطان، بل ربما في تصميم علاجات تراعي التوازن الدقيق بين تنشيط المناعة وكبحها.

وفي عالمٍ تزداد فيه أمراض المناعة الذاتية والسرطان على حد سواء، يسلّط هذا الاكتشاف الضوء على حقيقة بيولوجية عميقة هي أن جهازنا المناعي يسير على حبل مشدود، وأن الجينات قد تكون هي ما يحدد اتجاه هذا التوازن الحساس بين الحماية والضرر.