كيف يهدد تغيّر المناخ بانقراض «ذوات الدم البارد»؟

تحتاج لمزيد من الطاقة مع ارتفاع حرارة الكوكب

كيف يهدد تغيّر المناخ بانقراض «ذوات الدم البارد»؟
TT

كيف يهدد تغيّر المناخ بانقراض «ذوات الدم البارد»؟

كيف يهدد تغيّر المناخ بانقراض «ذوات الدم البارد»؟

كل الحيوانات تحتاج إلى طاقة لتعيش، فهذه الطاقة ذات أهمية للتنفس وتدوير الدم وهضم الطعام والتحرك. وتستخدم الحيوانات الصغيرة الطاقة للنمو، ولاحقاً في الحياة للتكاثر.
وتؤدي زيادة درجة حرارة الجسم إلى زيادة معدل استخدام الحيوان للطاقة، ونظراً لأن الحيوانات «ذوات الدم البارد» تعتمد على الظروف الحرارية لبيئتها لتنظيم درجة حرارة أجسامها، فمن المتوقع أن تحتاج إلى المزيد من الطاقة مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، مما قد يزيد من خطر الانقراض.

الحرارة والطاقة
ومع ذلك، فإن دراسة جديدة لباحثين من جامعة موناش بأستراليا، نشرت في 2 مارس (آذار) 2023 بدورية «نيتشر كلايمت تشانغ»، تشير إلى أن درجة الحرارة، ليست العامل البيئي الوحيد الذي يؤثر على احتياجات الطاقة المستقبلية للحيوانات ذوات الدم البارد، حيث يلعب تفاعلها مع الأنواع الأخرى دوراً مهماً.
وتشير النتائج التي توصلت إليها الدراسة، إلى أن الحيوانات ذوات الدم البارد ستحتاج في عالم أكثر دفئاً إلى طاقة أكثر، مما كان يعتقد سابقاً، وهذا قد يزيد من خطر الانقراض.
وكمية الطاقة التي تستخدمها الحيوانات في فترة زمنية معينة تسمى «معدل التمثيل الغذائي»، الذي يتأثر بمجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك حجم الجسم ومستويات النشاط. وتتمتع الحيوانات الأكبر حجماً بمعدلات تمثيل أعلى من الحيوانات الصغيرة، والحيوانات النشطة لديها معدلات تمثيل أعلى من الحيوانات غير النشطة.
ويعتمد معدل التمثيل الغذائي أيضاً على درجة حرارة الجسم، وذلك لأن درجة الحرارة تؤثر على معدل تقدم التفاعلات الكيميائية الحيوية المشاركة في استقلاب الطاقة، وبشكل عام، إذا ارتفعت درجة حرارة جسم الحيوان، فإن معدل الأيض الخاص به سوف يتسارع بشكل كبير.
ومعظم الحيوانات التي تعيش اليوم هي من ذوات الدم البارد أو «خارجية الحرارة»، وهي كائنات حية مصادرها الداخلية الفسيولوجية للحرارة صغيرة نسبياً أو أهميتها ضئيلة جداً في السيطرة على درجة حرارة الجسم.
وباستثناء الثدييات (اللبائن) والطيور، تعتبر الحشرات والديدان والأسماك والقشريات والبرمائيات والزواحف، من الحيوانات «ذوات الدم البارد» أو «خارجية الحرارة».
ونظرا لأن تغير المناخ بفعل الإنسان يرفع درجات الحرارة العالمية، فمن المتوقع أيضا أن ترتفع درجات حرارة أجسام الحيوانات ذوات الدم البارد.
وتقول ليزلي ألتون، الباحثة الرئيسية بالدراسة في تقرير نشره موقع «ذا كونفرسيشن»، بالتزامن مع نشر الدراسة، إن «معدل التمثيل الغذائي لبعض الحيوانات (خارجية الحرارة)، ربما يكون قد زاد بالفعل بنسبة تتراوح بين 3.5 في المائة و12 في المائة بسبب ارتفاع درجة حرارة المناخ، الذي حدث بالفعل، لكن هذا التوقع لا يأخذ في الحسبان قدرة الحيوانات على التأقلم من الناحية الفسيولوجية مع درجات الحرارة الأكثر دفئاً».
ويشير التأقلم إلى قدرة الحيوان على إعادة تشكيل فسيولوجيته للتعامل مع التغيير في بيئته، ولكن نادراً ما يؤدي التأقلم إلى إبطال تأثير درجة الحرارة على عمليات التمثيل الغذائي، ولهذا السبب، بحلول نهاية القرن، لا يزال من المتوقع أن يكون للحيوانات (خارجية الحرارة) معدلات استقلابية أعلى بنحو 20 في المائة إلى 30 في المائة مما هي عليه الآن.
والحصول على معدل استقلاب أعلى، يعني أن الحيوانات ستحتاج إلى المزيد من الطعام، وهذا يعني أنها قد تتضور جوعاً إذا لم يتوفر المزيد من الطعام، وهذا يؤثر في قدرتها على العثور على رفقائها للتكاثر.
وكانت المحاولات البحثية السابقة لفهم التكاليف النشطة لارتفاع درجة حرارة المناخ بالنسبة لذوات الدم البارد، محدودة من جانب واحد مهم، حيث استخدم الباحثون في الغالب حيوانات تمت دراستها في بيئات مختبرية بسيطة نسبياً حيث كان التحدي الوحيد الذي واجهوه هو تغيير درجة الحرارة.

تحديات الطبيعة
ومع ذلك، تواجه الحيوانات العديد من التحديات الأخرى في الطبيعة، يتضمن ذلك التفاعل مع الأنواع الأخرى، مثل التنافس على الغذاء والعلاقات بين المفترس والفريسة. ورغم أن الأنواع تتفاعل طوال الوقت في الطبيعة، فإنه نادراً ما تتم دراسة كيف يؤثر ذلك على معدلات التمثيل الغذائي.
وتوضح ليزلي ألتون: «في دراستنا أردنا فحص كيف يمكن لتفاعلات الأنواع أن تغير التنبؤات حول التكاليف النشطة لارتفاع درجة حرارة المناخ للحيوانات ذوات الدم البارد، وللقيام بذلك، لجأنا إلى ذبابة الفاكهة (من جنس ذبابة الفاكهة)».
وتضع أنواع ذباب الفاكهة بيضها في مواد نباتية متعفنة، وتتفاعل اليرقات التي تفقس من هذا البيض وتتنافس على الطعام.
وتضمنت دراستنا تربية أنواع ذباب الفاكهة بمفردها أو معاً في درجات حرارة مختلفة، ووجدنا أنه عندما يتنافس نوعان من يرقات ذبابة الفاكهة على الغذاء في درجات حرارة أكثر دفئاً، كانا أكثر نشاطاً بعد البلوغ، من الذبابات البالغة التي لم تتنافس مع الأنواع الأخرى مثل اليرقات، وهذا يعني أنها استخدمت أيضاً المزيد من الطاقة.
تقول فانيسا كيليرمان، الباحثة المشاركة بالدراسة: «من هذا، استخدمنا النمذجة لاستنتاج أن تفاعلات الأنواع في درجات حرارة عالمية أكثر دفئاً تزيد من احتياجات الطاقة المستقبلية لذباب الفاكهة بنسبة تتراوح بين 3 في المائة و16 في المائة». وتشير هذه النتائج إلى أن الدراسات السابقة قد قللت من تقدير التكلفة النشطة لارتفاع درجة حرارة المناخ بالنسبة للحرارة الخارجية، وهذا يعني أن الأساليب الفسيولوجية البحتة لفهم عواقب تغير المناخ على الحيوانات ذوات الدم البارد من المحتمل ألا تكون كافية.
ويعد فهم احتياجات الحيوانات من الطاقة أمراً مهماً لفهم كيفية بقائها على قيد الحياة وتكاثرها وتطورها في البيئات الصعبة.
وتضيف كيليرمان: «في عالم أكثر دفئاً، ستحتاج الحرارة الخارجية الأكثر سخونة إلى مزيد من الطاقة للبقاء والتكاثر، وإذا لم يكن هناك ما يكفي من الطعام لتلبية احتياجات الجسم من الطاقة، فقد يزداد خطر الانقراض».



إعادة كائن مجهري إلى الحياة بعد بقائه متجمداً 24 ألف عام

كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)
كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)
TT

إعادة كائن مجهري إلى الحياة بعد بقائه متجمداً 24 ألف عام

كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)
كائن ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (أ.ب)

تمكن علماء من إعادة كائن حي مجهري إلى الحياة، بعد أن أمضى نحو 24 ألف عام مدفوناً في التربة الصقيعية بسيبيريا، في اكتشاف علمي يسلط الضوء على قدرات بعض الكائنات الحية على البقاء في ظروف قاسية لفترات زمنية استثنائية، حسب موقع «بي بي سي» البريطاني.

ويُعرف هذا الكائن، الذي ينتمي إلى فصيلة «الدوارات» (Bdelloid Rotifers)، بقدرته الفائقة على تحمل الظروف البيئية القاسية، بما في ذلك الجفاف والتجمد والحرمان من الغذاء وانخفاض مستويات الأكسجين.

لكن قدرته على البقاء في حالة من السكون الحيوي المعلّق، لأكثر من 20 ألف عام تحت طبقات من الأرض المتجمدة، تمثل اكتشافاً لافتاً حتى بالنسبة إلى أكثر علماء الأحياء خبرة.

وكانت دراسات سابقة قد أشارت إلى أن هذه الكائنات المجهرية تستطيع البقاء على قيد الحياة لمدة تصل إلى عشر سنوات في حالة التجمد. غير أن الباحثين في الدراسة الجديدة استخدموا تقنية التأريخ بالكربون المشع لتحديد عمر العينات التي استخرجوها من التربة الصقيعية، وتبين أنها تعود إلى نحو 24 ألف عام.

وعثر العلماء على الكائن المجهري داخل عينة أسطوانية من التربة المتجمدة، استخرجت من منطقة نهر ألايزيا في القطب الشمالي الروسي، قبل أن يتركوه يذوب تدريجياً، ليعود إلى الحياة.

وفي تعليقه على نتائج الدراسة، قال ستاس مالافين، من معهد المشكلات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية لعلوم التربة في روسيا، إن أبرز ما تكشفه النتائج هو أن «كائناً متعدد الخلايا يمكن تجميده والاحتفاظ به على هذه الحالة آلاف السنين، ثم يعود إلى الحياة مجدداً؛ وهو حلم راود كثيراً من كتّاب الخيال العلمي».

وأضاف: «بطبيعة الحال، كلما ازدادت درجة تعقيد الكائن الحي، ازدادت صعوبة الحفاظ عليه حياً في حالة التجمد. أما بالنسبة إلى الثدييات، فإن ذلك لا يزال أمراً غير ممكن في الوقت الراهن».

وتابع أن الانتقال من القدرة على حفظ كائن وحيد الخلية إلى حفظ كائن يمتلك جهازاً هضمياً ودماغاً، حتى وإن كان مجهري الحجم، يمثل «خطوة كبيرة إلى الأمام».

ولفهم آلية تجمد هذه الكائنات القديمة واستعادتها نشاطها الحيوي، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب المخبرية، شملت تجميد عشرات الدوارات ثم إذابتها ومراقبة استجابتها.

وخلصت الدراسة، التي نُشرت في مجلة «Current Biology» العلمية، إلى أن هذه الكائنات تستطيع تحمل تكوّن بلورات الجليد داخل خلاياها وأنسجتها، وهي عملية تحدث خلال التجمد البطيء، من دون أن تفقد قدرتها على استعادة نشاطها الحيوي بعد ذوبانها.


بعد نجاح تخليق خلية شبه حية... ماذا يخبئ المستقبل؟

التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية
التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية
TT

بعد نجاح تخليق خلية شبه حية... ماذا يخبئ المستقبل؟

التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية
التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية

تحركت كايت أدمالا على المنصة ذهاباً وإياباً، داخل «معهد تاريخ العلوم» في فيلادلفيا، بينما ظهرت على شاشة القاعة كتلة تتوهج باللون الأحمر. وكانت الباحثة ترتدي بدلة سوداء، تحمل على إحدى طيات صدرها شارة (رسماً كرتونياً لكتلة تبتسم، وهي تغرس علماً على سطح القمر).

وحملت الشارة عبارة: «خطوة صغيرة لـ(سباد سيل)»، في محاكاة ساخرة لـ«سباد سيل» (SpudCell)، الاسم الذي أطلقته أدمالا، عالمة البيولوجيا الاصطناعية بجامعة مينيسوتا، على الخلية الحمراء التي تطفو فوقها.

العلماء يسعون لخلق خلايا مصنّعة تماثل خلايا الجسم الحي الطبيعية

خلية مخلّقة تنمو وتتكاثر

جدير بالذكر أنه يمكن لخلية «سباد سيل» أن تنمو، وتنسخ حمضها النووي، وتنقسم إلى خليتين، ثم تبدأ دورة حياتها من جديد. والمثير أن هذه الخلية صنعها البشر من مكونات جامدة لا حياة فيها. وعند الكشف عنها في يوليو (تموز)، لاقت إشادة من بعض الخبراء، باعتبارها أقرب ما وصل إليه العلم لصنع حياة من الصفر.

والآن، وصلت أدمالا إلى فيلادلفيا، لعقد لقاء مع باحثين وعلماء في الأخلاقيات «العلمية»، إلى جانب ممثلين عن قطاع التكنولوجيا الحيوية والحكومة؛ إذ إن الوقت قد حان للبت في كيفية الاقتراب بـ«سباد سيل» أكثر من مفهوم الحياة، وتحديد السبل الآمنة لاستخدامها في تحسين حياة البشر.

وفي حديثها أمام الجمهور، قالت أدمالا: «مع ابتكار الخلايا الاصطناعية، أصبح لدينا نظام حيوي نستطيع فهمه والتحكُّم فيه بالكامل. وهنا تحديداً تبدأ المتعة (العلمية) الحقيقية».

في يوليو (تموز)، أسست أدمالا بالتعاون مع ثلاثة علماء آخرين منظمة غير ربحية تُدعى «بيوتيك»، لدعم الأبحاث المتعلقة بـ«سباد سيل».

ودارت الفكرة حول تخليق خلية ذاتية الاستدامة، يمكن للباحثين دراستها وتعديلها هندسياً، لإنتاج أدوية وأغذية ووقود وغيرها من المواد، التي تعجز البيولوجيا الطبيعية عن إنتاجها.

وكان اجتماع الشهر الماضي بمثابة الظهور الأول لمنظمة «بيوتيك».

وأطلق العلماء على يوم الاجتماع اسم «بلومزداي» (يوم الازدهار)، على أمل أن يكون معادلاً لمصطلح «يوم القيامة». واستعرض نحو 12 منهم تفاصيل العمل الأساسي، الذي بدأوه من أجل تطوير «سباد سيل».

ونجحت «سباد سيل» بالفعل في إثارة اهتمام الكثير من العلماء فور ظهورها الأول، في يوليو (تموز) الماضي، وذلك لأسباب تجاوزت قربها الشديد من أن تكون كائناً حياً بحق؛ فالحقيقة أن الخلايا الطبيعية معقدة وغارقة في الغموض، وحتى أصغر الميكروبات تحتوي على عشرات الجينات، التي لم يستوعب العلماء طبيعتها تماماً بعد.

في المقابل، وبحكم بناء «سباد سيل» من الصفر، يمتلك فريق أدمالا استيعاباً كاملاً لكل جزء استخدموه. ويأملون أن يجعل هذا الفهم الشامل تعديل خلايا «سابد سيل» هندسياً أسهل بكثير من الخلايا العادية.

صورة تبين مراحل نمو خلية «سباد سيل» الاصطناعية

ريبة وشكوك... وآفاق واعدة

ومع ذلك، استقبل بعض العلماء «سباد سيل» بشيء من الريبة والشك، وينتظرون رؤية ما إذا كانت هذه التكنولوجيا قادرة على الوفاء بوعودها. وفي هذا الصدد، قال سيس ديكر، العالم الفيزيائي بجامعة ديلفت للتكنولوجيا: «لا أجدها دراسة مقنعة». وعبَّر ديكر عن اعتقاده بأن «سباد سيل» - في الوقت الحالي – هي في الواقع أقل مما تبدو عليه في الظاهر، موضحاً أن أدمالا وزملاءها زودوها بـ 36 جيناً، لكن جيناً واحداً فقط منها كان نشطاً خلال تجاربهم.

وكان من مؤشرات التحفظ العلمي كذلك رفض دورية «سيل» العلمية، نشر ورقة بحثية تفصل ابتكار «سباد سيل». وحتى الآن، تتوفر هذه الورقة البحثية عبر الإنترنت باعتبارها مسودة أولية سابقة للنشر. وخلال اجتماع «بلومزداي»، ذكرت أدمالا أن الورقة تخضع حالياً للمراجعة في دورية أخرى.

وفي أثناء انعقاد الاجتماع نفسه، أقر باحثو «سباد سيل»، وعلى رأسهم أدمالا، بأنه ما يزال أمامهم شوط كبير قبل الوصول إلى خلية ذاتية الاستدامة، يمكن لأي عالم تصنيعها من مكونات معدة سلفاً. وجدير بالذكر أن الخلايا البيولوجية على سبيل المثال، تصنع البروتينات داخل مصانع جزيئية تُعرف بـ«الريبوسومات» (ribosomes). إلا أنه كي تستخدم الخلايا هذه الريبوسومات، يتعين عليها في المقام الأول أن تتولى إنتاجها بنفسها.

في المقابل، تعجز خلايا «سباد سيل» عن تصنيع ريبوسوماتها الخاصة؛ إذ يضطر العلماء (المشرفون عليها) إلى إمدادها بريبوسومات مُستخلصة من خلايا أخرى. ومع استخدام «سباد سيل» لهذه الريبوسومات في إنتاج البروتينات، تبدأ تلك المصانع الجزيئية في التهالك.

من جهته، يعمل يوشيرو شيميزو، عالم البيولوجيا الجزيئية في معهد «ريكن» الوطني للأبحاث في اليابان، على معالجة هذه المشكلة، من خلال إجراء تجارب على عشرات الجزيئات، التي تتكون منها الريبوسومات، أملاً في إيجاد طريقة تحفزها على التجمع لتشكيل مصانع جديدة. وفي الوقت ذاته، يختبر باحثون آخرون بروتينات مختلفة، لمعرفة ما إذا كان بإمكانها جعل خلايا «سباد سيل» تنقسم بدقة أكبر، بينما يتقصى فريق آخر سبل جعل الحمض النووي لـ«سباد سيل» حساساً للضوء، بحيث يمكنهم تفعيل جيناتها عبر ومضات بألوان مختلفة.

اللافت أن جميع مشروعات «سباد سيل» القائمة حول العالم، تجابه التحدي ذاته: كثرة الخيارات المتاحة؛ إذ توجد حلول وتركيبات لا حصر لها، عملياً، لتكوين الريبوسوم أو أي خاصية أخرى في «سباد سيل».

من ناحيتها، تعمل روزانا زيا، عالمة البيولوجيا الحاسوبية بجامعة ميزوري، على تقليص هذه الخيارات، من خلال بناء نموذج افتراضي لـ«سباد سيل». وكانت زيا وفريقها قد طوروا بالفعل نماذج حاسوبية دقيقة للميكروبات الطبيعية. وشرحت زيا أنه: «لدينا القدرة على سبر أغوار هذه الأنواع من الخلايا، ورصد مواقع كل الجزيئات بدقة متناهية في كل لحظة زمنية». ويعكف فريقها حالياً على محاكاة ملايين الجزيئات داخل خلية «سباد سيل» واحدة، آملين أن تثمر هذه التجارب الافتراضية، خلية «سباد سيل» مطوَّرة، يمكن لأي مختبر إنتاجها بنفسه، باستخدام بروتوكول مفتوح المصدر من منظمة «بيوتيك».

تطوير كيانات بيولوجية ذاتية الاستدامة يمكن تعديلها هندسياً لإنتاج أدوية وأغذية ووقود تعجز البيولوجيا الطبيعية عن إنتاجها

هندسة بيولوجية

ويستلهم العلماء فكرتهم من نظام «يونكس» ـ نظام تشغيل حاسوبي رائد، أُنشئ في سبعينات القرن الماضي. ولأنه كان بسيطاً ومفتوحاً أمام الجميع، جذب «يونكس» مجتمعاً عالمياً من علماء الحاسوب الذين استخدموه في الابتكار والتطوير.

ويأمل الباحثون أن تصبح «سباد سيل» بمثابة نظام «يونكس» للتكنولوجيا الحيوية (خلية بسيطة يمكن تعديلها هندسياً بأشكال لا حصر لها من التطبيقات النافعة). ورغم أن الجزء الأكبر من اجتماع فيلادلفيا استغرق في التخطيط العلمي، فإن علماء الأخلاقيات وخبراء الأمن الحيوي ناقشوا كذلك التساؤلات الأخلاقية التي تفرضها «سباد سيل».

وتتساءل لوري زولوث، اختصاصية الأخلاق البيولوجية بجامعة شيكاغو: «هل يُعد هذا خلقاً للحياة؟» من جهتها، لطالما شددت أدمالا وزملاؤها على أنهم لم يخلقوا حياة بالفعل، ويؤكدون في الوقت ذاته صعوبة وضع حد فاصل ومطلق بين ما هو حي وما هو غير حي.

ومع ذلك، يدرك العلماء إمكانية إساءة استخدام «سباد سيل»، وأن ثقة الرأي العام في هذا النمط من العلوم البيولوجية قد تنهار. وأشارت زولوث إلى أن شركة «أوبن إيه آي» تأسست في البداية (تماماً مثل «بيوتيك») باعتبارها منظمة غير ربحية، مكرسة لتطوير ذكاء اصطناعي آمن لمصلحة البشرية.

وتساءلت زولوث: «ما الذي انحرف عن مساره هناك؟ ولماذا بات الناس غير واثقين بالذكاء الاصطناعي عموماً إلى حد الاستعداد للتظاهر أمام مراكز البيانات؟».

من جانبها، تتعامل أدمالا وزملاؤها مع ملف السلامة والأمن بجدية بالغة منذ البداية؛ فقبل تقديم «سباد سيل» على نطاق واسع، عملوا على هندسة حمضها النووي وبروتيناتها، بحيث لا يمكنها البقاء على قيد الحياة إلا عبر الاعتماد على نظام غذائي كيميائي فريد وغير موجود في الطبيعة.

ويأمل الباحثون أن تضمن هذه التدابير عدم تسرب «سباد سيل» من المختبرات أو إمكانية إطلاقها كسلاح بيولوجي. وقالت أدمالا: «يمكننا حماية الأحياء والتحكم فيها عند أكثر مستوياتها جوهرية».

إن الآفاق الواعدة (وربما المخاطر كذلك) تبدو هائلة فيما يتعلق بفقاعة ميكروسكوبية لا تكاد تظل حية في الوقت الحالي، حتى في ظل توفير الكثير من الرعاية والتغذية.

من ناحيته، قال درو إندي، عالم البيولوجيا الاصطناعية بجامعة ستانفورد، وأحد مؤسسي منظمة «بيوتيك»: «سنحتاج إلى كل ما يمكننا نيله من التوفيق وحسن الحظ، فنحن بحاجة ماسة إليهما».

* خدمة «نيويورك تايمز»


حقنة واحدة لإصلاح الطفرة الجينية المسببة لمرض تخزين الحديد

 يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة
يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة
TT

حقنة واحدة لإصلاح الطفرة الجينية المسببة لمرض تخزين الحديد

 يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة
يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة

في خطوة قد تمهّد لعلاج جذري لأحد أكثر الأمراض الوراثية شيوعاً في أوروبا نجح باحثون في تطوير طريقة جديدة لتصحيح الخلل الجيني المسؤول عن داء ترسّب الأصبغة الدموية الوراثي أو ما يعرف بـ«مرض تخزين الحديد». وقد أظهرت التجارب قبل السريرية أن التقنية تمكنت من إصلاح الطفرة المسببة للمرض، وخفض تراكم الحديد في الكبد بصورة ملحوظة.

والأهم أن الباحثين انتقلوا في تطوير العلاج من استخدام النواقل الفيروسية إلى جسيمات دهنية نانوية، وهي جزيئات بالغة الصغر تستطيع إيصال أدوات التصحيح الجيني إلى خلايا الكبد بكفاءة مع بقاء مكوناتها العلاجية في الجسم لفترة قصيرة فقط. ويرى الفريق أن هذه الخطوة قد تجعل العلاج أكثر أماناً وأسهل إنتاجاً وأقل تكلفة، إذا أثبتت التجارب البشرية فاعليته.

ونُشرت النتائج في دورية «Journal of Hepatology» في 10 يونيو (حزيران) 2026 بعد أن اختبر فريق من كلية هانوفر الطبية التقنية في ألمانيا خلايا بشرية وحيوانية ونموذج فأر مصاب بزيادة الحديد.

إصلاح الخلل الجيني

• إصلاح الخلل من جذوره: يحدث داء ترسّب الأصبغة الدموية الوراثي عندما يتعطل نظام الجسم المسؤول عن ضبط امتصاص الحديد من الأمعاء. وفي أكثر من 80 في المائة من الحالات يرتبط المرض بطفرة محددة في جين (HFE) تُعرف باسم (C282Y)، وتكون موجودة في نسختي الجين الموروثتين من الوالدين.

ويؤدي هذا الخلل إلى فقدان بروتين (HFE) قدرته على تنظيم امتصاص الحديد، فيستمر الجسم في امتصاص كميات تفوق حاجته. ومع مرور الوقت يتراكم الحديد في الكبد وأعضاء أخرى ما قد يؤدي إلى آلام المفاصل والسكري وتلف الكبد، بل يزيد خطر الإصابة بسرطان الكبد في الحالات المتقدمة.

وتعتمد المعالجة الحالية بصورة أساسية على سحب الدم بشكل دوري ومنتظم لتقليل مخزون الحديد، وهو إجراء قد يستمر طوال حياة المريض. أما الأدوية التي ترتبط بالحديد وتساعد على التخلص منه، فقد تكون محدودة الاستخدام بسبب آثارها الجانبية. لكنّ الباحثين يحاولون هذه المرة إصلاح السبب الجيني نفسه بدلاً من التعامل مع نتائجه.

• «مقص جيني» أكثر دقة: كما استخدم فريق البحث من قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد والأمراض المعدية والغدد الصماء بكلية هانوفر الطبية بألمانيا بقيادة البروفسور مايكل أوت والدكتور سايمون كروس تقنية تعرف باسم (Base Editing)، وهي إحدى تقنيات التحرير الجيني المرتبطة بنظام كريسبر/ كاس (CRISPR/Cas).

وعلى خلاف الأساليب التقليدية التي قد تقطع شريطي الحمض النووي معاً، تعمل هذه التقنية على تعديل قاعدة واحدة محددة في أحد شريطي الحمض النووي (دي إن إيه) DNA، وبعد ذلك تستعين الخلية بآليات الإصلاح الطبيعية لديها لاستكمال التصحيح في الشريط الآخر ما يؤدي إلى إزالة الطفرة المسببة للمرض. ويقول الباحثون إن تجنب إحداث قطع مزدوج في الحمض النووي قد يقلل خطر ظهور طفرات غير مرغوبة.

ولإيصال أدوات التصحيح إلى الكبد استخدم الفريق الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) مغلفاً داخل جسيمات دهنية نانوية. ويحمل هذا الحمض التعليمات اللازمة لإنتاج أدوات التحرير الجيني، ثم يتحلل داخل الجسم خلال فترة قصيرة.

تصحيح الطفرة

• تصحيح أكثر من نصف الطفرات: أظهرت النتائج أن التقنية تمكنت في نموذج الفئران من تصحيح ما يصل إلى 67 في المائة من القواعد الجينية المعيبة بالتزامن مع انخفاض واضح في تراكم الحديد داخل الكبد. وبلغت كفاءة التصحيح نحو 70 في المائة في خلايا كبد الفئران، ونحو 65 في المائة في خلايا كبد بشرية مشتقة من مرضى مصابين بداء ترسّب الأصبغة الدموية.

ويشير الباحثون إلى أن تصحيح نحو 50 في المائة من الخلل قد يكون كافياً لإنتاج كمية مناسبة من بروتين (HFE) الوظيفي لاستعادة تنظيم امتصاص الحديد. واللافت أيضاً أن الفريق لم يرصد تأثيرات كبيرة غير مستهدفة في مناطق أخرى من الجينوم ما يشير إلى مستوى مرتفع من الدقة في التجارب التي أجريت حتى الآن.

• من علاج مستمر إلى إصلاح لمرة واحدة: وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها وأمانها في البشر فقد تغير مستقبل علاج المرض جذرياً. فبدلاً من الاعتماد على سحب الدم بصورة متكررة مدى الحياة، قد يصبح من الممكن في المستقبل تصحيح الخلل الجيني نفسه بجرعة علاجية واحدة، ومنع تراكم الحديد قبل أن يؤدي إلى تلف دائم في الأعضاء.

ولا يزال هذا الاحتمال في مرحلة البحث؛ إذ يتعين إجراء تجارب سريرية على البشر للتأكد من سلامة العلاج وفاعليته على المدى الطويل. لكنّ الباحثين يأملون في الانتقال إلى هذه المرحلة قريباً، كما يدرسون إمكانية استخدام تقنية التصحيح الجيني نفسها لعلاج أمراض وراثية أخرى. وقد يكون هذا التطور بداية لتحول مهم في الطب الوراثي من السيطرة على المرض بعد ظهوره إلى إصلاح الخلل الذي تسبب فيه من الأساس.